أميمة البقالي
(Oumaima Elbakkali)
الحوار المتمدن-العدد: 8583 - 2026 / 1 / 10 - 17:08
المحور:
قضايا ثقافية
يُخيّل للإنسان المعاصر أنه يعيش زمن الحرية المطلقة في التعبير والتواصل، بفضل وسائل التواصل الاجتماعي التي أتاحت لكل فرد منبرًا خاصًا وصوتًا مسموعًا. غير أن هذا الإحساس بالتحرّر يخفي وراءه بنية خفية من الضبط والتحكّم، تُمارسها الخوارزميات بشكل غير مرئي، لكنها فعّالة إلى حدّ بعيد.
فوسائل التواصل الاجتماعي لا تعرض المحتوى بشكل عشوائي أو محايد، بل وفق منطق الربح، والانتباه، والتفاعل. وما يظهر للمستخدم على شاشته ليس انعكاسًا للحقيقة الكاملة، بل صورة منتقاة بعناية، تُعيد إنتاج ما ينسجم مع ميوله السابقة، مما يخلق ما يُعرف بـ"فقاعات الرأي". وبهذا، يتحوّل الفضاء الرقمي من مجال للحوار المفتوح إلى فضاء مغلق يعزّز القناعات بدل مساءلتها.
كما أن الإنسان في هذا العالم الرقمي لا يقدّم ذاته كما هي، بل كما يريد لها أن تُرى. فينشأ نوع من الاغتراب الوجودي، حيث تنفصل الذات الافتراضية عن الذات الحقيقية، ويُقاس الوجود بعدد الإعجابات والمشاركات. وهنا تتحوّل القيمة الإنسانية من العمق إلى الظهور، ومن المعنى إلى الصورة، مما يطرح أسئلة فلسفية عميقة حول الهوية والاعتراف والصدق.
ورغم ذلك، لا يمكن اختزال وسائل التواصل الاجتماعي في بعدها السلبي فقط، فهي تظل أداة تحمل إمكانات للتحرّر بقدر ما تحمل مخاطر للسيطرة. والمسؤولية تقع على وعي المستخدم وقدرته على التفكير النقدي، لا على التقنية ذاتها. فالفلسفة، في هذا السياق، ليست رفضًا للتكنولوجيا، بل محاولة لفهمها، ومساءلة شروطها، واستعادة الإنسان لفاعليته داخل عالم يبدو أكثر اتصالًا، لكنه في العمق أكثر عزلة.
#أميمة_البقالي (هاشتاغ)
Oumaima_Elbakkali#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟