أميمة البقالي
(Oumaima Elbakkali)
الحوار المتمدن-العدد: 8630 - 2026 / 2 / 26 - 02:47
المحور:
التربية والتعليم والبحث العلمي
في زمنٍ أصبحت فيه الشاشة مرآتنا الأولى، لم يعد الإنسان يعيش اللحظة بقدر ما يوثّقها. لم تعد التجربة تُقاس بعمقها، بل بعدد الإعجابات التي تحصدها، ولا بقيمتها الروحية، بل بنسبة المشاهدة التي تحققها. لقد تحوّل العالم الرقمي من وسيلة تواصل إلى فضاء بديل للحياة، حتى بات البعض يعيش داخل صورةٍ صنعها لنفسه، ويخشى الخروج منها.
لم تكن وسائل التواصل الاجتماعي في بدايتها سوى أدوات للتقريب بين الناس، لكنها اليوم صارت مسرحاً ضخماً لعرض نسخٍ مُنمّقة من الواقع. الجميع يبدو سعيداً، ناجحاً، أنيقاً، ومُحبّاً للحياة. غير أن هذه الصورة اللامعة تخفي وراءها تعباً نفسياً عميقاً، وضغطاً اجتماعياً صامتاً، ومقارناتٍ لا تنتهي. أصبح الإنسان يقيس قيمته بذاته الرقمية، فإذا انخفض عدد المتابعين شعر أن شيئاً من مكانته قد سقط.
الخطورة لا تكمن في التكنولوجيا ذاتها، بل في علاقتنا بها. فحين يتحول الهاتف إلى امتدادٍ لهويتنا، ويصبح الرأي العام الافتراضي هو الحكم على اختياراتنا، فإننا نفقد شيئاً فشيئاً استقلالنا الداخلي. نبتسم للكاميرا أكثر مما نبتسم لأنفسنا، ونبحث عن الاعتراف الخارجي بدل أن نصنع السلام الداخلي.
ومن زاوية أخرى، يمكن القول إن العالم الرقمي خلق نوعاً جديداً من الوعي الجمعي، لكنه في الوقت نفسه عزز الفردانية المفرطة. أصبح كل شخص مشروعاً تسويقياً لنفسه، يعرض تفاصيل حياته كما لو كانت منتجاً. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل نحن نعيش تجاربنا بصدق، أم نعيشها لننشرها؟
إن النقد الحقيقي لا يدعو إلى مقاطعة التكنولوجيا، بل إلى إعادة تعريف علاقتنا بها. نحن بحاجة إلى تربية رقمية تزرع فينا الوعي لا التبعية، وتعلّمنا أن القيمة لا تُقاس بالأرقام، وأن السعادة ليست محتوى يُستهلك بل حالة تُعاش.
فالإنسان، في نهاية المطاف، ليس صورةً على شاشة، بل كائنٌ يحمل مشاعر وتجارب لا يمكن اختزالها في منشور. وربما آن الأوان أن نتعلم كيف نعيش اللحظة دون أن نبحث عن شاهدٍ عليها، وأن نُحب ذواتنا خارج إطار الإعجاب الرقمي.
#أميمة_البقالي (هاشتاغ)
Oumaima_Elbakkali#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟