أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد العاطي جميل - ست ملاحظات في بلاغة وحجاج الذات















المزيد.....



ست ملاحظات في بلاغة وحجاج الذات


عبد العاطي جميل

الحوار المتمدن-العدد: 8685 - 2026 / 4 / 22 - 04:47
المحور: الادب والفن
    


عيشة الفتى أو كيف يكتب الشاعر فتوتَه الرمزية (*)

توطئة

تنهض قصيدة "عيشة الفتى" (2012) للشاعر عبد العاطي جميل على تركيب شعري كثيف يجعل الذات موضوعًا للقول وموضوعًا للحجاج في الآن نفسه؛ إذ لا يقدم الشاعر شخصية " الفتى" باعتبارها معطى جاهزًا أو كيانًا محددًا سلفًا، بل يُشَيِّدُها تدريجيًا عبر سلسلة من الصور والإحالات والتكرارات التي تمنح النص بعدًا استدلاليًا يتجاوز الوصف إلى بناء أطروحة ضمنية حول معنى الوجود الشعري وأخلاقيته. وعليه، فالقصيدة لا تُقرأ بوصفها نصًا غنائيًا فحسب، بل بوصفها خطابًا يشتغل داخل المجال الرمزي للحجاج، أَنَّى تتولد صورة الذات من خلال آليات إقناعية دقيقة، قوامُها التكرار والتناص والتوجيه التداولي وبناء الإيتوس . وتنبع أهمية المقاربة الحجاجية في هذا المقام من ابتعاد النص عن التقرير المباشر، كي يستثمر اللغة المجازية والمرجعيات الثقافية لإقناع المتلقي بصورة مميزة للفتى : شاعرًا وناسكًا ومتمردًا وثائرا في آنٍ واحد. وعليه ، تنتظم القراءة الراهنة حول إشكال مركزي : كيف تبني القصيدة صورة الفتى في أطروحة حجاجية ؟ وكيف تتحول البنية الشعرية إلى جهاز تداولي لإنتاج الشرعية الرمزية للذات ؟ .

أولًا . الإيتوس الشعري وبناء شرعية الذات :

يشكل الإيتوس ، وفق تصور بيرلمان ، البنية الأساس التي يشيد بها المتكلم صورته داخل الخطاب ، ليس لاكتساب المصداقية فقط ، بل لتأمين قبول الجمهورعبر سلسلة من الإشارات الرمزية والثقافية التي تمنح الذات شرعية متعددة المصادر. وفي قصيدة " عيشة الفتى " ، لا تنكشف الذات عبر تصريح مباشر، بل عبر تراكم الصفات والصور الرمزية ، إذ تنتج تدريجيًا شخصية شعرية متكاملة ، تمتد من البعد الداخلي إلى الشرعية الرمزية والثقافية ، فتتحول إلى كيان حجاجي يُقنع القارئ من خلال موقعه ضمن شبكة دلالية واسعة
في البداية ، يقول الشاعر: " من أعلن انتماءه لشجر في حبوه ". وعبر هذا الاستهلال ، يُؤسس الإيتوس على الارتباط بالأصل والبراءة الأولى ؛ فالشجر يمثل أكثر من عنصر طبيعي ، إنه استعارة حجاجية للصفاء والنقاء الفطري . ولا يكتفي الإعلان عن الانتماء للشجر بإظهار صفة داخلية ، بل يحوّل الذات إلى رمز أخلاقي وجمالي، حيث يُنظر إليها على أنها كائن متصل بجذور الحياة ، يمتلك وعيًا مبدئيًا بالفطرة الإنسانية.
ثم ينتقل الخطاب إلى قوله : " في خلوة ابن عربي" ، فيتوسع الإيتوس ليشمل الشرعية الروحية والعرفانية . الإحالة إلى الخلوة الصوفية تمنح الذات بعدًا رمزيًا يتجاوز الفعل الفردي ، وتربطها بسلسلة من القيم الثقافية والروحية ذات سلطة عالية داخل الذاكرة الرمزية العربية . هذا الانتقال من الطبيعة إلى الروحانية يوضح أن الإيتوس يتشكل عبر مستويات متدرجة : المستوى الأخلاقي والفطري (الشجر) ، المستوى الرمزي والروحاني ( الخلوة الصوفية ) .
يتوسع الإيتوس أكثر مع إحالات مثل : " في حانة أبو نواس" و " في معلقة لبيد بن ربيعة " ؛ إذ تمثل حانة أبو نواس التمرد الجمالي والمغامرة الفردية ؛ لأنها تحيل إلى فضاء التجربة الحسية ، حيث يظهر الفتى ككائن قادر على خرق الحدود ، ويؤكد استقلاله الفني والجمالي . وتمثل معلقة لبيد بن ربيعة الشرعية الشعرية التراثية ؛ إذ تربط الذات بالشعر القديم ، فتؤكد امتدادها داخل الثقافة العربية ، وتمنحها مصداقية معرفية وتاريخية . بهذا ، تصبح شخصية الفتى ملتقى ثلاثة أنظمة رمزية متكاملة : نظام صوفي عرفاني يمنح الشرعية الروحية والعمق الداخلي. ونظام شعري تراثي يمنح الشرعية الثقافية والتاريخية . ونظام تمرد جمالي وفردي يومئ إلى الشرعية الإبداعية والفعلية . ويمكن تمثيل تراكم الشرعيات في شخصية الفتى على شكل سلم حجاجي ثلاثي المستويات المتدرجة .
ومن خلال هذا التدرج، لا تُعرَّف الذات دفعة واحدة، بل تتراكم صفاتها عبر وحدات حجاجية متتالية ، بحيث تُنتج شخصية مركبة متعددة الشرعيات : أخلاقية وروحانية وثقافية وفنية . بهذا الأسلوب ، يصبح الفتى كيانًا رمزيًا موثوقًا داخل الخطاب ، وتُبنى مصداقيته ليس بالتصريح المباشر، بل بالموقع الاستدلالي داخل شبكة الذاكرة الثقافية .
يُظهر التحليل أن الإيتوس في هذه القصيدة يتشكل ديناميا ومتدرجًا ؛ فكل إحالة رمزية تضيف طبقة جديدة من الشرعية ، بحيث يتولد لدى القارئ إحساس بأن شخصية الفتى لا تُفهم إلا من خلال تراكم الصورالرمزية وتداخل مستوياتها : من الصفاء الطبيعي إلى العمق الروحي ، ثم إلى التمرد الجمالي، وصولًا إلى الشرعية الشعرية التراثية . لذلك ، تكمن قوة هذه الشخصية الشعرية في المصداقية المتعددة المصادر، وفي قدرتها على أن تسهم في إقناع القارئ عبر الشبكة الحجاجية الرمزية التي تترسخ داخل الوعي الثقافي الجماعي .

ثانيًا . السُلَّم الحِجاجي وآلية التكرار البنائي :

تتأسس القصيدة على اللازمة المتكررة : " كأنه ، هو" ، وهي لازمة لا تُقرأ بوصفها مجرد علامة إيقاعية تؤمّن انتظام النسيج الإنشادي، بل بوصفها آلية حجاجية دقيقة تُنتج المعنى عبر التدرج والتكثيف . فهذه الصيغة تؤدي وظيفة ربط استدلالي تجعل كل مقطع تالٍ امتدادًا لما قبله ، بحيث لا يظهر القول الشعري في شكل تقرير مباشر، وإنما في صورة بناء متصاعد تتراكم فيه المؤشرات الدلالية حتى تبلغ صورة مكتملة للذات الشعرية . ومن منظور حجاجي يتاخم تصورات أزوالد ديكرو، فإن كل تكرار لا يعيد المعنى نفسه ، بل يضيف إليه درجة جديدة داخل سلّم حجاجي تتنامى فيه القوة الإقناعية من مقطع إلى آخر، لأن الملفوظ اللاحق يحمل توجيهًا تداوليًا أقوى من سابقه ويعيد تأويله في ضوء ما يستجد من علامات .
في البداية يقول الشاعر: " من أشعل ذبالة صمت " ؛ وهنا تتحدد أولى درجات السلم الحجاجي في مستوى داخلي خافت ، إذ إن فعل الإشعال لا يتعلق بنورمكتمل ، بل بـ " ذبالة " ، أي ببقايا ضوء هشّ داخل فضاء الصمت . والمعنى هنا لا يعلن حضورالذات في صورة فعل صاخب ، وإنما يكشفها بوصفها وعيًا يتكون في الخفاء ، أو شرارة أولى تنبثق داخل منطقة الكتمان . ثم ينتقل الخطاب إلى درجة ثانية أكثر اتساعًا في قوله : " من راهن على كوخ فصاحة " ؛ فالفعل هنا يغادر المجال التأملي إلى مجال الاختيار الواعي ، لأن الرهان يتضمن قصدًا ومخاطرة ، كما أن الفصاحة نفسها تُقدَّم في صورة " كوخ " ، أي باعتبارها فضاءً هشًّا لكنه صالح للسكن الرمزي، مما يدل على أن اللغة تصبح مأوى للذات بعد أن كان الصمت شرطًا أوليًا لتكوّنها. وهكذا تنتقل الذات من امتلاك الشرارة الداخلية إلى تشييد موقع لغوي يتيح لها الظهور.
أما الدرجة الثالثة، فتبلغ ذروتها في قوله : " من أضرم نار العصيان الجميل " ، حيث يتحول الفعل من مجرد إشعال داخلي أو رهان لغوي إلى فعل احتجاجي ذي حمولة رمزية واضحة . فالنار هنا لم تعد ضوءًا محدودًا كما في " ذبالة " ، بل أصبحت طاقة اشتعال كاملة ، والعصيان لم يعد مجرد موقف نفسي، بل صار إعلانًا جماليًا وموقفًا وجوديًا في الآن نفسه . إن اقتران العصيان بصفة " الجميل" يكشف أن الشاعر لا يقدّم التمرد باعتباره عنفًا، بل باعتباره إعادة تشكيل للعالم وفق حساسية رمزية تجعل الجمال نفسه أفقًا للمقاومة .
وعلى هذا الأساس ، يتبين أن الحركة الداخلية للنص تقوم على انتقال مضبوط من الصمت إلى الفصاحة ثم إلى العصيان ؛ أي من مستوى الوعي الباطني إلى مستوى التمثّل اللغوي ثم إلى مستوى الفعل الرمزي . وهذا الانتقال ليس مجرد تعاقب صور، بل هو تنظيم حجاجي يجعل كل صورة حجة تمهّد لما يليها وتمنحه مشروعيته . فالصمت ليس نقيضًا للكلام ، بل شرطًا سابقًا له ؛ والفصاحة ليست غاية نهائية ، بل معبرًا نحو الفعل ؛ والعصيان ليس انفصالًا عن اللغة ، بل ذروتها التداولية حين تتحول الكلمة إلى موقف .
وترتيبا عليه ، لا يقدّم الشاعر الذات دفعة واحدة في تعريف مباشر، بل يوزعها عبر وحدات استدلالية متتابعة ، بحيث يتشكل معناها بالتراكم لا بالإخبار. إن كل مقطع يضيف ملمحًا جديدًا إلى صورة الفتى ، حتى تنبثق النتيجة الضمنية التي يقود إليها السلم الحجاجي كله : إن هذه الذات لا تُدرك إلا من خلال تراكم رموزها، ولا تُعرّف إلا عبر مسار تصاعدي يجعلها كينونة استثنائية تتشكل تدريجيًا داخل اللغة ، ثم تتجاوزها إلى أثر رمزي أوسع .

ثالثًا. الأفعال الكلامية في القصيدة :

في ضوء التداولية ، لا تُفهم اللغة في هذه القصيدة بوصفها وعاءً ناقلًا للمعنى أو أداة محايدة للإخبار، بل باعتبارها ممارسة إنجازية تُنتج أفعالًا داخل القول نفسه ؛ أي إن الملفوظ الشعري لا يكتفي بأن يقول شيئًا عن العالم ، بل يقوم بعمل رمزي داخل العالم الذي يبنيه . ومن هذا المنظور، تصبح الجملة الشعرية أقرب إلى فعل كلامي تتداخل فيه الدلالة مع المقصد ، ويغدو كل تركيب لغوي حاملًا لوظيفة تداولية تتجاوز ظاهره التركيبي . ذلك أن القصيدة لا تعرض الذات عرضًا مباشرًا، بل تُنشئها تدريجيًا عبر سلسلة من الأفعال القولية التي تُراكم صورة المتكلم وتؤسس موقعه الخطابي، بحيث لا تُفهم الذات من خلال تصريح واحد ، بل من خلال مجموع الأفعال التي تنجزها اللغة في مسار النص .
وأول هذه الأفعال فعلُ الإقرار الذي يتجلى في قول الشاعر: " من أعلن انتماءه لشجر" . فظاهر العبارة يوحي ببنية وصفية أو سردية ، غير أن عمقها التداولي يكشف أنها ليست مجرد إخبار عن علاقة بين ذاتٍ والشجر، بل فعل إعلان صريح للانتماء . إن فعل " أعلن " هنا ينتمي إلى الأفعال التي تُنتج هوية لحظة التلفظ بها ؛ لأن الإعلان لا يصف الانتماء فقط، بل ينجزه رمزيًا. فالذات لا تقول إنها تحب الشجر أو تتأمله ، بل تُدخل نفسها داخل حقل انتماء رمزي يجعل الطبيعة مرجعًا هوياتيًا لها . ومن ثم يتحول الملفوظ إلى ما يشبه التصريح الوجودي : الذات تُعرّف نفسها عبر انخراطها في عالم الشجر بما يحمله من دلالات الرسوخ والتجذر والصمت والنمو البطيء . وبهذا المعنى ، لا يكون القول عن الشجر وصفًا خارجيًا، بل فعلًا من أفعال بناء الهوية ؛ لأن الانتماء المعلن يعيد رسم حدود الذات داخل المجال الرمزي .
أما الفعل الثاني ، فهو فعل الاعتراض الذي يتجسد في قوله : " من أضرب عن الركوع " ، حيث تنتقل اللغة من تسجيل حالة إلى إعلان موقف. فالإضراب هنا لا يُقرأ بمعناه الحرفي فقط ، بل بوصفه فعل امتناع مقصودًا، أي فعلًا احتجاجيًا يحمل قيمة تداولية واضحة. إن الذات لا تكتفي بالإشارة إلى عدم الركوع ، بل تجعل من هذا الامتناع نفسه علامة خطابية على المقاومة ؛ لأن الامتناع في السياق الشعري لا يعني السكون، بل يعني اتخاذ موقف رمزي من سلطةٍ ، ظاهرة أو مضمرة . ولذلك يتحول الملفوظ إلى فعل رفض، تتجاوز قوته المعنى المباشر إلى إنتاج صورة ذات تملك القدرة على الاعتراض . ومن منظور أفعال الكلام ، تؤدي هذه العبارة وظيفة إنجازية مزدوجة : فهي تعلن موقفًا ، وفي الوقت نفسه تمنح الذات مشروعية أخلاقية قائمة على عدم الامتثال .
واللافت أن هذا الاعتراض لا يُقدَّم في صيغة صدامية مباشرة ، بل في صورة رمزية تُبقي المعنى مفتوحًا على أكثر من مرجع : فقد يكون الركوع دينيًا أو اجتماعيًا أو سياسيًا أو وجوديًا ، لكن قوة العبارة تكمن في أنها تجعل من الامتناع نفسه قيمة خطابية قابلة للتأويل في مستويات متعددة . وهذا ما يمنح النص قدرة على إنتاج مقاومة غير صريحة ، لكنها فعالة تداوليًا ؛ لأن المتلقي يُدرك أن الامتناع ليس غياب فعل ، بل فعل مضاد .
ويأتي بعد ذلك فعل التحريض في قوله : " يحرض على الأناشيد " ، وهو من أكثر الأفعال الكلامية كثافة في القصيدة ؛ لأن التحريض بطبيعته فعل موجَّه نحو الآخر، أي إنه لا يكتمل إلا بوجود أفق استجابة محتمل . فاللغة هنا لم تعد تشتغل داخل حدود الذات فقط ، بل خرجت إلى المجال الجماعي ، وأصبحت تُنتج خطابًا تعبويًا . إن التحريض على الأناشيد لا يعني فقط الدعوة إلى الغناء ، بل إلى استدعاء الصوت الجماعي بوصفه طاقة رمزية مضادة للصمت . ولهذا يتحول الفعل الشعري من بناء صورة المتكلم إلى محاولة التأثير في المحيط ، أي من فعل هوية إلى فعل تعبئة .
ومن منظور التداولية ، يعد التحريض من الأفعال التوجيهية التي ترمي إلى تعديل سلوك المتلقي أو إعادة توجيه أفقه الوجداني ؛ فالقصيدة لا تقترح الأناشيد باعتبارها عنصرًا جماليًا فحسب ، بل باعتبارها وسيلة لإنتاج حالة وجدانية مشتركة . وهذا يعني أن الخطاب الشعري يغادر منطقة التأمل الفردي ليقترب من الوظيفة التحريضية التي تجعل اللغة قادرة على استنفار الجماعة رمزيًا . وهكذا يتحول النص إلى فضاء تُنتج فيه الكلمات إمكانية الحركة ، ولو على مستوى التخيل .
أما الفعل الرابع ، والأكثر تعقيدًا في البنية التداولية للنص ، فهو فعل الاعتراف المؤجل الذي لا يظهر إلا في النهاية مع عبارة : " يشبهني" . فهذه الصيغة القصيرة تُحدث انقلابًا تأويليًا في مجمل القصيدة ، لأنها تكشف فجأة أن كل ما سبق لم يكن توصيفًا لذات غائبة أو لشخصية مفترضة ، بل كان بناءً تدريجيًا لاعتراف مؤجل . إن الذات تؤخر تسمية علاقتها بما تقوله حتى اللحظة الأخيرة ، فتجعل القارئ على امتداد مسار النص يتعامل مع سلسلة صفات وأفعال دون يقين نهائي بشأن صاحبها ، ثم تأتي النهاية لتربط كل ذلك بالمتكلم نفسه .
وهنا تظهر براعة التأجيل التداولي : فالقصيدة لا تقدم الهوية منذ البداية ، لأنها لو قامت بذلك لفقد البناء أثره الاستدلالي؛ إذ إن تأخير الاعتراف يسمح بتراكم صورة الذات أولًا ، ثم كشف انتمائها لاحقًا . وبذلك يصبح " يشبهني " فعلًا كلاميًا ذا وظيفة استرجاعية ؛ لأنه لا يضيف معنى جديدًا فقط ، بل يعيد تفسير كل المقاطع السابقة في ضوء جديد . فالذات ، عبر هذا التأجيل ، تُرغم المتلقي على العودة ذهنيًا إلى كل ما سبق : إلى الشجر والامتناع والتحريض والخلوة والتناص، ليكتشف أن هذه العناصر كلها لم تكن خارجية ، بل كانت أجزاء من اعتراف مبني ببطء .
ومن منظور تداولي، يمثل هذا النوع من الاعتراف المؤجل استراتيجية خطابية دقيقة ؛ لأن المتكلم لا يمنح هويته دفعة واحدة ، بل يجعلها نتيجة تأويل . وهذا يخلق نوعًا من التواطؤ المعرفي بين النص والقارئ، إذ يُطلب من المتلقي أن يشارك في تركيب صورة الذات قبل أن تُعلن هذه الذات صلتها النهائية بها . وهكذا لا يكون الاعتراف مجرد تصريح متأخر، بل يصبح تتويجًا لمسار إنجازي كامل .
وعليه ، تُبنى القصيدة عبر سلسلة من الأفعال الكلامية المتداخلة : إعلان واعتراض وتحريض واعتراف ؛ وكل فعل منها لا يؤدي وظيفة معجمية فحسب ، بل يشارك في تأسيس صورة ذات تتحرك من التعريف بنفسها ، إلى مقاومة ما يعارضها ، إلى محاولة التأثير في العالم ، ثم إلى الكشف التدريجي عن مركزها الحقيقي . ومن ثمّ ، فاللغة في هذه القصيدة ليست وصفًا للهوية ، بل هي الأداة التي تُنتج هذه الهوية داخل الفعل الشعري نفسه .

رابعًا. التناص الحجاجي سلطةً استدلالية :

لا يشتغل التناص في هذه القصيدة بوصفه مجرد إحالة ثقافية تُضفي على الخطاب مسحة معرفية أو تزيينًا مرجعيًا ، بل يتجاوز ذلك ليؤدي وظيفة حجاجية دقيقة ، تجعل المرجع المستدعى قسما من بناء المعنى الاستدلالي للنص . فالنص لا يستحضر الأسماء والكتب الكبرى لكي يعلن انتماءه الثقافي فحسب، وإنما لكي يدخل الذات الشعرية في حوار ضمني مع نماذج ذات سلطة رمزية عالية ، بحيث تصبح هذه المرجعيات بمثابة مقدمات استدلالية تُبنى فوقها صورة المتكلم . ومن ثم فالتناص لا يوسّع أفق القراءة فقط ، بل يشتغل بوصفه آلية لتوليد الشرعية الخطابية ؛ لأن الذات لم تأتِ من عدم ولا تُقدَّم من فراغ ، بل تُبنى داخل شبكة من المقارنات المرجعية التي تمنحها معناها وحدودها في آن واحد .
فعندما يستدعي الشاعر رسالة الغفران ، لا يذكر نصًا تراثيًا مشهورًا على سبيل التلميح الثقافي العابر، بل يستدعي فضاءً كاملاً من التأمل العقلي والسؤال النقدي . ذلك أن هذا المرجع ، في الوعي الثقافي العربي ، لا يحيل فقط إلى رحلة تخييلية في العالم الآخر، بل إلى تجربة فكرية تتأسس على مساءلة القيم واختبار الحدود بين المألوف والممكن ، بين الخطاب الرسمي والرؤية الساخرة . ولهذا فحضور رسالة الغفران داخل القصيدة يمنح الذات الشعرية امتدادًا معرفيًا خاصًا ؛ إذ تبدو الذات، وهي " ترمم قرى أساطيرها " في هذا الفضاء ، كأنها تنتمي إلى تقليد ثقافي يجعل التفكير النقدي مكونا عضويا في مشروعها الوجودي . فالتناص هنا يُدخل المتلقي ضمنيًا إلى استنتاج أن هذه الذات ليست ذاتًا غنائية بسيطة ، بل ذات تمتلك خلفية رمزية تتيح لها أن تعيش اللغة بوصفها امتحانًا معرفيًا أيضًا.
وعندما ينتقل النص إلى استدعاء أسماء دينية كبرى مثل يوسف ويحيى، تصبح البنية الحجاجية أكثر دقة وتعقيدًا ؛ لأن هذه الأسماء لا تحضر باعتبارها إشارات سردية فقط ، بل باعتبارها نماذج طهرانية مستقرة في الذاكرة الجماعية ، تحمل دلالات أخلاقية وروحية ذات رسوخ كبير. فـيوسف في المخيال الديني يمثل نموذج الامتحان الأخلاقي والانتصارعلى غواية الجسد ، كما يمثل يحيى صورة الطهر والانضباط والاصطفاء الروحي . وعليه ، فإدخال الذات الشعرية في مجال هذه المرجعيات يفتح مباشرة أفق مقارنة ضمنية بينها وبين نماذج كبرى يصعب بلوغها .
غير أن أهمية القصيدة لا تكمن في مجرد استدعاء هذه النماذج ، بل في الكيفية التي تدير بها علاقتها بها . فالشاعر لا يسعى إلى أن يذيب ذاته داخل المثال ، ولا إلى أن يدعي التطابق معه ، بل يتعمد إعلان المسافة الفاصلة حين يقول : " لم يكُ يوسف كي يقول معاذ الله " . وهذه الصيغة السلبية ليست مجرد تقرير اختلاف ، بل هي في جوهرها بنية حجاجية قائمة على النفي المؤسس للشرعية ؛ لأن النفي هنا لا يهدم المرجع ، بل يعيد تعريف الذات انطلاقًا من عدم انطباقها عليه .
ومن منظور الحجاج ، يمثل هذا النفي نوعًا من الاستدلال بالمفارقة المرجعية ؛ فالذات لا تنال مشروعيتها عبر الادعاء بأنها توازي المثال الأعلى ، بل عبر اعترافها بأنها لا تطابقه . وبهذا المعنى ، يصبح " لم يك يوسف " حجة أقوى من ادعاء المشابهة ، لأن الاعتراف بالاختلاف يحرر الذات من وهم المثال الكامل ، ويجعلها تنتمي إلى شرطها الإنساني الحقيقي ؛ فالقصيدة لا تبحث عن شرعية مثالية متعالية ، بل عن شرعية بشرية تقوم على الوعي بالنقص والقبول بالهشاشة .
وهنا تتجلى دقة البناء التداولي للنص ؛ إذ إن المتلقي، بمجرد سماعه لاسم يوسف ، يستدعي تلقائيًا شبكة كاملة من المعاني الجاهزة : العفة والامتناع والطهر ومقاومة الغواية والإغراء . لكن الشاعر يخرق هذا التوقع حين ينفي التطابق، فينتج بذلك أثرًا تداوليًا قائمًا على إعادة توجيه المرجع : فبدل أن يكون الاسم أداة تزكية ، يتحول إلى مرآة تُظهر محدودية الذات البشرية . وهذه الحركة التأويلية تمنح النص عمقًا حجاجيًا ؛ لأن الذات لا تُقاس هنا بما تملكه من كمال ، بل بما تملكه من وعي بحدودها.
وينسحب الأمر نفسه على الإحالة إلى يحيى؛ فحين يقول الشاعر إنه لم يكن يحيى ، يبتعد مرة أخرى عن المثال الطهراني المكتمل ، ليؤسس صورة ذاتٍ لا تستمد قيمتها من التقديس ، بل من قدرتها على عبور التجربة الإنسانية بما فيها من ارتباك ورغبة وتردد . ومن ثمّ فالمرجع الديني لا يُستخدم لتثبيت صورة مثالية ، بل ليظهر كيف أن الذات الشعرية تعي استحالة المطابقة مع المطلق ، فتجعل من هذه الاستحالة نفسها عنصرًا من عناصر مشروعيتها .
ومن هنا يمكن القول إن التناص الديني والثقافي في القصيدة يشتغل وفق منطق مزدوج : فهو من جهة يرفع سقف المرجع ويستدعي نماذج عالية السلطة الرمزية ، لكنه من جهة ثانية يخلق داخل النص مسافة نقدية بين الذات وهذه النماذج ، بحيث لا تتحول الإحالة إلى تبعية ، بل إلى تفاوض مع المثال . وهذا التفاوض هو ما يمنح الذات بعدها الحديث ؛ لأنها لا تعلن نفسها استمرارًا مطلقًا للماضي ، ولا قطيعة معه ، بل حضورًا واعيًا بمرجعياته وحدوده .
إن القيمة الحجاجية العميقة لهذا البناء تكمن في أن الذات تكتسب مشروعيتها لا من خلال ادعاء الصفاء الكامل ، بل من خلال الاعتراف بأنها ذات بشرية تمر عبر الرغبة والتردد والاختبار والانكسار . وهكذا يصبح النفي ذاته أداة تأسيس : فحين يقول النص " لم يك يوسف " ، فهو لا ينقص من قيمة الذات ، بل يعيد تعريفها على أساس إنساني ، يجعلها أكثر صدقًا وأقرب إلى التجربة الممكنة . ومن ثم ، ليست الشرعية التي تبنيها القصيدة شرعية قداسة ، بل شرعية وعي ، أي شرعية ذات تعرف أنها لا تبلغ المثال ، لكنها لا تتخلى عن الحوار معه . وبذلك يتحول التناص من مجرد حضور مرجعي إلى جهاز استدلالي كامل : فكل اسم مستدعى يفتح أفق مقارنة ، وكل مقارنة تُنتج مسافة ، وكل مسافة تُسهم في صياغة صورة ذات شعرية تكتسب قوتها من هذا التوتر بين المرجع والـمُغايَرة ، بين المثال والنقص ، بين سلطة التراث وحرية التجربة .

خامسًا . البنية التداولية وتَحَوُّل المقام الخطابي :

لافي مطالع القصيدة ، يتحدد المقام الخطابي داخل فضاء تأملي صرف ، إذ تبدو الذات الشعرية منغلقة على تجربتها الداخلية ، منشغلة ببناء علاقتها بنفسها وبعالمها الرمزي الخاص، ولذلك تتكاثر في المقاطع الأولى مفردات الصمت والخلوة والحنين والانزواء والإنصات الباطني، بما يجعل القول الشعري أقرب إلى نجوى داخلية تتشكل في منطقة تقع بين الاعتراف المؤجل والتأمل الوجداني . فالذات لا تتقدم إلى الكلام بوصفها ذاتًا اجتماعية تعلن موقفًا مباشرًا، بل بوصفها كيانًا يختبر هشاشته الوجودية ويعيد ترتيب علاقته بالعالم عبر العزلة الرمزية ؛ ولذلك يرد الفعل الشعري في صور من قبيل : " أشعل ذبالة صمت " ، أو " يشرب وحده زلال عشق عتيق " ، أو " في خلوة ابن عربي" ، وهي كلها مؤشرات تداولية على أن المقام الأول للنص مقام ذاتي تتقدم فيه اللغة باعتبارها أداة للإنصات الداخلي أكثر من كونها أداة للتبليغ الخارجي . ومن منظور التداولية ، يمكن القول إن الفعل الكلامي هنا لا ينجز إخبارًا مباشرًا بقدر ما يؤسس صورة متكلم يتشكل عبر المسافة ، ويؤجل التصريح النهائي بهويته .
غير أن هذا المقام التأملي لا يظل ثابتًا ؛ إذ تبدأ القصيدة تدريجيًا في توسيع أفقها الخطابي ، إذ تنتقل الذات من دائرة التمثل الداخلي إلى فضاء أكثر انفتاحًا على الجماعة والتاريخ . ويحدث هذا التحول بوضوح حين تظهر عبارة : " الشعب يريد " ، وهي عبارة ذات حمولة تداولية كثيفة ، لأن حضورها داخل النص لا يُقرأ بوصفه إدراجًا لفظيًا عابرًا ، بل باعتباره انتقالًا في طبيعة المخاطَب والمقام معًا . فهذه الصيغة ، بما تحمله من ذاكرة احتجاجية حديثة ، تنقل الخطاب من مستوى الذات المتأملة إلى مستوى القول العمومي ، حيث لم تعد الذات تتحدث فقط عن أحوالها الداخلية ، بل أصبحت تتكلم من موقع ينخرط في أفق جماعي أوسع . وهنا تتغير وظيفة اللغة نفسها : من لغة بناء الذات إلى لغة استدعاء الجماعة ، ومن المجاز الفردي إلى العبارة ذات الأفق التداولي العمومي .
ويزداد هذا التحول وضوحًا حين يضيف الشاعر : " كل شعب لا يريد لا يعول عليه " ؛ إذ تنتقل القصيدة من مستوى الشعار الذي يستدعي ذاكرة جماعية معروفة ، إلى مستوى الصياغة التقريرية التي تحمل بنية شبه استدلالية واضحة . فهذه العبارة لا تعمل بوصفها صورة شعرية فقط ، بل بوصفها قاعدة عامة ذات وظيفة حجاجية مباشرة ، لأنها تقوم على تركيب منطقي ضمني قوامه الربط بين الإرادة والفاعلية التاريخية : إذا غابت الإرادة ، انتفى التعويل ؛ وإذا انتفى التعويل ، تعطلت القدرة على التغيير . وبهذا المعنى ، يصبح القول الشعري قريبًا من بناء قاعدة استدلالية ، تُقدَّم في صورة تقرير موجز، لكنه مشحون بقوة إقناعية واضحة . إنها بالفعل قاعدة استدلالية فيها شيء كثير من ابن عربي . من منظور الحجاج في اللغة، كما صاغه أزوالد ديكرو، فهذه الصيغة تشتغل بوصفها توجيهًا استدلاليًا يقود المتلقي نحو نتيجة ضمنية مفادها أن الإرادة ليست قيمة أخلاقية فقط ، بل شرط وجود تاريخي . فالشاعر لا يكتفي بتوصيف حالة أو تسجيل موقف ، بل يدفع القارئ إلى تبني استنتاج محدد ، وهو ما يمنح العبارة قوة شبه حجاجية مباشرة .
كما أن هذا الانتقال من " الشعب يريد " إلى " كل شعب لا يريد لا يعول عليه " يكشف أن الذات الشعرية لم تعد تكتفي بالانتماء إلى التجربة الخاصة ، بل صارت تمنح نفسها سلطة القول باسم أفق جماعي . وهنا يتحول ضمير المتكلم ضمنيًا من ذات فردية تبحث عن معنى وجودها إلى ذات تسعى إلى إنتاج شرعية خطابية داخل المجال العمومي . فحين كانت الذات في بدايات النص تتكلم من داخل الخلوة ، كانت تبني مشروعيتها عبر الصمت والرمز والتأمل ؛ أما حين تصل إلى هذا المستوى من الخطاب ، فإنها تعيد بناء مشروعيتها عبر الانخراط في لغة التعميم والموقف .
ويكشف هذا التحول أيضًا أن القصيدة تتحرك وفق مسار تداولي متدرج : تبدأ من الذات باعتبارها مركزًا للمعنى ، ثم تمر عبر الثقافة بوصفها مرجعية للشرعية ، قبل أن تنتهي إلى الجماعة باعتبارها أفقًا للقول . لذلك لا تأتي العبارة الاحتجاجية منفصلة عمّا قبلها ، بل تمثل نتيجة طبيعية لمسار نسقي كامل ؛ لأن الذات التي تمر عبر الصمت والقراءة والخلوة والتناص تنتهي إلى أن تصبح ذاتًا قادرة على تحويل تجربتها إلى خطاب عمومي .
ومن ثم ، فالانتقال من الهوية الذاتية إلى الشرعية الجماعية لا يعني إلغاء البعد الشخصي ، بل يعني توسيعه ليصبح قابلاً للتمثيل الجماعي ؛ أي إن الذات لا تذوب في الجماعة ، لكنها تكتسب شرعيتها النهائية حين تصير قادرة على التعبير عن أفق مشترك . ولهذا لا يظهر الاحتجاج في القصيدة باعتباره انفصالًا عن الذات ، بل باعتباره تتويجًا لمسار طويل من التكوين الداخلي ؛ وكأن الشاعر يريد أن يقول إن الصوت الذي يحق له أن يتكلم باسم الجماعة هو الصوت الذي مرّ أولًا عبر امتحان الصمت والخلوة واللغة والمعرفة
وهكذا تكشف هذه الحركة أن القصيدة لا تبني فقط صورة " فتى " يعيش تجربته الخاصة ، بل تبني ذاتًا تتدرج من العزلة إلى المشاركة ، ومن النجوى إلى القول العمومي ، ومن التأمل الفردي إلى شرعية رمزية تُستمد من القدرة على تحويل التجربة الشخصية إلى معنى جماعي ، وهو ما يمنح النص بعده التداولي العميق ، إذ يصبح الشعر مجالًا لإعادة تشكيل العلاقة بين الأنا والتاريخ ، بين الصوت الفردي وصوت الجماعة .

سادسًا. البنية العميقة للقصيدة :

إذا أُعيد تركيب القصيدة ضمن منظور نسقي ، أمكن القول إن بنيتها العميقة لا تتوزع اعتباطًا بين صور متجاورة أو إحالات متناثرة ، بل تنتظم وفق ثلاث دوائر دلالية كبرى تتشابك فيما بينها لتنتج المعنى الكلي للنص ، بحيث تبدو كل دائرة منها بمثابة حقل رمزي مستقل ، لكنها لا تكتمل إلا من خلال تفاعلها مع الدائرتين الأخريين . ومن لا تبني القصيدة لا تبني ذاتها عبر خط مستقيم ، بل عبر حركة حلقية - لولبية تتدرج من الداخل إلى الخارج ، ومن التجربة الباطنية إلى المجال الثقافي ، ثم إلى الفضاء العمومي ، وهو ما يمنح النص دينامية حجاجية تجعل الذات الشعرية مركزًا لتقاطع مستويات متعددة من الوعي والتجربة .
الدائرة الأولى هي بالتعيين دائرة الذات ، وهي النواة الأصلية التي ينطلق منها البناء الشعري ؛ إذ تتكرر مفردات من قبيل : الصمت ، الطفولة ، الخلوة ، الحنين ، الظنون ، العشق ، الحزن ، والإنصات الداخلي . في هذه المنطقة من النص، لا تُقدَّم الذات باعتبارها حضورًا مكتملًا ، بل بوصفها كيانًا يتشكل في العزلة ويعيد اختبار وجوده عبر الإصغاء إلى هشاشته الداخلية . فالصمت هنا ليس مجرد غياب للكلام ، بل هو فضاء تأسيسي للوعي، ولذلك يرد منذ المطلع مقترنًا بالفعل الخلاق : " من أشعل ذبالة صمت " ؛ أي إن الصمت نفسه يتحول إلى مادة قابلة للاشتعال الرمزي، بما يدل على أن الذات لا تبدأ من الامتلاء بل من نقصٍ خلاّق . أما الطفولة ، فلا تحضر باعتبارها مرحلة زمنية منقضية ، بل باعتبارها طاقة أصلية تحفظ للذات نقاءها الأول، وتمنحها قدرة على مقاومة التكلس ؛ لذلك يقول الشاعر إن ما يكفيه هو " طفولة خيمت في عروقه "، بما يجعل الطفولة في هذا السياق بنية باطنية مستمرة لا ذكرى منقطعة . وفي السياق نفسه، تؤدي الخلوة وظيفة مزدوجة : فهي من جهة شرط تأمل داخلي، ومن جهة ثانية مدخل إلى بناء شرعية رمزية للذات عبر اقترانها بالتراث الصوفي؛ إذ تتحول الخلوة إلى مقام وجودي يتيح للذات أن تُنصت إلى نفسها قبل أن تتكلم باسم العالم . أما الحنين ، فيمثل الطاقة العاطفية التي تربط الذات بنفسها وتمنعها من الانفصال الكامل عن أصلها الوجداني ؛ فالذات هنا لا تتقدم نحو العالم إلا وهي مشدودة باستمرار إلى عمقها الداخلي .
أما الدائرة الثانية ، وهي دائرة الثقافة ، فتتمثل في الحضور الكثيف للأسماء والرموز المرجعية التي يستدعيها النص ، مثل ابن عربي ، أبو نواس ، لبيد بن ربيعة ، أبو العلاء المعري ، وأبو القاسم الشابي . وهذه الأسماء لا ترد في القصيدة بوصفها زينة ثقافية أو استعراضًا معرفيًا ، بل باعتبارها بنية استناد حجاجي تُدخل الذات في حوار مع سلسلة من النماذج الرمزية الكبرى . فحين يستدعي الشاعر ابن عربي، لا يستدعي مجرد اسم صوفي ، بل يستدعي تصورًا للذات قائمًا على السفر الباطني، وعلى تحويل التجربة الفردية إلى أفق عرفاني . وحين يحضر أبو نواس ، يفتح النص بابًا آخر من أبواب التمرد الجمالي ، أَنَّـى يصبح الخروج عن المألوف مكونا عضويا في شرعية القول الشعري . أما لبيد ، فيمثل صلة الذات بجذر القصيدة العربية في بعدها الوجودي والإنشادي، بما يجعل الحاضر الشعري متكئًا على ذاكرة بعيدة لا تنفصل عن الراهن . ثم يأتي حضور أبي العلاء عبر رسالة الغفران ليمنح الذات أفقًا تأمليًا نقديًا ، لأن المعري في الوعي الثقافي العربي رمز للعقل القلق وللرؤية التي لا تسلّم بالمألوف . أما استدعاء أبي القاسم الشابي فيرتبط ضمنيًا بمنطق الإرادة والاحتجاج ، خاصة حين يقترب النص من العبارات الجماعية المرتبطة بالتحرر والرفض . ومن هنا فإن هذه الدائرة الثقافية لا تُكوّن مجرد خلفية مرجعية ، بل تشتغل بوصفها فضاءً تتوزع داخله الذات ، بحيث تتعدد شرعياتها الرمزية بين الصوفي والشعري والتمردي والتأملي .
وتأتي الدائرة الثالثة ، دائرة الاحتجاج ، بوصفها المرحلة التي تخرج فيها الذات من تأملها الداخلي ومن حوارها الثقافي إلى المجال العمومي ، حيث تظهر مفردات مثل : الشعب ، العصيان ، الوطن ، البسطاء ، الخذلان ، المطالب ، والمواطنة . هنا يتغير مقام الخطاب بوضوح ، إذ لا تعود القصيدة منشغلة ببناء الذات لذاتها ، بل تجعل هذه الذات في تماس مباشر مع الأسئلة الجماعية . إن قول الشاعر: " من أضرم نار العصيان الجميل " يكشف انتقال اللغة من التأمل إلى الفعل الرمزي ، حيث يصبح العصيان نفسه قيمة جمالية وأخلاقية . كما أن العبارة : " الشعب يريد " تستدعي مباشرة أفقًا احتجاجيًا حديثًا ، لكنها لا تُستعمل كشعار سياسي جاهز، بل تُعاد كتابتها داخل النسيج الشعري لتصبح قسما من بناء الذات بوصفها ذاتًا لا تنفصل عن المجال العمومي . وفي هذا المستوى أيضًا ، يكتسب الوطن معنى مزدوجًا : فهو ليس مجرد مكان جغرافي ، بل مجال للتفاوض الرمزي بين الخيبة والأمل ، بين الانتماء والاعتراض . أما حضور " البسطاء " في النص ، فيمنح الخطاب بعدًا أخلاقيًا واضحًا ، لأن الذات الشعرية لا تكتمل إلا بانحيازها إلى الهشاشة الإنسانية وإلى أولئك الذين لا صوت لهم داخل المشهد العام .
تكمن أهمية هذا التدرج الحلقي في أنه لا يجعل الدوائر الثلاث منفصلة ، بل يجعل كل واحدة منها تُغذّي الأخرى . فدائرة الذات تمنح الثقافة بُعدها الوجداني ، والثقافة تمنح الاحتجاج شرعيته الرمزية ، والاحتجاج يعيد الذات إلى العالم بوصفها ذاتًا مسؤولة . وعليه ، فالذات الشعرية في هذه القصيدة لا تُختزل في ضمير فردي مغلق ، بل تظهر بوصفها نقطة التقاء بين الروحي والجمالي والسياسي؛ أي بين تأمل الداخل ، واستحضار الذاكرة الثقافية ، والانخراط في سؤال الجماعة . وهكذا يغدو النص فضاءً تتعايش فيه الخلوة الصوفية مع التمرد اللغوي ، والحنين الشخصي مع الوعي العمومي ، في بنية تجعل من الفتوة الشعرية شكلًا من أشكال الوجود المركب الذي لا يكتمل إلا بتوتره الخلاق بين هذه الحقول الثلاثة .

ومضة الختام :

قصيدة "عيشة الفتى" نص مُعْجِبٌ ومُقْنِع ، ممتع ومفيد . يكشف أن الخطاب الشعري عند الشاعر عبد العاطي جميل لا يشتغل على إنتاج صورة غنائية مغلقة ، بل يبني ذاتًا حجاجية متعددة الطبقات ، تتأسس عبر الإيتوس والسُلَّم الحجاجي والتناص المرجعي والتحول التداولي للمقام ؛ فاللازمة المتكررة : " كأنه ، هو " ليست مجرد تقنية إيقاعية ، بل جهاز استدلالي يؤجل التعيين ليمنح الذات قوة تأويلية مفتوحة . كما أن التناص لا يعمل بوصفه زينة ثقافية ، بل باعتباره سلطة رمزية تسند صورة المتكلم . ومن ثمّ فإن القصيدة تقدم نموذجًا للشعر الذي يتحول فيه بناء الذات إلى فعل إقناع ثقافي ؛ حيث يغدو الفتى صورة للشاعر حين يصير الكائن اللغوي حاملًا لذاكرة التراث ، وقلق الحاضر، وإمكان الاعتراض . وبذلك تؤكد القصيدة أن الشعر لا يصف الذات فقط ، بل يصوغ مشروعيتها داخل اللغة والتاريخ معًا .
..................................................................
مراكش 11 أبريل 2026
.......................................

ــ للناقد الدكتور عبد الجليل بن محمد الأزدي

(*) ــ يشكل هذا المنشور قسما من دراسة موسعة قيد الطبع. وقد تم تخفيفه من ترسانة الإحالات الأكاديمية لغرض النشر الاجتماعي والتعميم الجماهيري ..



#عبد_العاطي_جميل (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بعينين مفتوحتين
- من حبر خوف
- من وبر صمتها
- عن شجرة نسيان
- من حبر شظاياها
- عاشق مع وقف التنفيذ
- من تسلل العبارة
- بضمائر منفصلة
- من حانة الشوق
- من مسودات حياد
- حبر لا يحن لميلاد
- من مقبرة مزهرة
- على حافة الحلم
- ركض على ركح المجاز
- من حمى أرشيف
- مخطوطة
- في دمي تقيم
- من صمت ابتسامتها
- من عناق أفعى
- من طقوس سخية


المزيد.....




- -توم وجيري- يعودان إلى السينما في -البوصلة المحرمة-
- تراجع النشاطات الفنية والرياضية في كردستان بسبب الحرب والأزم ...
- فيلم -Blue52- للمخرج المصري علي العربي يحظى بدعم ميسي
- من روما القديمة إلى اليوم.. حصاد الزيتون يعود إلى الكولوسيوم ...
- كشف شبكة إعلامية ممولة من البنتاغون لترويج الرواية الأمريكية ...
- الإبادة كتسلية.. كيف تُصاغ حروب إسرائيل العدوانية كترفيه؟
- وفاة -سيدة الشاشة الخليجية- الممثلة الكويتية حياة الفهد عن 7 ...
- في مئوية ميلادها.. بريطانيا تستذكر إليزابيث الثانية بـ 4 صو ...
- الشاعر الصيني شاو شوي: التعايش بين الثقافات المختلفة هو أكثر ...
- رحيل حياة الفهد.. بيوت العرب تودع -سيدة الشاشة الخليجية- وحز ...


المزيد.....

- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد العاطي جميل - ست ملاحظات في بلاغة وحجاج الذات