أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - البشير عبيد - ما الذي يعنيه انتصار إيران في ميزان التحوًلات الإقليمية؟















المزيد.....

ما الذي يعنيه انتصار إيران في ميزان التحوًلات الإقليمية؟


البشير عبيد

الحوار المتمدن-العدد: 8682 - 2026 / 4 / 19 - 01:34
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ما الذي يعنيه “انتصار إيران” في ميزان التحولات الإقليمية؟

* البشير عبيد / تونس

لم يعد ممكناً التعامل مع التحولات الجارية في المنطقة بوصفها سلسلة من الأحداث المنفصلة أو ردود الفعل المتتابعة بين أطراف متنازعة، بل نحن أمام لحظة تاريخية تتشكل فيها ملامح نظام إقليمي جديد، يتجاوز في تعقيده كل ما عرفته المنطقة منذ عقود. هذا النظام لا يقوم على مركز واحد للقرار أو الهيمنة، بل على توازنات متحركة، تتقاطع فيها القوى الكبرى مع الفاعلين الإقليميين في شبكة شديدة السيولة.
في هذا السياق، يصبح سؤال “ما الذي يعنيه انتصار إيران؟” سؤالاً يتجاوز اللحظة السياسية المباشرة، ليمسّ البنية العميقة للصراع: طبيعة القوة، وحدود الردع، وإعادة تعريف مفاهيم النصر والهزيمة ذاتها. فهل الانتصار هو الحسم العسكري؟ أم فرض الإرادة السياسية؟ أم القدرة على البقاء داخل قلب المعادلة رغم كل محاولات العزل والاحتواء؟ أم أن الأمر يتعلق بقدرة طرف ما على تعطيل مشاريع الخصوم وإجبارهم على إعادة صياغة حساباتهم باستمرار؟
إننا، في الواقع، أمام تحول يجعل من فكرة “الانتصار” مفهوماً نسبياً، مفتوحاً، وغير مكتمل، يرتبط بقدرة الفاعل على الاستمرار داخل دائرة التأثير، لا على إنهاء الصراع نفسه.

من منطق الحسم إلى هندسة الصراع المفتوح

من أبرز سمات المرحلة الراهنة في المنطقة أن منطق الحسم النهائي بدأ يتراجع لصالح منطق “الصراع المفتوح”. لم تعد الحروب تُخاض بهدف تحقيق نصر كامل ونهائي، بل بهدف تحسين شروط التفاوض، وإعادة توزيع النفوذ، وفرض معادلات جديدة على الأرض. هذه النقلة ليست تقنية فقط، بل هي تحول في فلسفة القوة نفسها.
في هذا الإطار، تبدو إيران فاعلاً استطاع أن يتكيف مع هذا التحول، بل وأن يوظفه لصالحه في أكثر من ساحة. فبدلاً من الدخول في مواجهات تقليدية مباشرة مع منظومة القوة الغربية، اختارت طهران مساراً أكثر تعقيداً يقوم على الصبر الاستراتيجي، وبناء النفوذ التدريجي، وتوسيع دوائر التأثير عبر أدوات سياسية وأمنية وغير مباشرة.
هذا المسار لم يكن بلا كلفة. فالعقوبات الاقتصادية الطويلة، ومحاولات العزل الدبلوماسي، والضغوط الأمنية المستمرة، كلها شكلت بيئة ضغط عالية الكثافة. ومع ذلك، فإن ما يلفت الانتباه هو أن إيران لم تنكسر داخل هذه البيئة، ولم تنخرط في منطق الاستسلام أمام شروط الإمبريالية الأمريكية المتوحشة، بل واصلت إعادة إنتاج موقعها كفاعل إقليمي لا يمكن تجاوزه.
إن هذا النوع من “الانتصار الصامت” لا يُقاس بعدد المعارك، بل بقدرة طرف ما على منع خصومه من تحقيق أهدافهم النهائية. فتعطيل مشروع الإقصاء قد يكون في حد ذاته شكلاً من أشكال الانتصار، حتى لو لم يتحول إلى هيمنة كاملة.
ومن هنا، فإن المشهد الإقليمي لم يعد يسمح بوجود منتصر نهائي، بل بفاعلين ينجح كل منهم في تعطيل الآخر ضمن مسار طويل من إعادة التوازن المستمر.

الكيان الصهيوني الغاصب وتآكل منطق الردع

في قلب هذا التحول، يظل الكيان الصهيوني الغاصب أحد أبرز الفاعلين الذين تشكلت حولهم معادلة القوة في المنطقة لعقود طويلة. فقد تأسس دوره على فكرة التفوق العسكري النوعي، والردع المطلق، والقدرة على فرض قواعد الاشتباك من طرف واحد. غير أن التطورات الأخيرة أظهرت أن هذه المعادلة لم تعد تعمل بالكفاءة ذاتها.
فـ”إسرائيل”، رغم امتلاكها واحدة من أكثر المنظومات العسكرية تقدماً في المنطقة، تجد نفسها اليوم أمام بيئة استراتيجية أكثر تشظياً وتعقيداً. فالحروب لم تعد محصورة في جبهة واحدة، بل أصبحت متعددة الساحات، تتداخل فيها الجبهات العسكرية مع الأمنية والإعلامية والسياسية، بما يجعل من الصعب تحقيق حسم نهائي لأي مواجهة.
إضافة إلى ذلك، فإن بروز قوى إقليمية قادرة على إدارة المواجهة غير المباشرة، وعلى استنزاف الخصم في أكثر من نقطة تماس، قد أسهم في إعادة تعريف مفهوم الردع ذاته. فلم يعد الردع يعني منع الحرب فقط، بل القدرة على التحكم في إيقاعها وكلفتها واستمراريتها.
في هذا السياق، يصبح أي تطور في قدرات إيران أو حلفائها الإقليميين جزءاً من عملية اختبار مستمرة لحدود هذا الردع. فالمسألة لا تتعلق بمواجهة مباشرة فقط، بل بإعادة رسم بيئة التوازن التي طالما استفاد منها الكيان الصهيوني الغاصب لعقود.
وهكذا، فإن ما يبدو “استقراراً أمنياً” من الخارج، يخفي في داخله تآكلاً تدريجياً في فعالية النموذج التقليدي للهيمنة العسكرية، وهو تآكل لا يظهر في لحظة واحدة، بل يتراكم بصمت حتى يصبح جزءاً من الواقع الجديد.

إيران بين مقاومة الإمبريالية وإعادة تعريف القوة

في هذا السياق المتشابك، تقدم إيران نفسها كفاعل يرفض الخضوع لمنطق الهيمنة الغربية، ويعيد تعريف موقعه داخل النظام الدولي بوصفه حالة مقاومة ممتدة ضد الإمبريالية الأمريكية المتوحشة، التي سعت عبر عقود إلى فرض نمط واحد من التبعية السياسية والاقتصادية على المنطقة.
لكن هذه المقاومة لا يمكن اختزالها في بعدها الشعاراتي، بل هي ترتبط ببنية استراتيجية تقوم على إعادة تشكيل مفهوم السيادة ذاته. فإيران لا تتحرك فقط كدولة تدافع عن مصالحها، بل كفاعل يسعى إلى كسر احتكار القوة العالمية وإعادة توزيعها على نحو أكثر تعددية، حتى وإن كان ذلك عبر مسارات طويلة ومعقدة.
هذا الموقع يمنحها حضوراً استراتيجياً متناقضاً: فهي من جهة تتعرض لضغوط هائلة تشمل العقوبات والعزل ومحاولات الاحتواء، ومن جهة أخرى تنجح في الحفاظ على شبكة تأثير إقليمي تجعل من تجاوزها أمراً غير ممكن عملياً في الحسابات السياسية الكبرى.
لكن من المهم الإشارة إلى أن هذا “الصمود” ليس حالة ثابتة، بل عملية ديناميكية مستمرة، تتطلب إعادة توازن دائمة بين الداخل والخارج، وبين الإمكانيات والضغوط. فالقوة هنا ليست مطلقة، بل نسبية، تتغير وفق السياقات والتحولات.
في المقابل، فإن مفهوم “الانتصار” في الحالة الإيرانية لا يمكن فصله عن قدرتها على البقاء داخل قلب الصراع، وإجبار القوى الكبرى على التعامل معها كطرف أساسي لا يمكن تجاهله. وهذا بحد ذاته يمثل تحوّلاً في بنية النظام الإقليمي، الذي كان يقوم في السابق على إقصاء بعض الفاعلين أو تهميشهم.
إننا أمام مشهد تتداخل فيه القوة بالمقاومة، والسياسة بالاستراتيجية، حيث لا توجد نتائج نهائية، بل مسارات مفتوحة على احتمالات متعددة، يظل فيها ميزان القوى في حالة إعادة تشكيل دائمة.
لا يمكن فهم “انتصار إيران” بمعزل عن هذا التحول البنيوي الأوسع الذي يشهده النظام الإقليمي والدولي. فنحن لا نعيش لحظة حسم، بل لحظة تفكك للثوابت القديمة وصعود توازنات جديدة أكثر هشاشة وتعقيداً. وفي هذا العالم المتغير، لم يعد الانتصار حدثاً نهائياً، بل أصبح قدرة مستمرة على البقاء في قلب اللعبة.

* كاتب صحفي و باحث في قضايا التنمية و المواطنة و النزاعات الإقليمية و الدولية و آخر تطورات الصراع العربي - الصهيوني.



#البشير_عبيد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إيران و نهاية الحرب : بين الهدنة المعلنة و سردية الإنتصار
- حين يصير الوطن قصيدة : محمد الصغير أولاد احمد و بلاغة التمرً ...
- الأسرى الفلسطينيون : حين تتحوًل الزنازين إلى المعركة الأخيرة
- حين يغني الغياب : احمد قعبور بوصفه ذاكرة لا تطفأ
- نصر الدين العسالي...حين تصبح اللوحة دربا لمقاومة العتمة
- إيران في مواجهة الهيمنة الأمريكية و الكيان الصهيوني : صراع ا ...
- حين يتحوًل المقال إلى مسار تفكير : قراءة في كتاب -بين السطور ...
- حين يصبح الزمن سلاحا : إيران و محور المقاومة في معركة الإستن ...
- لطيفة الدليمي..الكتابة كقدر إنساني في زمن مضطرب
- مدريد تكسر الإصطفاف : تصدًع في جدار التحالف الغربي أم إعادة ...
- العدوان الأمريكي - الصهيوني على إيران : اعادة رسم قواعد المع ...
- مأزق النخب العربية و انسداد الأفق التاريخي
- ما يراه الأعمى للسيد بوفايد : حين تبصر القصيدة ما تعجز عنه ا ...
- رواية - المهطوان- : رحلة وعي بين الحلم و الإنكسار
- في زمن التيه العربي : اسئلة المعنى و الوعي و المصير المشترك
- اليسار العربي : مراجعة موجعة في الوعي و الخيارات
- اليسار العربي في زمن الإنكسار العالمي : ازمة الدور و حدود ال ...
- الفكر و المواطنة : تحديات بناء الدولة في زمن الصراعات الإقلي ...
- الإمبريالية الأمريكية المتوحًشة : من اغتيال سلفادور الليندي ...
- تراكم الوعي و الإرادة في بناء الوطن العربي الجريح


المزيد.....




- محادثات استثنائية بين -حماس- و-فتح- لاستكمال تنفيذ المرحلة ا ...
- رسائل تصعيد وسط توتر مع سيول.. بيونغ يانغ تختبر صواريخ باليس ...
- بروفيسور أمريكي: إيران ستصبح القوة الرابعة عالميا إذا احتفظت ...
- بإشراف أمريكي.. توحيد ميزانية ليبيا بعد 13 عاما
- -التحقيقات الفيدرالي- يواصل التحقيق بلغز اختفاء وموت 11 عالم ...
- جندي إسرائيلي يحطم تمثال -المسيح- في لبنان.. غضب وتحقيق بتل ...
- تصدع -العلاقة الخاصة-.. حرب إيران تدفع بريطانيا للعودة إلى أ ...
- استثمار أمريكي في مشروع للمعادن النادرة بجنوب أفريقيا
- التباين بين عراقجي وقاليباف.. هل كشف حدود سلطة الحكومة أمام ...
- بعد إعلان ترامب.. فيديو للحظة إطلاق النار على سفينة إيرانية ...


المزيد.....

- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - البشير عبيد - ما الذي يعنيه انتصار إيران في ميزان التحوًلات الإقليمية؟