أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الارهاب, الحرب والسلام - ابراهيم برسي - بيت على حافة المضيق














المزيد.....

بيت على حافة المضيق


ابراهيم برسي

الحوار المتمدن-العدد: 8654 - 2026 / 3 / 22 - 12:11
المحور: الارهاب, الحرب والسلام
    


أيها الإنسان، أو ما تبقّى منه… ذلك الذي لم يحسم أمره بعد…

أكتب إليك من مسافة لا تُقاس بالخطوات، مسافة بين ما نعرفه وما نتجاهله، بين ما نقوله وما نؤجله إلى حينٍ لا يأتي…لا أعرف أين تقف الآن، ولا أي طريقٍ اخترت، لكنني أعرف أنك، مثلي، مررت يومًا بالقرب من شيءٍ كان يمكن أن يكون بيتًا… ولم تمكث.

أكتب إليك لأذكّرك بشيءٍ يبدو بسيطًا، مع أنه أثقل مما نظن: أن هناك بيتًا ما يزال قائمًا على حافة المضيق… لا يسقط، ولا يُبنى من جديد، فقط ينتظر.

ليس بيتًا من حجر، ولا من ذاكرة خالصة… شيء بين الاثنين، يشبه ما نتركه خلفنا ونحن نظن أننا مضينا.

ربما مررت به دون أن تنتبه، وأنت تفكر في “الردع” و“السيطرة”. ربما وقفت عنده لحظة، ثم أقنعت نفسك أن الطريق أهم. وربما، وهذا هو الاحتمال الأثقل، أنك تعرفه جيدًا… وتتفادى النظر نحوه.

لا أكتب لأطلب منك العودة. فالعودة فكرة سهلة في الكلام، ثقيلة في الواقع. أكتب فقط لأقول إن ذلك البيت لم يكن وهمًا، وأن الحافة التي وقفت عليها يومًا لم تختفِ كما ظننت.

هناك دائمًا مضيق ما… جهةٌ تقود إلى الضفة الأخرى، وجهة تبقيك حيث أنت، وبيت صغير يقف بينهما، لا يفرض عليك شيئًا… فقط يذكّرك بأن ما لم يُحسم لا يختفي، بل يظل معلقًا، ينتظر لحظةً أخرى.

وما يبدو في حياة الفرد ترددًا صامتًا، يظهر في حياة العالم على هيئة أكثر قسوة. الأماكن التي نعبرها داخليًا دون قرار، تعود في الخارج كأقدار عامة… كخراب لا يخص أحدًا بعينه، لأنه يمر بالجميع.

وفي مكانٍ آخر من هذا العالم، ربما لا يبعد كثيرًا عن ذلك المضيق الذي تتجاهله، تُفتح خرائط جديدة للحرب كل يوم. مدن تُذكر كأرقام، وأسماء تُختصر إلى عناوين عاجلة، وأصوات تتحدث عن “نصر” و“هزيمة” كأنها كلمات يمكن أن تُقال دون أن ترتجف.

كأن بعضهم لم يعد يكتفي بعبور المضيق… يريد أن يشعله.

وأن النار قد تعجّل عودة غائب، أو تُخرج مخلّصًا من زمنٍ مؤجل، وفي طقوس الانتظار هذه… هناك من يستعجل قيامة المسيح، وهناك من ينتظر عودة المهدي المنتظر.

صار المضيق فكرة…

فكرة تقول إن العالم لا يكتمل إلا إذا ضاق، ولا ينفتح إلا إذا احترق، وأن ما يُغلق من ممرات، وما يُشعل من حروب، ليس سوى وجهٍ آخر لفكرة الخلاص والانتظار.

انتظارٌ يُخطئ الطريق كل مرة، ويترك خلفه مزيدًا من الخراب.

في ليلةٍ لا تختلف عن غيرها، يهتز الزجاج فجأة، يفتح طفل عينيه دون أن يفهم، وتضع أم يدها على صدره… كأنها تحاول أن تُبقي شيئًا في مكانه، ثم يعود كل شيء إلى صمته، ويُستأنف الحديث في اليوم التالي عن “الوضع” و“التوازن” و“الخيارات”.

ولأن الخراب لا يأتي دفعة واحدة، فإن ما يجري هناك لا ينفصل عما يجري هنا… في تلك المنطقة الصامتة من الضمير، حيث يتأجل النظر، ويتأجل الموقف، ويتأجل الاعتراف بأن العالم ينزلق ببطء… ونحن نتأقلم.

“الناس هناك أيضًا، مثلك، مرّوا ذات يوم بالقرب من بيوتٍ على حافة مضايقهم الخاصة… ثم مضوا، وتركوا شيئًا صغيرًا خلفهم”

ذلك الشيء الصغير لا يمر كما نظنه، خفيفًا بلا أثر. يبقى… كمعرفة مؤجلة، كصوت خافت، يذكّر بأن ما نتجاوزه لا يختفي، بل يعود في صورة لا يمكن تجاهلها.

ما الذي يحدث الآن في هذه المنطقة المرهقة من العالم؟ مدن كانت تُعرَف بأسمائها صارت تُعرَف بعدد قتلاها. أحياء كاملة تُختصر إلى شريط عاجل أسفل الشاشة. أطفال ينامون على أصوات لا يعرفون أسماءها بعد، مع أنهم سيكبرون وهم يحملونها في أجسادهم مثل ذاكرةٍ عصبية لا تهدأ. رجال يتحدثون عن “السيادة” و“الأمن” و“المصالح العليا” بلغة باردة، كأن الكلمات لا تترك وراءها أشلاء، وكأن الخرائط لا تمر فوق قلوب الناس.

وفي هذه اللحظة تحديدًا، يتكشف ما هو أبعد من الحرب نفسها… لغة كاملة تُبنى كي تجعل ما لا يُحتمل قابلاً للمرور، وعالم يتعلم، بهدوء، كيف يرى… ولا يرتجف.

أيها الإنسان، لعل المأساة ليست في أن الحرب تقع فقط، في أن البشر يتعلمون سريعًا أن يعتادوها… في البداية يرتجفون، ثم يشاهدون، ثم يشرحون، ثم يختلفون حول الأرقام، ثم يتوزعون إلى معسكرات، كل معسكر يحمل آلامه الخاصة ويُحسن الصمت عن آلام الآخرين.

هكذا لا تقتل الحرب أجساد الناس وحدها، تقتل أيضًا قدرتهم على الارتجاف الطويل.

ولعل هذا هو المعنى الأشد وجعًا في صورة البيت القائم على حافة المضيق. فهو لا يقف عند حدود البيت، ولا عند حدود اللغة… إنه ما تبقى من ضمير العالم، وهو يقف بين جهتين: جهة تعرف، وجهة تمضي كأنها لا ترى.

ربما، أيها الإنسان، ليست المشكلة في الحروب وحدها… ربما في تلك اللحظة الصغيرة التي مررنا فيها جميعًا بالقرب من “بيت على حافة المضيق”… ولم نتوقف.

لهذا لا أقول لك أن تنقذ العالم، ولا أطلب بطولة كبرى. أقول شيئًا أقل بريقًا، وأكثر صعوبة: لا تفقد تلك الرعشة الأولى.

إذا مررت يومًا بالقرب من ذلك البيت مرة أخرى… لا تمضِ سريعًا هذه المرة.

قف.

لا تنظر إلى البيت وحده… انظر إلى نفسك وأنت تتردد، إلى ذلك الصوت الذي كدت تُسكته، إلى ذلك الجزء الذي لم تعترض عليه… ولم توافق.

في لحظات كهذه، لا يُسأل الإنسان عمّا يستطيع تغييره في العالم… يُسأل عمّا تبقّى منه.

هناك، على حافة المضيق، لا ينتظرك البيت وحده. ينتظرك ما تبقّى منك… ذلك الذي لم يحسم أمره بعد، ولم يقرر إن كان ما يحدث يعنيه… أم لا.

وإن مضيت هذه المرة أيضًا، فلن تخسر البيت…

ستخسر ذلك الجزء منك الذي كان يمكن أن يبقى إنسانًا.



#ابراهيم_برسي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المبتسرون… قراءة في الجرح الذي حملته أروى صالح وماتت به
- ثرثرة في القطار مع امرأة من كوينزلاند
- محاولة للإنصات إلى لغة لا تثق بنفسها
- ما هي السيناريوهات المحتملة في حال سقوط النظام الإيراني؟
- المكان بوصفه سؤالًا لا تُجيب عنه الفلسفة
- حين يتعب الحديد من المطرقة… ويبدأ الوعي في الطَرق
- تفكيك الذهنية الجهادية للجبهة الإسلامية القومية… أخطر تنظيمٍ ...
- الإخوان المسلمون: خمس وقفات على أطلال الإسلام السياسي (5)
- من البروليتاريا إلى الكومنتاريا: الثورة التي غيّرت أدواتها
- الإخوان المسلمون: خمس وقفات على أطلال الإسلام السياسي (4)
- الإخوان المسلمون: خمس وقفات على أطلال الإسلام السياسي (3)
- الإخوان المسلمون: خمس وقفات على أطلال الإسلام السياسي (2)
- الإخوان المسلمون: خمس وقفات على أطلال الإسلام السياسي ( 1 )
- الأثر الثقافي للجاليات العربية بدول المهجر، العرب في أسترالي ...
- وداعًا زياد… أيها الغريب الذي يشبهنا أكثر من أنفسنا
- ملامح الشكلانية في الأدب السوداني
- “ماركيز ونفي المطلق: هل يعيد السرد إنتاج المقدس؟-
- صراع المعاني بين الرصاصة والخطاب: حين يتهاوى العقل الدولي
- في حضرة اللهب: الهيمنة تخلع قناعها النووي… والخليج يشتري الأ ...
- في حضرة الوحشية: رثاء الكائن الذي لم يكتمل قراءة في كتاب أشي ...


المزيد.....




- الكويت والسعودية والإمارات تتصدى لصواريخ ومسيّرات إيرانية
- مباشر: إيران تهدد بإغلاق مضيق هرمز بالكامل وإسرائيل تقصف جسو ...
- انهيار جديد لشبكة الكهرباء في كوبا وعودة جزئية للتيار في هاف ...
- انفجارات شرق طهران وصاروخ عنقودي إيراني يوقع دمارا كبيرا في ...
- جون بولتون: على أوروبا الانضمام إلى الحرب ضد إيران ولو تراجع ...
- تقرير: مصر وقطر وتركيا تقود جهودا لوقف حرب إيران
- ترامب يهاتف ستارمر بعد ساعات من -الفيديو الساخر-
- كوبا: الجيش يتحضر لهجوم عسكري أميركي
- إسرائيل تعلن عن -عطلين- في أنظمة الدفاع الجوي
- أبوظبي: سقوظ شظايا في منطقة الشوامخ عقب اعتراض صاروخ بالستي ...


المزيد.....

- حين مشينا للحرب / ملهم الملائكة
- لمحات من تاريخ اتفاقات السلام / المنصور جعفر
- كراسات شيوعية( الحركة العمالية في مواجهة الحربين العالميتين) ... / عبدالرؤوف بطيخ
- علاقات قوى السلطة في روسيا اليوم / النص الكامل / رشيد غويلب
- الانتحاريون ..او كلاب النار ...المتوهمون بجنة لم يحصلوا عليه ... / عباس عبود سالم
- البيئة الفكرية الحاضنة للتطرّف والإرهاب ودور الجامعات في الت ... / عبد الحسين شعبان
- المعلومات التفصيلية ل850 ارهابي من ارهابيي الدول العربية / خالد الخالدي
- إشكالية العلاقة بين الدين والعنف / محمد عمارة تقي الدين
- سيناء حيث أنا . سنوات التيه / أشرف العناني
- الجدلية الاجتماعية لممارسة العنف المسلح والإرهاب بالتطبيق عل ... / محمد عبد الشفيع عيسى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الارهاب, الحرب والسلام - ابراهيم برسي - بيت على حافة المضيق