أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - مصطفى صامت - الأمازيغية المعيارية: بين جهل الخصوم وحتمية التخطيط اللغوي















المزيد.....

الأمازيغية المعيارية: بين جهل الخصوم وحتمية التخطيط اللغوي


مصطفى صامت

الحوار المتمدن-العدد: 8631 - 2026 / 2 / 27 - 17:49
المحور: قضايا ثقافية
    


حينما نقرأ للأقلام المعادية للتعدد اللغوي في الجزائر، وخاصة حين يتعلق الأمر بمسألة "الأمازيغية المعيارية"، يتأكد لنا جلياً أن هؤلاء الأشخاص يعانون من فهم قاصر وخاطئ لهذه السيرورة العلمية. فهم يعتقدون، بسذاجة، أن هذه العملية تُحاك في مختبرات سرية من قِبل أشخاص يضمرون الشر للغة العربية وللجزائر. بل إن بعضهم واهمٌ بأن ما يتحدث به الأمازيغ اليوم، بمختلف متغيراتهم، هو مجرد نتاج للغة اصطنعتها "الأكاديمية البربرية" في فرنسا خلال فترة الستينيات!
هذا التفسير المشوه الذي يتبادر إلى أذهان هؤلاء، إنما يرجع بالأساس إلى محدودية زادهم المعرفي في علم اللسانيات، وجهلهم المطبق بتاريخ بلادهم وتاريخ اللغات. ولهذا الغرض، سنحاول إضاءة بعض العتمة في هذا الملف، واستعراض أهم التجارب التي خاضتها البشرية في مسألة التقعيد و"المعيرة اللغوية" .

ولكن قبل ذلك، لا بد من تصحيح مفاهيم جوهرية مغلوطة لدى شبابنا، وهي أن تعريف "اللغة" يختلف جذرياً بين حقل السياسة وحقل اللسانيات:
ففي علم السياسة الميكيافيلي، اللغة هي باختصار: "لهجة تمتلك جيشاً وأسطولاً". ويُقصد بهذا التعريف أن أي لهجة يتم اعتمادها من قِبل السلطة السياسية رسمياً كوسيلة للتعامل الوطني وفي مؤسسات الدولة، تتحول تلقائياً إلى "لغة"، تماماً كما حدث مع الفرنسية، وكما حدث مع الملايوية في إندونيسيا كما سنأتي على ذكره.
أما في علم اللسانيات، فاللغة هي: أي نسق من الرموز الصوتية أو المرئية يُستعمل للتواصل. بناءً على ذلك، حتى لغة الإشارة عند الصم والبكم تُعد لغة قائمة بذاتها. إذن، علمياً، لا تفاضل ولا فرق بين "اللهجة" و"اللغة" ما دام الغرض الأساسي منهما —وهو التواصل— متحققاً.

إن المعيارية أو التهيئة اللغوية ليست "تطوراً عشوائياً" تنبت كالأعشاب البرية في الشوارع، بل هي "هندسة لغوية" وقرار سياسي-مؤسساتي بامتياز. تحدث المعيرة عندما تقرر الدولة، أو النخبة المثقفة، الارتقاء من حالة "التشتت اللهجوي" إلى حالة "اللغة الوطنية الموحدة" الموجهة للاستعمال في الإدارة، والمدرسة، والقضاء، والإعلام. وتتكفل بهذه المهمة مؤسسات رسمية سيادية (مجامع لغوية، أكاديميات، معاهد بحث)، تضم نخبة من علماء اللسانيات، والنحاة، والمعجميين، والأدباء.

ومن أجل تحقيق هذه المعيرة اللغوية، يعتمد المختصون عموماً على مقاربتين:
المقاربة الأولى (أساس الهيمنة): وتتمثل في الارتقاء بلهجة منطقة معينة —تكون غالباً مركزاً سياسياً، أو اقتصادياً، أو دينياً— وجعلها هي المعيار الأوحد، مع إسقاط باقي اللهجات وتهميشها.
المقاربة الثانية (أساس الدمج والتكامل): حيث يتم استخلاص الجذور المشتركة والخصائص النحوية المتقاربة من عدة متغيرات لهجوية، ودمجها لخلق "لغة معيارية وسيطة" يفهمها الجميع ويستوعبونها بمرور الوقت. (وهو النهج العلمي الديمقراطي المتبع حالياً في الجزائر بالنسبة للأمازيغية المعيارية).

أمثلة عالمية حية تدحض خرافات الخصوم:
ما يجهله مناوئو الأمازيغية هو أنه لا توجد لغة رسمية في عالمنا المعاصر تعيش اليوم كما وُلدت! فكل اللغات الكبرى مرت بغرف العمليات اللغوية، وخضعت لتدخل بشري صارم في مختلف الحقب، ولا تزال حتى اليوم تحت رعاية المجامع اللغوية التي تقوم بانتقاء المصطلحات وتحديث القواميس وفقاً للمستجدات:

1. اللغة العربية (معيارية دينية-مؤسساتية):
لم يكن العرب يتحدثون لغة موحدة في أسواقهم، بل لهجات متباينة (لخم، تميم، قيس، طي...). نزل القرآن بلهجة "قريش" (المركز الديني والتجاري آنذاك)، غير أن "العربية الفصحى" التي نكتب بها اليوم ليست لغة قريش الخالصة، بل هي "صناعة بشرية معيارية" هندسها النحاة في البصرة والكوفة (وأغلبهم أعاجم كسيبويه الفارسي والفراهيدي العماني وابن آجرّوم الصنهاجي ،ابن معطي الزواوي، ابو حيان الغرناطي النَّفْزي ...). هم من استنبطوا القواعد، وابتكروا التنقيط (أبو الأسود الدؤلي)، وجمعوا القواميس. ثم خضعت العربية لعملية تقعيد وتحديث واسعة في عصر النهضة العربية (منتصف القرن الـ 19) تزامناً مع ظهور الطباعة والصحافة. فالفصحى هي "لغة مختبرات" نجحت بفضل قوة الدين، وسلطان الإمبراطورية، وجهود رواد النهضة.

2. اللغة الفرنسية (الإبادة اللهجوية من أجل المعيار):
في القرن السابع عشر، لم يكن سوى 20% من سكان فرنسا يتحدثون الفرنسية! بينما كان الباقون يتحدثون لغات ولهجات محلية (كالبريتونية، والأوكسيتانية). أسس الكاردينال "ريشيليو" الأكاديمية الفرنسية عام 1635م بقرار سياسي قاهر: أخذ لهجة العاصمة باريس، قعّدها، وفرضها بالقوة في المدارس والإدارة، مع حظر التحدث باللهجات الأخرى (التي سُميت احتقاراً Patois). الفرنسية الرسمية اليوم هي نتاج "دكتاتورية لغوية معيارية" بامتياز.

3. اللغة الألمانية (معيارية الترجمة والدمج):
كان الألمان قبائل مشتتة تتحدث لهجات لا تفهم بعضها البعض (ألمانيا العليا والسفلى). في القرن السادس عشر، قام "مارتن لوثر" بترجمة الإنجيل، ولتجنب الاقتراض من اللغات الأجنبية، اعتمد على المصطلحات الألمانية القديمة المحفوظة في مختلف اللهجات، ليصنع لغة هجينة ذكية (Hochdeutsch - الألمانية العليا المعيارية). كانت هذه اللغة "غريبة" في البداية، لكن من خلال تدريسها تحولت إلى لغة الفلسفة والعلوم، وهي الرابط القومي الذي يجمع ألمانيا اليوم.

4. الإندونيسية (Bahasa Indonesia - العبقرية السياسية):
تضم إندونيسيا مئات اللغات، وأكبر عرقية فيها هي "الجاوية" (حوالي 40% من السكان). لكن قادة الاستقلال، بذكاء منقطع النظير، تجنبوا جعل لغة الأغلبية هي المعيار كي لا يثيروا حفيظة الأقليات. اختاروا لغة تجارية بسيطة كانت تُستخدم في الموانئ (الملايوية)، وأدخلوها "المختبر اللغوي"، فوضعوا لها مصطلحات حديثة، وفرضوها لغة رسمية. واليوم، تعد الإندونيسية لغة معيارية ناجحة توحد 270 مليون نسمة، وهي ثمرة صناعة سياسية بحتة.

5. العبرية الحديثة (معجزة إحياء لغة ميتة):
قبل أواخر القرن التاسع عشر، كانت العبرية لغة "ميتة تماماً" في الاستعمال اليومي، مجرد لغة "طقوس دينية" تُقرأ بها التوراة في المعابد (كاللاتينية). لم تكن لغة أمّاً لأي إنسان على وجه الأرض لأكثر من 2000 سنة، حيث كان اليهود يتحدثون لغات بلدانهم أو لغات هجينة مثل "اليديشية". هنا تسقط تماماً مقولة "اللغة تنمو طبيعياً في الشارع".
حتى ظهر "إليعيزر بن يهودا" (مهندس اللغة المعيارية من العدم)، الذي أدرك أن بناء "دولة" مستحيل بشتات لغوي يجعل ولاء الأفراد لدول أجنبية. فقرر صناعة "العبرية الحديثة المعيارية"، وبدأ بالتحدث مع طفله الأول بالعبرية فقط، ليكون أول ناطق أصلي بها منذ ألفي عام!
وواجه بن يهودا أزمة خلو العبرية التوراتية من المصطلحات الحديثة (قطار، كهرباء، جريدة...)، فأسس "لجنة اللغة"، وبدأ ينحت الكلمات ويصطنعها سواء بالاشتقاق من الجذور القديمة، أو بالاقتراض من اللغة العربية، أو بتطويع المصطلحات الأجنبية. تعرض مشروعه لمقاومة شرسة وسخرية لاذعة؛ فالمتدينون اعتبروه تدنيساً "للغة الرب"، والعلمانيون اعتبروا لغته "خشبية، مصطنعة، ولا تستوعب العلوم".
رغم كل ذلك، نجحت العبرية لا لأنها تطورت "طبيعياً"، بل لأن الحركة الصهيونية، ثم دولة إسرائيل، تبنتها بقرار سياسي صارم. أُنشئت "كتائب المدافعين عن اللغة" لفرضها في الشارع، وحُظر تدريس "اليديشية"، وفُرضت العبرية في الإدارة والجيش والجامعات. والنتيجة؟ خلال جيلين فقط (50 سنة)، تحولت لغة المختبرات إلى لغة حية وسلسة يتحدث بها اليوم 9 ملايين شخص وتُكتب بها أبحاث الفيزياء النووية والطب!

الزمن السوسيولوجي لمعيرة اللغات:
إن المعيارية اللغوية لا تؤتي أكلها في جيل واحد، ومن يتوهم ذلك فهو يجهل قوانين التاريخ وحركة المجتمعات. العملية تمر بمرحلتين حتميتين:

المرحلة التقنية (من 5 إلى 20 سنة): وتختص بوضع القواعد، تحديد الأبجدية، تأليف القواميس، وصياغة المناهج المدرسية.
مرحلة التبيئة والتعميم (من 30 إلى 50 سنة - أي جيلين إلى ثلاثة أجيال): وتبدأ بولوج اللغة إلى المدرسة. من الطبيعي أن يشعر الجيل الأول (الآباء) بأن هذه اللغة "مصطنعة" مقارنة بلهجتهم المحلية. غير أن الجيل الثالث، الذي ينشأ على أفلام الكرتون، ونشرات الأخبار، والمقررات المدرسية بهذه اللغة المعيارية، سيتحدثها بطلاقة وبشكل طبيعي جداً كأنها لغته الأم. المعيرة إذن تحتاج إلى نصف قرن على الأقل لتكتمل دورتها في الشارع.

خلاصة القول:
إن الأمازيغية اليوم أحوج ما تكون إلى مؤسسات رسمية سيادية تحتضن هذه السيرورة، وتضع لها الأسس العلمية المتينة، وتوجهها نحو الهدف الاستراتيجي المنشود الذي ستقطف ثماره الأجيال القادمة. وفي انتظار ذلك، يقع على عاتق جيلنا اليوم واجب التهيئة والترقية العلمية للمتغيرات الأمازيغية بسلاسة، لتندمج وتتكامل مع الزمن، وتُفرز لنا مستقبلاً لغة أمازيغية معيارية وطنية، موحدة، وشامخة.



#مصطفى_صامت (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- شعار -الجزائر جزائرية-... و المغالطات الأيديولوجية
- عروبة الفينيقيين بين التاريخ الأكاديمي وترهات الأيديولوجيا
- ما الذي جعل نشطاء الحركة الأمازيغية يصنعون راية أمازيغية ؟
- عنتر بن شداد الوهراني الذي هزم جيشا من ألف رجل لوحده !
- ماسينيسا أم حنبعل ... من أدخل الرومان الى شمال إفريقيا ؟
- الحراك بين حلم جزائر الغد ومخاوف السقوط في الدولة الاسلامية ...
- الحراك بين حلم جزائر الغد ومخاوف السقوط في الدولة الاسلامية ...
- الحراك بين حلم جزائر الغد ومخاوف السقوط في الدولة الاسلامية ...
- أسماء حمبلي، أوراسية تخترق منطقة اللامفكر فيه بالقول أن الإن ...
- مؤرخوا البلاط أو مؤرخوا زوج دورو كما يسميهم الجزائريون ، محم ...
- القومية العربية والفينيقية في لبنان والدور الفرنسي لإسقاط ال ...
- بلغاريين في الجزائر دون علم المؤرخيين ؟؟
- خرافة عروبة الفينيقيين والدجل التاريخي للعروبيين في الجزائر
- حراك 22 فيفري بالجزائر ... خلفيات وتحديات
- لماذا تتربع ولاية تيزي وزو على قائمة الناجحين في شهادة البكا ...
- أسئلة غير بريئة في فرضية الأصل المشرقي للامازيغ
- اذا كانت العربية لغة الجنة بعد الممات كما يدعون ويعدون فإن ت ...
- اذا كانت العربية لغة الجنة بعد الممات كما تدعون وتعدون فإن ت ...
- ظاهرة الماك (MAK) في الجزائر ليست إرهابا إنما تعبير صارخ ودل ...
- لمذا تدفع منطقة القبايل الجزائرية ثمن تضحياتها كل مرة ؟


المزيد.....




- ناقلو أثاث يعترضون خاطف طفلة بعمر عامين وينقذونها بشكل بطولي ...
- مصر.. علاء مبارك يعلق على زيارة تركي آل الشيخ لفاروق حسني في ...
- حادث كرداسة: سيارة عليها علم إسرائيل تدهس مارة بمصر والقبض ع ...
- مؤكدًا دور واشنطن في العملية.. المبعوث الأميركي إلى سوريا يث ...
- تصاعد المواجهات على الحدود بين باكستان وأفغانستان يضع المدني ...
- مساع سعودية وقطرية لمنع -حرب مفتوحة- بين أفغانستان وباكستان ...
- إسرائيل: المحكمة العليا تجمد قرار منع 37 منظمة غير حكومية من ...
- في ارتفاع غير مسبوق: 41.5 مليار دولار تحويلات المصريين بالخا ...
- كيف تعزز حكومة مودي العلاقات الهندية الإسرائيلية في ظل تقارب ...
- كينيا: الأفاعـي القاتلة


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - مصطفى صامت - الأمازيغية المعيارية: بين جهل الخصوم وحتمية التخطيط اللغوي