أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الارهاب, الحرب والسلام - ابراهيم برسي - كيف تُعلّمنا الكريهة أدب الحرب















المزيد.....

كيف تُعلّمنا الكريهة أدب الحرب


ابراهيم برسي

الحوار المتمدن-العدد: 8680 - 2026 / 4 / 17 - 10:02
المحور: الارهاب, الحرب والسلام
    


في صباحٍ عادي، قد تفتح الباب ولا تجد ما يشير إلى أن الحرب انتهت، أو حتى أنها بدأت. كل شيء يبدو في مكانه، لكنك تشعر أن المكان نفسه لم يعد كما كان. لا شيء واضح بما يكفي ليُقال، ولا شيء غامض بما يكفي ليتم تجاهله.

هنا تبدأ المشكلة… حين يصبح ما يحدث أكبر من أن يُسمّى، وأقرب من أن يُفهم.

في الخرطوم، لا تُعرَّف الحرب. كما لا تُعرَّف في دارفور، ولا في الجزيرة، ولا في تلك القرى التي لا تصلها الأخبار إلا بعد أن تكون قد حدثت بالفعل. كأن ما يحدث أكبر من أن يُسمّى بسهولة، أو كأن اللغة، كلما اقتربت، أدركت أنها لا تقول ما يكفي.

العرب، بحساسيتهم اللغوية، لم يسمّوا الحرب اسمًا واحدًا، لكنهم تركوا لها حقلًا دلاليًا واسعًا، فقد سموها البأساء، الهيجاء، الضرّاء، وأسماء أخرى.

كان كل اسم يحاول أن يلمس طرفًا من هذا الكائن الذي يبتلع المدن وكل ما فيها من مظاهر الحياة والطمأنينة. في كل تسمية شدة ومحنة، تربط الحرب بالأذى والمعاناة، كأن اللغة نفسها ترتبك أمام هذا الانقسام بين تسمية تُدين، وتسمية تُجمّل، وتسمية تحاول أن تُخفي ما لا يمكن قوله.

“الكريهة” ليست وصفًا… هي انحياز.
اسم يجعل الحرب فعلًا مرفوضًا ومنفّرًا لما فيه من قبح ومرارة.

في السودان، لم تعد هذه التسمية مجازًا لغويًا فحسب. فقد صارت توصيفًا يوميًا لما يحدث في الشوارع، في البيوت، وفي تلك المسافة القصيرة بين صوتٍ وآخر.

هذه الأسماء ليست مترادفات فقط، كل اسم يحمل زاوية رؤية، ومن هذه الزوايا يبدأ الأدب.

أدب الحرب ليس الكتابة عن المعركة فقط، هو الكتابة عمّا تفعله الحرب بالإنسان.

تاريخيًا، بدأ منذ الملاحم القديمة مثل “الإلياذة”، حيث كانت الحرب تُروى كقدرٍ بطولي، لا كجرح. ثم ظهرت نصوص أخرى، من أساطير أقدم مثل “جلجامش”، حيث يصبح الموت أكثر حضورًا من المجد، وصولًا إلى كتابات لاحقة لم تعد قادرة على رواية الحرب دون أن تنكسر.

لقد كتب كثيرون عن الحرب قبلنا، كلٌّ بطريقته.

كتب تولستوي الفوضى التي تتجاوز القادة، وكتب كنفاني الاختناق الذي لا يحتاج إلى رصاصة، وكتب عبد الرحمن منيف وصنع الله إبراهيم وحيدر حيدر عن الذاكرة وهي تتكسر ببطء.

غير أن ما يحدث في السودان لا يمنح اللغة كل هذا الترف. يدفعها إلى حافة لا تعرف كيف تقف عليها.

في هذه المسافة بين الكتابة عن الحرب وما تشير إليه، يعيش الناس أكثر أشكال الخديعة قسوة.

يسمعون شيئًا، ويرون نقيضه. تُقال لهم حكايات عن الكرامة والنصر القريب، بينما تُغتصب النساء أمام أعين ذويهم، والمغتصبون لا يخفون أنفسهم، يرتدون بزّات عسكرية ويتحركون بثقة من يعرف أن أحدًا لن يسأله.

يتكرر ذلك تحت وقع الأحذية الخشنة… بلا استعجال، بلا ارتباك.

يُقال للناس إن الأمور تحت السيطرة، بينما تتكاثر نقاط التفتيش كأنها ندوب على جسد المدن.

في الوقت نفسه، يتناول القادة العسكريون أطباقهم المفضلة، ويهاتفون عائلاتهم في الخارج، ويتمنّون لهم نومًا هادئًا وأحلامًا سعيدة.

وهناك، في بحري وأم درمان وأطراف الخرطوم التي لم تعد أطرافًا لشيء، يتجول العسس والجلاوذة بثقل أحذيتهم التي لا تحتملها الأرض.

والناس هناك لا أحد يسأل، لا أحد يتوقف، كل شيء يستمر في صمت.

“الحرب لا تبدأ حين تُطلق الرصاصة الأولى…
الحرب تبدأ حين تُعاد صياغة اللغة التي تبررها.”

ومع الوقت، تصبح جزءًا من الإيقاع اليومي.

يتعلم الناس كيف يعيشون داخلها، كيف يوزّعون خوفهم على ساعات اليوم حتى لا ينهار دفعة واحدة.

تصير الحرب حالة من التمدد البطيء داخل تفاصيل الحياة، تتسرّب إلى الأشياء الصغيرة قبل أن تصل إلى الجثث، قبل أن تدفع الناس إلى الطرقات، وهم يفرّون نحو النزوح واللجوء، يحملون ما خفّ من حياتهم، ويتركون خلفهم ما لا يمكن حمله.

تصبح المدن التي كانت تعرف كيف تصحو على رائحة الشاي والقهوة الصباحية فاقدةً لهذه القدرة. لا يعود الاستيقاظ بداية يوم، يصبح استئنافًا لخوف جديد.

الشوارع التي كانت تحفظ خطوات الناس صارت غريبة، كأنها أُعيد رسمها بعينٍ لا تعرفهم. حتى البيوت، تلك التي كانت آخر ما يلجؤون إليه، لم تعد تقنعهم بأنها آمنة.

حتى الجنود الذين نجوا فقدوا القدرة على العودة إلى أنفسهم، كأن الحرب خرجت من الأرض لتسكن فيهم كاللعنة.

هناك لحظة يصعب تحديدها بدقة، تتحول فيها الحرب من حدث إلى عادة.

لا يعود القصف خبرًا… يصبح خلفية.
لا يعود الموت صدمة… يصبح احتمالًا حاضرًا في كل حركة.

هنا يحدث التحول.

ليس في عدد الضحايا… بل في شكل الوعي.

الإنسان الذي كان يرفض هذا كله يجد نفسه يتكيّف معه، لا حبًا فيه، لأن البديل هو الانهيار الكامل.

وهنا تتكشف فداحة الأمر. ليس فقط فيما تفعله الحرب بالأجساد، ما تفعله بالمعنى. كيف تعيد تشكيل ما نظنه بديهيًا، كيف تجعلنا نقبل بما لم نكن نتخيله، وكيف تدفعنا إلى إعادة تعريف الحياة نفسها، إلى الحد الذي يصبح فيه البقاء هو الانتصار الوحيد الممكن.

في السودان لا تجري حرب واحدة. هناك حروب متداخلة: حرب على الأرض، وأخرى على الذاكرة، وثالثة على اللغة.

كل طرف يحاول أن يكتب قصته، أن يترك أثره، وأن يفرض روايته كأنها الحقيقة الوحيدة.

وفي السماء، حرب أخرى لا تُرى دائمًا.

مسيّرات تراقب، تختار، وتضرب، بينما الذي يضغط الزر قد يكون بعيدًا عن كل هذا، لا يرى إلا شاشة بين يديه.

غير أن ما يتبقى في النهاية ليس هذه الروايات الحزينة.

يتبقى ما علق في تفاصيل الناس: في وجوههم، في صمتهم، في قدرتهم الغريبة على الاستمرار رغم كل شيء.

ربما لهذا لا يمكن كتابة هذه الحرب من الخارج، ولا يمكن اختزالها في أرقام أو تحليلات.

الحرب تجربة تُعاش بكل تناقضاتها.

أكتب هذا…

وأنا غير متأكد إن كانت اللغة قادرة على تحمّل ما أحاول قوله.

أن تكتب عن هذه الحرب يعني أن تُسائل ما تراه، لا أن تكتفي بوصفه. أن تقترب من التفاصيل التي تبدو صغيرة، لأنها تحمل الحقيقة التي لا تظهر في عناوين الصحف ونشرات الأخبار.

أن تقاوم الإغراء السهل للتفسير، وأن تترك النص مفتوحًا على القلق الذي لا يهدأ.

الحرب لا تترك إجابات جاهزة.

تترك أسئلة أثقل من أن تُحمل.

ويمتد سؤالها إلى ما بعدها:

ماذا يبقى من الإنسان حين يعبر كل هذا؟

ربما لم تعد المشكلة في ما يحدث الآن. المشكلة في قدرتنا على الاستمرار بعد أن أصبح هذا كله ممكنًا.

ليس ما نفقده هو الأخطر… الأخطر ما يبقى فينا بعد الفقد.

شيء يتغير، دون صوت، دون إعلان.

شيء لا يعود كما كان… حتى لو توقفت الحرب.



#ابراهيم_برسي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بيت على حافة المضيق
- المبتسرون… قراءة في الجرح الذي حملته أروى صالح وماتت به
- ثرثرة في القطار مع امرأة من كوينزلاند
- محاولة للإنصات إلى لغة لا تثق بنفسها
- ما هي السيناريوهات المحتملة في حال سقوط النظام الإيراني؟
- المكان بوصفه سؤالًا لا تُجيب عنه الفلسفة
- حين يتعب الحديد من المطرقة… ويبدأ الوعي في الطَرق
- تفكيك الذهنية الجهادية للجبهة الإسلامية القومية… أخطر تنظيمٍ ...
- الإخوان المسلمون: خمس وقفات على أطلال الإسلام السياسي (5)
- من البروليتاريا إلى الكومنتاريا: الثورة التي غيّرت أدواتها
- الإخوان المسلمون: خمس وقفات على أطلال الإسلام السياسي (4)
- الإخوان المسلمون: خمس وقفات على أطلال الإسلام السياسي (3)
- الإخوان المسلمون: خمس وقفات على أطلال الإسلام السياسي (2)
- الإخوان المسلمون: خمس وقفات على أطلال الإسلام السياسي ( 1 )
- الأثر الثقافي للجاليات العربية بدول المهجر، العرب في أسترالي ...
- وداعًا زياد… أيها الغريب الذي يشبهنا أكثر من أنفسنا
- ملامح الشكلانية في الأدب السوداني
- “ماركيز ونفي المطلق: هل يعيد السرد إنتاج المقدس؟-
- صراع المعاني بين الرصاصة والخطاب: حين يتهاوى العقل الدولي
- في حضرة اللهب: الهيمنة تخلع قناعها النووي… والخليج يشتري الأ ...


المزيد.....




- محادثات استثنائية بين -حماس- و-فتح- لاستكمال تنفيذ المرحلة ا ...
- رسائل تصعيد وسط توتر مع سيول.. بيونغ يانغ تختبر صواريخ باليس ...
- بروفيسور أمريكي: إيران ستصبح القوة الرابعة عالميا إذا احتفظت ...
- بإشراف أمريكي.. توحيد ميزانية ليبيا بعد 13 عاما
- -التحقيقات الفيدرالي- يواصل التحقيق بلغز اختفاء وموت 11 عالم ...
- جندي إسرائيلي يحطم تمثال -المسيح- في لبنان.. غضب وتحقيق بتل ...
- تصدع -العلاقة الخاصة-.. حرب إيران تدفع بريطانيا للعودة إلى أ ...
- استثمار أمريكي في مشروع للمعادن النادرة بجنوب أفريقيا
- التباين بين عراقجي وقاليباف.. هل كشف حدود سلطة الحكومة أمام ...
- بعد إعلان ترامب.. فيديو للحظة إطلاق النار على سفينة إيرانية ...


المزيد.....

- حين مشينا للحرب / ملهم الملائكة
- لمحات من تاريخ اتفاقات السلام / المنصور جعفر
- كراسات شيوعية( الحركة العمالية في مواجهة الحربين العالميتين) ... / عبدالرؤوف بطيخ
- علاقات قوى السلطة في روسيا اليوم / النص الكامل / رشيد غويلب
- الانتحاريون ..او كلاب النار ...المتوهمون بجنة لم يحصلوا عليه ... / عباس عبود سالم
- البيئة الفكرية الحاضنة للتطرّف والإرهاب ودور الجامعات في الت ... / عبد الحسين شعبان
- المعلومات التفصيلية ل850 ارهابي من ارهابيي الدول العربية / خالد الخالدي
- إشكالية العلاقة بين الدين والعنف / محمد عمارة تقي الدين
- سيناء حيث أنا . سنوات التيه / أشرف العناني
- الجدلية الاجتماعية لممارسة العنف المسلح والإرهاب بالتطبيق عل ... / محمد عبد الشفيع عيسى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الارهاب, الحرب والسلام - ابراهيم برسي - كيف تُعلّمنا الكريهة أدب الحرب