أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - ابراهيم برسي - محاولة للإنصات إلى لغة لا تثق بنفسها














المزيد.....

محاولة للإنصات إلى لغة لا تثق بنفسها


ابراهيم برسي

الحوار المتمدن-العدد: 8598 - 2026 / 1 / 25 - 13:54
المحور: قضايا ثقافية
    


أكتب هذا النص وأنا أشعر أن اللغة ليست دائمًا في صفي. أحيانًا تسبقني بخطوة، وأحيانًا تخون ارتباكي، وأحيانًا كثيرة تتصرّف كما لو أنها فهمت ما لم أفهمه بعد.
في مثل تلك اللحظات، لا أشعر أنني أكتب، وإنما أُفاوض جملة عنيدة، أطلب منها أن تتمهّل، أن تمشي معي، لا أمامي. وربما لهذا لا أرى نفسي كاتبًا بالمعنى المكتمل للكلمة، وإنما متأمّلًا يدوّن ملاحظاته على الهامش، يراقب ما يحدث داخله وخارجه، ثم يحاول أن يلتقطه كما يلتقط رسّام أثر ضوء، أو مصوّر حركة عابرة. فالكتابة الإبداعية، في تجربتي، لا تختلف كثيرًا عن الرسم أو التصوير؛ ليست إعلانًا عن معنى، وإنما محاولة للإصغاء، وتسجيل أثر لحظة قبل أن تختفي.
حين تأملت ذلك، أدركت أن خلفيتي التشكيلية تجعلني أتعامل مع النص بوصفه سطحًا بصريًا، وليس معنى مكتملًا؛ شيء يُصنع أولًا، ثم يُرى لاحقًا.

من هنا بدأت أفكّر في ما سمّته الدكتورة لمياء شمت بـ اللغة الواشية؛ ذلك الوصف الذي أصابني لأنه سمّى إحساسًا كنت أعرفه دون أن أجرؤ على تسميته.
اللغة الواشية هي اللغة التي لا تحتمل الغموض فتُفشي المعنى قبل أوانه.
هي اللغة التي لا تصبر على أثرها، فتفضحه قبل أن يصل.

أتذكّر الآن جملة كتبتها في نص سابق، كانت متقنة، واضحة، ومحبوبة عند القرّاء. عدت إليها بعد أيام وشعرت بالغربة. لم تكن خاطئة، ولا كاذبة، غير أنها كانت سابقة لزمنها الداخلي. قالت ما لم أكن قد عشته كاملًا. عندها فهمت أن الوضوح قد يكون شكلًا من أشكال العنف الناعم، وأن الاستعجال في الفهم اختصار قاسٍ للتجربة.

في هذا السياق، يحضر غابرييل غارسيا ماركيز، لا ككاتب كبير فقط، وإنما كمن وثق في الزمن أكثر مما وثق في الجملة. عند ماركيز، لا تُنتزع المعاني، ولا تُستدرج بالقوة. في الحب في زمن الكوليرا لا يبدو الحب حدثًا، وإنما انتظارًا طويلًا، تراكمًا صامتًا، زمنًا يُختبر فيه الصبر أكثر مما تُختبر العاطفة. اللغة هناك لا تشرح نفسها، ولا تتعجّل الاعتراف، وتترك الزمن يعمل وحده، كأن المعنى ينضج حين يُترك وشأنه.

ربما لهذا كتب فالتر بنيامين أن الحقيقة لا تُعطى دفعة واحدة، وأنها تظهر في الشقوق، في التراكم البطيء, في ما يُقال على الهامش. الحقيقة لا تحبّ الضوء المباشر، وتضعف حين تُستعجل.

إلى جوار اللغة الواشية، تظهر اللغة المُثقَلة بالنيّة. لغة حريصة، طيبة، تريد أن تكون مفهومة وعادلة. غير أن هذا الحرص نفسه قد يتحوّل إلى عبء. حين تمتلئ الجملة بالقصد، تفقد خفّتها، ويضيق ذلك الفراغ الذي يسمح للقارئ أن يدخل النص دون وصاية. هنا لا تخون اللغة الفكرة، وإنما تُرهقها.

في الجهة الأخرى، تلوح لي اللغة المتورطة. لغة دخلت التجربة دون ضمانات، وخرجت منها محمّلة بأثرها. لا تملك رفاهية الشرح الكامل، ولا ترغب فيه. تورّطها ليس ضعفًا، وإنما علامة مشاركة حقيقية. جملة تعرف أنها غير مكتملة، فتترك نقصها ظاهرًا.

يحضرني ميلان كونديرا، بوصفه كاتبًا شديد الحساسية تجاه اللغة حين تتحوّل إلى تفسير جاهز للعالم. كان يرى أن الرواية تفقد روحها حين تثقل بالحكمة المعلنة، وأن المعنى حين يُقدَّم مكتملًا يفقد قدرته على الإرباك. كتابته تميل إلى التردّد، إلى المفارقة، إلى الجملة التي تفتح سؤالًا ثم تنسحب. كان يعرف أن الخفّة ليست نقيض العمق، وإنما شرطه الأخلاقي.

ثم تأتي اللغة الناجية، وهو توصيف لمح إليه الصديق عادل القصاص في أحاديثنا الطويلة عن الكتابة. ليست لغة منتصرة، وإنما لغة بقيت. لغة عبرت الألم ولم تعد معنيّة بتبريره. فيها اقتصاد، وصمت، وتواضع. تشبه كتابة غسان كنفاني حين كان يترك الفجيعة تعمل وحدها، واثقًا أن القارئ لا يحتاج إلى إرشاد دائم. في هذه اللغة، لا يُقال كل شيء، ويُفهم الكثير.

حين أفكّر في كل هذا، أدرك أن علاقتي باللغة ليست مسألة أدوات أو مهارات. هي علاقة إنسانية خالصة. أخاف الغموض أحيانًا لأنني أخاف نفسي حين لا أفهمها كاملة. أستعجل الجملة لأنني أبحث عن طمأنينة سريعة، وأكتب أحيانًا كي أغلق السؤال، ثم أكتشف أن الكتابة الحقيقية تبدأ في اللحظة التي أتركه فيها مفتوحًا.

أتذكّر حديثًا دار بيني وبين محمد خلف، وكان يتحدّث عن النص كما لو أنه كائن له مزاجه وزمنه، لا يحب العجلة. هو لا يستعجل النشر، ويترك الكتابة تستقر قبل أن يقرّر مصيرها. أما أنا، فأكتب دفعة واحدة، كأنني أفتح بابًا داخليًا وأترك كل ما خلفه يندفع في لحظة واحدة. تأخذني نشوة الاكتمال المؤقت، فأندفع إلى النشر قبل أن أسأل النص إن كان جاهزًا. نصيحته كانت أن أكتب بلا كوابح، ثم أتنحّى قليلًا، أترك النص جانبًا، وأعود إليه بعد حين، بعين أقل انفعالًا. عندها فقط فهمت أنني أكتب بالطريقة نفسها التي أرسم بها.

لهذا أحاول الآن أن أكتب بطريقة أقل ادّعاءً، وأكثر إنصاتًا. أترك للجملة أن تتعثّر معي، وأن تفكّر وهي تُقال، وأن تقبل بأن بعض المعاني قد لا تصل كاملة. فكما كتب أنطونيو غرامشي عن الوعي، لا يولد دفعة واحدة، وإنما يتشكّل عبر الصراع والتراكم، كذلك اللغة لا تكون صادقة إلا حين تعترف بزمنها.

أكتب اليوم وأنا أقلّ ثقة في الجملة المكتملة، وأكثر ميلًا إلى تلك التي تتردّد قبل أن تُقال. ربما لأنني تعلّمت أن المعنى الذي يصل متأخرًا يكون أصدق، وأن اللغة التي تمشي ببطء تمنحنا فرصة أن نكون شركاء فيها، لا متلقّين لها فقط. في هذا التباطؤ، أشعر أن الكتابة تستعيد إنسانيتها، حين تترك لي وللقارئ معًا حقّ التردّد، وحقّ التأويل، وحقّ أن لا نفهم كل شيء الآن.
ربما لأن في هذا النقص وحده، لا في الاكتمال، تبقى الكتابة حيّة.



#ابراهيم_برسي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ما هي السيناريوهات المحتملة في حال سقوط النظام الإيراني؟
- المكان بوصفه سؤالًا لا تُجيب عنه الفلسفة
- حين يتعب الحديد من المطرقة… ويبدأ الوعي في الطَرق
- تفكيك الذهنية الجهادية للجبهة الإسلامية القومية… أخطر تنظيمٍ ...
- الإخوان المسلمون: خمس وقفات على أطلال الإسلام السياسي (5)
- من البروليتاريا إلى الكومنتاريا: الثورة التي غيّرت أدواتها
- الإخوان المسلمون: خمس وقفات على أطلال الإسلام السياسي (4)
- الإخوان المسلمون: خمس وقفات على أطلال الإسلام السياسي (3)
- الإخوان المسلمون: خمس وقفات على أطلال الإسلام السياسي (2)
- الإخوان المسلمون: خمس وقفات على أطلال الإسلام السياسي ( 1 )
- الأثر الثقافي للجاليات العربية بدول المهجر، العرب في أسترالي ...
- وداعًا زياد… أيها الغريب الذي يشبهنا أكثر من أنفسنا
- ملامح الشكلانية في الأدب السوداني
- “ماركيز ونفي المطلق: هل يعيد السرد إنتاج المقدس؟-
- صراع المعاني بين الرصاصة والخطاب: حين يتهاوى العقل الدولي
- في حضرة اللهب: الهيمنة تخلع قناعها النووي… والخليج يشتري الأ ...
- في حضرة الوحشية: رثاء الكائن الذي لم يكتمل قراءة في كتاب أشي ...
- عملية “الأسد الصاعد”: الضربة الإسرائيلية الكبرى
- صوتٌ بلا أثر… وعيٌ بلا أفق: المثقف وأزمة الفعل المؤجل
- نغوجي واثيونغو، الذي كَتَب كما يُكتب اللهب… وظلّ نبيًّا بلا ...


المزيد.....




- تحليل: هل يتطابق فيديو إطلاق النار على أليكس بريتي مع وصف وز ...
- بعد رسالة ترامب للسيسي.. مسؤول أمريكي يبحث في مصر أزمة سد ال ...
- الكرواسان بالشاورما والكشك: ماذا فعل اللبنانيون بالمخبوزات ا ...
- الولايات المتحدة: حرمان الملايين من الكهرباء وإلغاء آلاف الر ...
- مقتل رجل في مينيابوليس الأمريكية يؤجج الاحتجاجات ضد شرطة اله ...
- ترامب يهدد كندا برسوم بنسبة 100% إذا وقعت اتفاقا تجاريا مع ا ...
- إسرائيل تسعى لضمان خروج فلسطينيين من غزة بأعداد أكبر من العا ...
- انتهاء جولة أولى -بناءة- من المحادثات بين كييف وموسكو وواشنط ...
- أربع أولويات لإستراتيجية البنتاغون.. أولها يخيف الأميركيين! ...
- بطريق غريب الأطوار يشعل موجة سخرية واسعة من ترمب


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - ابراهيم برسي - محاولة للإنصات إلى لغة لا تثق بنفسها