|
|
النفط كهدية مسمومة: كيف تحوّل حرب الشرق الأوسط “الفرصة الروسية” إلى إختبار إستراتيجي
زياد الزبيدي
الحوار المتمدن-العدد: 8667 - 2026 / 4 / 4 - 23:41
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي
5 نيسان/أبريل 2026
في لحظات الإضطراب الكبرى، كثيرًا ما تبدو الأزمات وكأنها فرص ذهبية لبعض الدول. هذا بالضبط ما حدث مع روسيا مع إندلاع العدوان الثنائي الامريكي الإسرائيلي ضد إيران ولبنان. فقد قفزت أسعار النفط إلى مستويات تتجاوز 100 دولار لخام برنت، بينما إرتفع خام “الأورال” الروسي بشكل ملحوظ، ما منح موسكو متنفسًا ماليًا غير متوقع في ظل عجز ميزانية متفاقم. لكن هذه الصورة، رغم جاذبيتها الظاهرية، تخفي تحتها واقعًا أكثر تعقيدًا. فكما حذّر الرئيس بوتين ، فإن هذا الإرتفاع ليس إلا ظاهرة مؤقتة، وقد يكون في طياته مخاطر أكبر من فوائده. فما الذي يجعل “الطفرة النفطية” الحالية سيفًا ذا حدين؟ ولماذا قد تتحول من فرصة إنقاذ إلى فخ إستراتيجي؟ يأتي هذا التحليل المنشور على منصة Russian7، والموقّع باسم “كلاود بولتون” وقد يكون مستعارا، في سياق قراءة إعلامية روسية تواكب التحولات المتسارعة في أسواق الطاقة العالمية. ورغم أن كاتب المقال لا يُعد من الأسماء الأكاديمية المعروفة، فإن النص يكتسب أهميته من زاوية النظر التي يقدمها، إذ يعكس كيف تُفكّر دوائر التحليل الروسية في تداعيات الحرب على الإقتصاد والطاقة، ويمنح القارئ فرصة لفهم منطق “الفرصة الحذرة” التي تتعامل بها موسكو مع الطفرة النفطية الراهنة.
أولًا: إقتصاد الصدمات… عندما يأتي الربح من الفوضى
الإرتفاع الحالي في أسعار النفط لا يعكس قوة في الإقتصاد الروسي أو زيادة في الطلب العالمي، بل هو نتيجة مباشرة لما يسميه خبراء الإقتصاد بـ”صدمة العرض”. أي أن المشكلة ليست في الإستهلاك، بل في تعطل الإمدادات. في الظروف الطبيعية، إرتفاع الأسعار يكون مؤشرًا على نمو إقتصادي أو زيادة في الطلب الصناعي. أما اليوم، فالسوق النفطية تتحرك تحت تأثير الخوف والإضطراب. وهذا فرق جوهري، لأن الأسعار المبنية على الأزمات لا تتمتع بأي إستقرار. روسيا، في هذا السياق، لا تستفيد من سوق صحية، بل من سوق مختلة. وهو ما يجعل العائدات الحالية أشبه بـ”أرباح طارئة” لا يمكن البناء عليها طويلًا. بل إن الإعتماد عليها قد يؤدي إلى قرارات إقتصادية خاطئة، قائمة على وهم الإستمرارية. أ ثانيًا: مضيق هرمز… عنق الزجاجة الذي يهز العالم
تكمن نقطة الإرتكاز الأساسية في هذه الأزمة في ، الشريان الحيوي للطاقة العالمية. فمن خلاله يمر نحو خمس إمدادات النفط البحرية في العالم، ما يجعله أحد أخطر النقاط الجيوسياسية على الإطلاق. اليوم، ومع تصاعد العمليات العسكرية والتوترات، لم يعد الحديث عن تهديد محتمل، بل عن تعطّل فعلي في حركة الإمدادات. ناقلات نفط متوقفة، شركات تأمين مترددة، ومخاطر عسكرية ترفع تكلفة النقل إلى مستويات غير مسبوقة. هذا النوع من التعطيل يختلف جذريًا عن أزمات سابقة، مثل أزمة 2022، التي كانت قائمة على العقوبات وإعادة توجيه الصادرات. أما الآن، فنحن أمام نقص مادي في السوق، وهو ما يفسر القفزة الحادة في الأسعار. لكن هذه القفزة، رغم فائدتها المؤقتة لروسيا، تعني في الوقت نفسه أن السوق دخل مرحلة عدم يقين عميقة. وكلما طال أمد الأزمة، زادت إحتمالات إعادة تشكيل النظام الطاقوي العالمي بشكل جذري.
ثالثًا: المفارقة الأمريكية… إدارة الأزمة لا حلها
من أكثر الجوانب إثارة في هذه الأزمة هو السلوك الأمريكي. فعلى الرغم من الصراع الجيوسياسي مع موسكو، إضطرت واشنطن إلى إبداء قدر من المرونة تجاه النفط الروسي، ولو بشكل مؤقت. هذا السلوك لا يعكس تحولًا سياسيًا، بل يعبر عن براغماتية بحتة. فالولايات المتحدة تدرك أن خفض الإمدادات بشكل حاد قد يؤدي إلى إرتفاع الأسعار بشكل يضر بالإقتصاد العالمي، بما في ذلك إقتصادها. بمعنى آخر، واشنطن لا تدعم روسيا، بل تدير الأزمة بطريقة تمنع إنفلات السوق. لكنها في الوقت نفسه تحتفظ بأداة الضغط، ويمكنها في أي لحظة العودة إلى تشديد العقوبات إذا تغيرت الظروف. وهنا تكمن الخطورة: الإعتماد الروسي على هذا “التسامح المؤقت” قد يتحول إلى نقطة ضعف، خاصة إذا بُنيت عليه توقعات طويلة الأمد.
رابعًا: الداخل الروسي… النفط لا يعالج المرض
رغم تدفق العائدات، لا تزال التحديات الهيكلية في الإقتصاد الروسي قائمة. فالعجز في الميزانية، وتراجع الإستثمارات، ونقص اليد العاملة، والإعتماد على الواردات، كلها مشاكل لم تختفِ. النفط، في هذه الحالة، يعمل كمسكن مؤقت. فهو يخفف الألم، لكنه لا يعالج السبب. بل قد يؤدي إلى تأجيل الإصلاحات الضرورية، وهو ما حدث مرارًا في تاريخ الدول الريعية. هذه الظاهرة معروفة في الأدبيات الإقتصادية بإسم “لعنة الموارد”، حيث يؤدي الإعتماد على الموارد الطبيعية إلى إضعاف القطاعات الإنتاجية الأخرى، ويجعل الإقتصاد أكثر هشاشة أمام تقلبات السوق. وفي الحالة الروسية، يبدو أن هذا الخطر حاضر بقوة، خاصة في ظل الظروف الجيوسياسية المعقدة.
خامسًا: إيران… المنافس الذي قد يغير قواعد اللعبة
المفارقة الكبرى أن الأزمة التي رفعت أسعار النفط قد تفتح الباب أمام تهديد إستراتيجي جديد لروسيا. فإيران، التي تقف في قلب الصراع، تمتلك واحدًا من أكبر احتياطيات الغاز والنفط في العالم. في حال حدوث تغير سياسي أو رفع للعقوبات، يمكن أن تدخل كميات هائلة من النفط والغاز الإيراني إلى السوق العالمية. وهذا من شأنه أن يؤدي إلى: •إنخفاض الأسعار •زيادة المنافسة •إعادة توزيع الحصص السوقية بالنسبة لروسيا، التي تعتمد بشكل كبير على صادرات الطاقة، سيكون هذا التطور بمثابة تحدٍ مباشر، خاصة في الأسواق الآسيوية مثل الصين. بمعنى آخر، الحرب التي رفعت أسعار النفط اليوم، قد تكون مقدمة لإنخفاضها غدًا، لكن هذه المرة بسبب دخول لاعب جديد قوي.
سادسًا: العالم يتغير… ونهاية الإعتماد الأحادي
الأزمة الحالية دفعت الدول الكبرى إلى إعادة التفكير في إستراتيجياتها الطاقوية. فالتجربة أثبتت أن الإعتماد على مصدر واحد، أو حتى منطقة واحدة، يحمل مخاطر كبيرة. لذلك، تتجه أوروبا وآسيا إلى: تنويع مصادر الطاقة، والإستثمار في الطاقة المتجددة، وبناء شبكات إمداد أكثر مرونة. هذا التحول، وإن كان تدريجيًا، يحمل في طياته تهديدًا طويل الأمد للدول المصدرة للنفط، وعلى رأسها روسيا. ففي عالم يسعى إلى تقليل الإعتماد على الوقود الأحفوري، قد تتراجع أهمية النفط كأداة نفوذ سياسي، وهو ما سيغير موازين القوى العالمية.
سابعًا: بين الإغراء والإنضباط… إختبار الإرادة السياسية
أحد أهم التحديات التي تواجه روسيا اليوم ليس إقتصاديًا بحتًا، بل سياسي. فالإيرادات المرتفعة تخلق إغراءً كبيرًا لزيادة الإنفاق، خاصة في ظل الضغوط الإجتماعية والعسكرية. لكن التجارب السابقة تشير إلى أن الإستخدام غير المنضبط للعائدات النفطية يؤدي غالبًا إلى أزمات لاحقة. لذلك، فإن الدعوات إلى توجيه هذه الأموال نحو سداد الديون أو تعزيز الإحتياطيات تعكس فهمًا عميقًا لطبيعة المخاطر. السؤال الحقيقي هنا: هل تستطيع الدولة مقاومة إغراء “الأموال السهلة”؟ أم أن الضغوط الداخلية ستدفعها إلى إستهلاك هذه العائدات بدل إستثمارها؟
الخلاصة: فرصة مؤقتة أم بداية تحوّل؟ ج في المحصلة، لا يمكن النظر إلى ارتفاع أسعار النفط على أنه إنتصار إقتصادي لروسيا. بل هو، في أفضل الأحوال، فرصة مؤقتة لإلتقاط الأنفاس. الأزمة الحالية تكشف عن حقيقة أساسية: أن الإعتماد على الموارد الطبيعية، مهما كان مربحًا في المدى القصير، يظل مصدر ضعف في المدى الطويل. الحرب في الشرق الأوسط لم تمنح روسيا حلًا، بل منحتها وقتًا إضافيًا. لكن هذا الوقت قد يكون محدودًا، وربما يكون حاسمًا. فإما أن يتم إستغلاله لإعادة هيكلة الإقتصاد وتعزيز الإستقلالية، أو أن يتحول إلى مجرد فصل آخر في قصة الإعتماد على النفط. وفي عالم يتغير بسرعة، قد لا تكون هناك فرصة ثالثة.
#زياد_الزبيدي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
حروب القرن 21: الطائرات المسيّرة، الحروب بالوكالة ومستقبل ال
...
-
ألكسندر دوغين - الجيوسياسة القائمة على النبوءات (برنامج إيسك
...
-
واشنطن تبحث عن مخرج… وتل أبيب تواجه العاصفة: كيف تكشف حرب إي
...
-
خطاب ترامب إلى حكم الحمقى (Idiocracy)
-
بين القانون والقوة: من يتحمّل مسؤولية تدمير الإقتصاد العالمي
...
-
ديفيد نورث في برلين: جريمة الحرب على إيران وأصول الإمبريالية
...
-
ألكسندر دوغين - الولايات المتحدة على شفير الهزيمة (برنامج إي
...
-
ألكسندر دوغين - ما بعد الحداثة العالمية (برنامج إيسكالاتسيا
...
-
باب المندب: كيف يمكن لمضيق صغير أن يشعل أزمة طاقة عالمية؟
-
إيران عند مفترق تاريخي: كيف تُعاد صياغة النظام الدولي
-
ألكسندر دوغين - محاور الحرب العالمية الثالثة تتضح يوماً بعد
...
-
ال فورين أفيرز - أميركا وإيران: حين تتحول القوة إلى مأزق
-
ألكسندر دوغين - جيوبوليتيكا الحرب العالمية الثالثة
-
إيران في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل: إستراتيجية الصمود
...
-
من صفحات التاريخ..... يوري أفونين: «الإتحاد السوفياتي قائم ق
...
-
للفشل… جائزة إسرائيلية! ترامب يُحدد موعد نهاية حربه ضد إيران
...
-
هل إنتهت حماس فعلًا؟ - قراءة في عودتها الصامتة في غزة
-
حرب بلا إسم: كيف تهرب موسكو من الحقيقة؟
-
هل لإسرائيل حق في الوجود… بينما لا تولد فلسطين؟
-
ديمونا وما بعدها: إختبار الردع وحدود القوة في مواجهة إيران
المزيد.....
-
إعلام إيراني ينشر صورا لما يبدو حطام طائرة عقب عملية إنقاذ أ
...
-
طهران تفند رواية واشنطن بشأن إنقاذ الطيار الأمريكي وتتهم ترا
...
-
هشام البقلي: عملية إنقاذ الطيار الأمريكي تؤكد صعوبة أي تدخل
...
-
الخليج يرفض أن يكون -طبقا سياسيا- على مائدة الآخرين
-
الإمارات تتصدى لهجوم إيراني على مصنع للبتروكيماويات
-
-باكيت بسكويت- في الكفن يروي مأساة عائلة الغف في غزة
-
رسميا.. سلاحف النينجا تعود عبر منصات الواقع الافتراضي
-
-حرب نجوم-.. القسام تبث تسجيلا لتفاعل -الملثم- مع صواريخ إير
...
-
اقتراب ساعة الصفر.. هل ينفذ ترمب وعيده بـ-إمطار الجحيم- على
...
-
الإمارات.. التعامل مع 10 صواريخ و50 مسيرة قادمة من إيران
المزيد.....
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
/ احمد صالح سلوم
-
كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية
/ حسين جداونه
-
جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا
...
/ احمد صالح سلوم
-
مقالات في الثورة السورية
/ عمر سعد الشيباني
-
تأملات علمية
/ عمار التميمي
-
في رحيل يورغن هبرماس
/ حامد فضل الله
-
بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر
...
/ رياض الشرايطي
-
أطلانتس
/ فؤاد أحمد عايش
-
أطلانتس
/ فؤاد أحمد عايش
المزيد.....
|