أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد زهدي شاهين - ★من الفكرة إلى القرار★ -حين لا تكفي الفكرة وحدها-














المزيد.....

★من الفكرة إلى القرار★ -حين لا تكفي الفكرة وحدها-


محمد زهدي شاهين

الحوار المتمدن-العدد: 8684 - 2026 / 4 / 21 - 01:28
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ثمة وهم شائع يُسوَّق له أحيانًا، مفاده أن الفكر وحده كافٍ لإحداث التغيير، وأن الكلمة إذا بلغت عمقها الصحيح فإنها ستشق طريقها بنفسها إلى الواقع. وهذا صحيح جزئيًا، لكنه يغفل عن حقيقة أكثر صلابة؛ مفادها بأن الأفكار، مهما بلغت من النقاء والقوة، تظل رهينة من يحملها إلى حيز التنفيذ، ومن يملك الأدوات التي تُحوّلها من مجرد قناعة إلى قرار، ومن رؤية إلى سياسة.
إن التغيير من خارج دائرة السلطة يشبه إلى حد بعيد إلقاء حجر في بحيرة واسعة؛ قد تتسع دوائره، وقد تصل إلى الضفاف، لكنك لا تتحكم باتجاهها ولا بسرعة انتشارها، بل ولا حتى بمدى تأثيرها النهائي. أما حين تكون داخل دائرة السلطة، فإنك لا تكتفي بإلقاء الحجر، بل تتحكم في شكل البحيرة نفسها، وفي عمقها، وفي المسارات التي تسلكها المياه.
ولعل كتاب الأمير على الرغم من تحفظنا على الكثير مما جاء فيه، إلا أنه يقدم لنا واحدة من أكثر الصور وضوحًا في هذا السياق. فـنيكولو مكيافيلي لم يكن معنياً بالأخلاق المجردة بقدر ما كان مشغولًا بسؤال: كيف تُمارَس السلطة؟ وكيف تُحفظ؟ وكيف تُستخدم لإعادة تشكيل الواقع؟
في هذا العمل، يبرز بوضوح أن الحاكم الذي يمتلك الإرادة دون أدوات السلطة، كمن يرى الطريق ولا يستطيع السير فيه، بينما من يمتلك السلطة يستطيع – إن امتلك الرؤية – أن يفرض مسارًا جديدًا بالكامل.

يقول مكيافيلي، في جوهر طرحه، إن النوايا الحسنة وحدها لا تصنع دولة، بل القدرة على الفعل. وهذه الفكرة تتجسد تاريخيًا في تجارب عديدة. نأخذ مثلًا أوتو فون بسمارك، الذي لم يكتفِ بالتنظير لوحدة ألمانيا، بل استخدم أدوات الدولة – من دبلوماسية وحروب محسوبة – ليصنع واقعًا جديدًا على الأرض. لقد كانت الفكرة موجودة قبله، لكن السلطة وحدها هي التي جعلتها تتحقق.
وكذلك نيلسون مانديلا، الذي بدأ مشروعه من خارج السلطة، حاملاً فكرة العدالة والمساواة، لكن التحول الحقيقي لم يحدث إلا عندما انتقل إلى داخل منظومة الحكم. هناك فقط استطاع أن يُحوّل القيم إلى قوانين، والرؤية إلى مؤسسات، وأن يعيد تشكيل بنية الدولة نفسها، لا مجرد التأثير في وعي الناس.
إن الفارق بين الموقعين – خارج السلطة وداخلها – ليس فارقًا في القيمة الأخلاقية، بل في القدرة التنفيذية. فالمفكر قد يُلهم، وقد يُوجّه، وقد يُمهّد الطريق، لكنه يظل معرضًا لأن تُحرّف أفكاره أو تُنتقى منها أجزاء تخدم أجندات أخرى. أما صاحب السلطة، فإنه – إن امتلك الوعي – يكون أكثر قدرة على ضبط المسار، وتحديد الأولويات، وفرض الإيقاع، نعم فرض الإيقاع.
غير أن هذا لا يعني التقليل من دور الفكر، بل على العكس، فالفكر هو الشرط الأول لأي تغيير حقيقي. لكن الإشكالية تكمن حين يُفصل الفكر عن السلطة، أو حين يُترك المجال لغير المؤهلين لملء الفراغ. فالتاريخ لا ينتظر، والفراغ لا يبقى فراغًا؛ إما أن تملأه برؤية واعية مدعومة بقدرة تنفيذية، أو يُملأ برؤية مضادة قد تقود إلى نتائج معاكسة تمامًا.

وعليه، فإن الرهان الحقيقي لا ينبغي أن يكون على أحد المسارين دون الآخر، بل على الجمع بينهما؛ فالفكرٌ يصوغ الاتجاه، والسلطةٌ تملك القدرة على ترجمته. لأن الفكرة بلا سلطة قد تبقى حلمًا، والسلطة بلا فكرة قد تتحول إلى عبء، أما اجتماعهما فهو ما يصنع التحولات الكبرى، ويصبح حينذالك للصوت ذراع، وباجتماعهما كذلك يتم اجتياز إشكالية الفكر خارج دوائر الفعل وصنع القرار.

★مدرسة الواقعية الوطنية وإدارة الاختلاف★



#محمد_زهدي_شاهين (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- -الفراغ لا يبقى فراغًا لهذا يصبح التقدّم مسؤولية-
- على حافة الرصاص… حين تتحول لقمة العيش إلى هدفٍ مُستباح
- ★اشكاليات عالقة★ حلف الفضول… حُجّة أخلاقية لإعاد ...
- حين تفشل الوحدة… هل نفشل نحن؟
- حين تُدار الانتخابات كعبء لا كفرصة -قراءة في اخفاق فتح في إد ...
- موسم الحجيج إلى طهران… تحولات القوة وصمود المعادلات
- حين انكشفت الحدود: السابع من أكتوبر وسقوط وهم العدالة الدولي ...
- المؤتمر العام الثامن حين تمتحن الحركات صدقها أمام شعبها
- توصية من أجل إعادة صياغة قانون وآلية جديدة لانتخابات البلديا ...
- المؤتمر العام الثامن لحركة فتح
- مفهوم السلام بعيون اسرائيلية امريكية
- زهران ممداني ورهانات
- خاطرة
- -البرنامج السياسي للحكومة الاسرائيلية هو رؤية توراتية تلمودي ...
- لقد كنت مغفلاً !!
- سيناريوهات وتداعيات رحيل يحيى السنوار
- قراءة تحليلية في مشهد الاحداث
- حرب الابادة والعدوان الاسرائيلي على الضفة الغربية
- في حضرة المشهد
- المثقف بين نموذجين -النشط الحيوي- و -والنشط الصامت-


المزيد.....




- تيم كوك سيتنحى عن منصبه.. وشركة آبل تعلن عن خليفته
- كيف حقق متداولون أرباحاً بالملايين بعد تصريحات ترامب؟
- ماكرون ينتقد واشنطن وطهران ويصف ما يجري في هرمز بـ-خطأ من ال ...
- ترامب لن يرفع الحصار عن موانئ إيران قبل التوصل لاتفاق معها
- لماذا طلب زيلينسكي من تركيا ترتيب قمة مع بوتين؟
- من الانفجار السكاني إلى الانكماش.. تحول ديمغرافي غير مسبوق ف ...
- مناورات مشتركة بين واشنطن وطوكيو ومانيلا وبكين تحذر من -اللع ...
- سلوفينيا.. فشل غولوب في تشكيل الحكومة يمهّد لعودة حليف ترمب ...
- وائل حلاق: الفصل بين السلطات مبدأ إسلامي.. والمذاهب -صمام ال ...
- الجيش السوداني يستعيد بلدة إستراتيجية في النيل الأزرق


المزيد.....

- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد زهدي شاهين - ★من الفكرة إلى القرار★ -حين لا تكفي الفكرة وحدها-