أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - محمد الزمير - وباء الطاعون في اليمن القديم.














المزيد.....

وباء الطاعون في اليمن القديم.


محمد الزمير
‏محمد زمير- سياسي و مؤرخ و أحياناً فيلسوف - مراجع أبحاث على وكالة ريا نوفوستي

(Mohammed Zumair)


الحوار المتمدن-العدد: 8635 - 2026 / 3 / 3 - 00:46
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


‏وباء الطاعون في اليمن القديم.

حين اجتاح الطاعون أوروبا في مطلع القرن الرابع عشر الميلادي، كان الجهل قد خيم بظلاله الكثيفة على العقول، فأرجعت جمهرة الناس سبب الوباء إلى الأشباح والأرواح، وزعم آخرون أنه سخط إلهي يستوجب التكفير. وتصدّر رجال الدين المشهد، محوّلين الكنائس ودور العبادة إلى محاريب يلتقي فيها المرضى، باحثين عن دواء روحي يائس. وللأسف الشديد، لم ينجُ من براثن الموت أحد، إذ حصد الطاعون أرواح خمسين مليون إنسان في أوروبا وحدها، وفق تقديرات منظمة الأمم المتحدة.

إذا كان هذا حال أوروبا في عصور قريبة نسبيًا، حيث كان من المفترض أن يتطور العلم بتطور الزمن، فكيف إذن عانت الأمم والشعوب الغابرة في حضاراتها القديمة من أوبئة فتاكة وأمراض عضال؟ وكيف واجهت تلك المجهول المرعب بوسائلها البدائية؟

لن نبحر بعيدًا، بل سنغوص في جولة قصيرة ولكنها عميقة داخل نقوش المسند اليمنية؛ لنقتبس جزءًا يسيرًا من سجلّ حافل بالأمراض التي عاناها أجدادنا اليمانيون القدامى، وطرق علاجهم، ووسائلهم في الحد من انتشارها، بما في ذلك "الطاعون الفتاك". فهل استطاع الإنسان اليمني القديم أن يداوي هذا الداء العضال؟

الحقيقة المذهلة أن اليمنيين القدماء مارسوا الطب على نطاق واسع، وهو ما تشهد عليه الآلات الجراحية التي عثر عليها المنقبون، والمواد العضوية المستخلصة من الجثث المحنطة، والنقوش التي حوت ألفاظًا دقيقة تصف طبيعة الأمراض التي عُرفت في اليمن القديم، وتدل على معرفة تامة بأعضاء الجسم البشري، ظاهرها وباطنها، بل وبعلم التشريح ذاته. فقد ورد في تلك النقوش التعبير عن "المرض" بصيغ شتى ومعانٍ مختلفة، مثل: (م ر ض) للداء العام، و(ض ل ل) للضلال والهلاك، و(ح ل ص) للخلاص أو فقدان الصحة، و(ح ل ظ) للقسوة والشدة، و(ب د ل) للتبدل والتغير، و(خ و م) للوباء العام. كما أفردوا للوباء اسمًا خاصًا هو (خ م ط ن م).

أما عن الأمراض، فقد ذكرت النقوس تفصيلًا دقيقًا: التهاب الأسنان (ت أ ه ر ن)، وداء القدمين (ع ل ل)، والصمم (ب ع د)، والجذام (ت ج ذ م)، والجروح (ج ر ح) والقروح (ق ر ح)، والحمى الناجمة عن البرد (ه ر ي ت)، وارتفاع درجة الحرارة (م ح ر)، والسعال (س ع ل) والربو (ح ش ي م)، وأمراض القلب، والطاعون (ع و س)، والأرق والسهد (م ي ق ظ)، والهيضة (الكوليرا) (ذ ر ب)، وأمراض العيون (ن ظ ر).

وقد بلغت الأمراض المذكورة في النقوش 198 نوعًا مختلفًا، في حين وصلت العلاجات النباتية المذكورة إلى 301 نوع، بعضها ورد أيضًا في مخطوطات صينية قديمة، تؤكد استيراد الصين بعض العقاقير من اليمن القديم. ولم تغفل النقوش عن توثيق حالات النفير العام وتشييد أماكن العزل الصحي، حماية للمجتمع من انتشار الوباء. كما سجلت النقوش إرسال بعثات طبية إلى الخارج، واستقدام مبتعثين لدراسة الطب في أرض سبأ، التي كانت يومها منارة علم تشع في جزيرة العرب.

ولعل من أبلغ الشواهد على تطور الجراحة، العثور على 411 أداة جراحية،، ولا تزال أشكالها مستخدمة في المستشفيات حتى يومنا هذا. كما وثقت النقوش إجراء عمليات جراحية دقيقة، وتفصيلًا لتشريح جميع أعضاء الإنسان الداخلية، بالإضافة إلى جبائر العظام المكسورة.

لكن يبقى السؤال الأهم: ما صلتنا بكل هذا؟ نحن نريد فقط جلاء حقيقة مرض الطاعون في اليمن القديم، وماذا قالت النقوش عنه، وهل كان الشفاء منه ممكنًا؟

جاء في عدد من نقوش المسند ما يفيض فرحًا وسرورًا بالشفاء من ذلك الوباء المميت الذي سموه (ع و ص)، أي: طاعون. وهذا دليل قاطع على أنه كان من أشد الأمراض فتكًا بحياتهم. ورغم استعصاء إيجاد دواء لهذا المرض القاتل، إلا أن الإنسان اليمني القديم استطاع، بفضل تفكيره الثاقب، أن يبتكر الحلول الفكرية والطبية لمقاومته. ففي النقوش التي تذكر وباء الطاعون الذي حدث في القرنين (الثاني والثالث قبل الميلاد)، وانتشر في أرجاء اليمن، نقرأ عن حالة الهلع التي أصابت العامة. لكن المدهش أن مملكة سبأ كانت على أهبة الاستعداد، فشيدت أماكن العزل الصحي، ونظمت مواعيد الزيارات، ووضعت أسس الوقاية.

ومن تلك النقوش الخالدة:
النقش (CIH 81): الذي حصلت عليه من تدوينة الباحث أنور الحاير، يتحدث عن مواطن يُدعى "عبد شمس بن حيظم"، قدّم نذرًا للإله في معبد "هران" (كتابة على لوح مسندي)، بأن يقدم ثورًا قربانًا؛ لأنه شفاه من الطاعون الذي كان قد أصابه في وطنه. إنه أمر مذهل حقًا! نقش يتحدث عن حالة شفاء، مما يعني بكل وضوح وجود علاج.
النقش (Nāmī NAG 9 Ja 645): الذي يحدثنا أيضًا عن الوباء، ويصفه بأنه قاتل ومرض خبيث، قد حدث في الأرض بتاريخ السنة الأولى للملك "حيوم بن أب كرب".
النقش (CIH 55): الذي يروي قصة شفاء جسد امرأة تدعى "غضر" من وباء الموت، الذي عمّ كل أرض سبأ، فتماثلت للشفاء. حالة أخرى منّ الله عليها بالشفاء.

إنها لمحات مضيئة من تاريخ طبّي عريق، تؤكد أن شعبنا لم يكن يومًا أسيرًا للأمراض، بل كان فاعلاً في مواجهتها، وعائدًا بالنصر على الموت بإذن الحياة.

سأعمل على جزء ثانٍ عن الطب في اليمن القديم، وبشكل أعمق وأشمل.

٢ مارس ٢٠٢٦م
محمد_زمير 🖋



#محمدزمير (هاشتاغ)       Mohammed_Zumair#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مخرجات الحوار الوطني اليمني...نصوص مضحكة في وأقع مختلف.
- الخطايا والتكفير في النقوش السبئية: رحلة عبر العدالة الإلهية ...
- اليمن: كيف أفشلت السعودية والإمارات مخططات قطر وتركيا؟
- ‏صنعاء وثلاثة مسامير في نعشها: قراءة فلسفية
- محمد الزمير - الجذور الجيوسياسية للصراع بين أوروبا والشرق ال ...
- محمد الزمير-نقوش يمنية عربية مسندة جديدة ٢٠£ ...
- -تحليل المصطلحات القرآنية والنقوش الإركيولوجية : بين العرب و ...
- صراع إقليمي بصبغة دينية: اليمن والجنوب الناشئ - تحليل شامل
- تاريخ القهوة
- نقش -ماسل الجمح-: استكشاف الرابط التاريخي بين أسم اليمن الحا ...
- محمد الزمير نسف النظريات الصهيونية-سياسة الاستغباء الغربية
- تصحيح أدلة مسلة إبرهه وإلقاء الضوء على هوية الملك ونفي ادعاء ...
- أهمية تصحيح المفاهيم والتعامل مع الخرافات في بناء مجتمع متقد ...
- هندسة الدين والعلم: عالمان منفصلان أم وجهان لعملة واحدة؟-
- إعادة تقييم قصة أسرة الملك توت عنخ آمون: تحليل تاريخي للوقائ ...
- مسلمون بعقل دارويني
- صناعة وبرمجة الشعوب
- الفلك في اليمن القديم – علم الكون اليمني وإنتشار العلوم الي ...
- قارئ النقوش القديمة، محمد الزمير، يكشف عن شخصية ملكة سبأ.
- القراءة الصحيحة لنقش النمارة-


المزيد.....




- خسائر الجيش الأمريكي مع نهاية اليوم الثالث للحرب على إيران
- 15 طائرة عسكرية أمريكية غادرت إسبانيا بعدما رفضت مدريد حرب إ ...
- قطر: مخزوناتنا من صواريخ باتريوت لم تُستنفد واحتياطياتها كاف ...
- قطر تنفي استنفاد مخزونها من صواريخ -باتريوت- الاعتراضية
- الجيش الكويتي: نتعامل مع موجة صواريخ ومسيرات في أجواء الدولة ...
- ترامب: انسحابي من اتفاق أوباما منع إيران من امتلاك سلاح نووي ...
- إسرائيل تهاجم أهدافا تابعة لحزب الله في بيروت
- السعودية.. تعرض السفارة الأميركية في الرياض لهجوم بمسيّرتين ...
- الإمارات تنفي -ادعاءات بلومبرغ- بشأن قدراتها الدفاعية
- مصادر لـCNN: استهداف السفارة الأمريكية في الرياض بـ-طائرتين ...


المزيد.....

- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان
- اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال ... / صباح علي السليمان
- محاضرات في علم الصرف ( كتاب مخطوط ) . رقم التصنيف 485/252 ف ... / صباح علي السليمان
- محاضرات في منهجية البحث والمكتبة وتحقيق المخطوطات ( كتاب مخط ... / صباح علي السليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - محمد الزمير - وباء الطاعون في اليمن القديم.