أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ادهم ابراهيم - عن أي سيادة يتحدّثون في العراق














المزيد.....

عن أي سيادة يتحدّثون في العراق


ادهم ابراهيم
(Adham Ibraheem)


الحوار المتمدن-العدد: 8624 - 2026 / 2 / 20 - 14:04
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


عن اي سيادةٍ يتحدّثون في العراق

في قلب مشهد إقليمي مضطرب يقف العراق اليوم على أرضٍ رخوة سياسياً وأمنياً واقتصادياً. أزمة تشكيل السلطة، الخلافات حول انتخاب رئيس الجمهورية وتكليف رئيس الوزراء، وانقسام الكتل الكبرى، كلّها ليست سوى أعراض لمرض أعمق: دولة تُدار من الخارج على هشاشة داخلية مزمنة، وطبقة سياسية فاسدة تتعايش مع اوضاع خطيرة مدفوعة بمصالح حزبية وانانية ضيقة .

تتزامن الأزمة العراقية مع تفاوض واشنطن وطهران تحت أقصى الضغوط العسكرية والسياسية والاقتصادية. في هذا السياق، تمارس الولايات المتحدة ضغطاً على قوى سياسية عراقية لإبعاد العراق عن التبعية لإيران واستبعاد جماعات مسلحة من الحكومة المقبلة. وقد نقل القائم بالأعمال الأميركي في بغداد جوشوا هاريس رسائل تحذير متكررة لمسؤولين عراقيين خلال الأشهر الماضية، في وقت بدا فيه انحيازٌ واضح لشخصيات متهمة بالفساد، ما كشف ازدواجية المعايير حين تُستخدم “السيادة” و“مكافحة الفساد”كأدوات سياسية لفرض واقع معين بدلاً من التأسيس لدولة مؤسسات .

انفجرت موجة “التباكي على السيادة” بعد تغريدة للرئيس الأميركي دونالد ترامب استبعد فيها احد السياسيين من الترشيح لرئاسة الوزراء، تحت طائلة وقف المساعدات . فارتفعت أصوات تتحدّث عن “العراق كدولة ذات سيادة وليس ولاية أميركية”. لكن هذا الخطاب، مهما بدا وطنياً، يتجاهل واقع التبعية المركّبة: فمنذ عام 2003 لم يأتِ رئيس وزراء عراقي إلا ضمن تفاهمات أميركية–إيرانية، وبقي القرار الوطني معلّقاً بين قطبين يتنازعان النفوذ.

اقتصادياً، تُدار شرايين الدولة من خارج حدودها. فإيرادات النفط الدولارية مودَعة في الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، وتُجدَّد سنوياً أوامر تنفيذية أميركية لحماية صندوق تنمية العراق وأموال النفط من الحجوزات القضائية ومطالبات الدائنين . هذه “الحماية” التي تشمل عشرات المليارات من الدولارات تمنح واشنطن نفوذاً مباشراً على الاستقرار المالي والسياسي، وتُبقي السيادة الاقتصادية شعاراً بلا أدوات فعلية. المفارقة أن حكومة بغداد تدعو إلى تعزيز استقلالها المالي بينما مفاتيح التدفقات الكبرى ليست في يدها.

على الضفة الأخرى، يتجذّر النفوذ الإيراني داخل البنية السياسية والأمنية. تمتلك طهران شبكة تأثير في الحكومة والأحزاب المتنفذة ومراكز صنع القرار، وتلعب دور “الوسيط” حين تنشب الخلافات بين الأحزاب والمليشيات، لتحافظ على تكتلٍ يضمن حصص الجميع ويمنع انفراط العقد الذي راكمت عبره نفوذها. وفي أزمات كثيرة، تُستخدم المليشيات لابتزاز الدولة وممارسة الضغط السياسي، ثم تتقدّم الدبلوماسية الإيرانية لحلّ النزاع بما يكرّس دور الوسيط ويفتح باب مقايضات جديدة على حساب السيادة.

تتجلّى هشاشة الدولة أكثر في الواقع الأمني: مليشيات منفلِتة، فساد ينخر مؤسسات الحكم، قوات أجنبية على الأراضي العراقية، وتدخل إيراني سافر في تفاصيل السياسة والاقتصاد والإعلام. دستورياً، يمتلك رئيس الوزراء الصلاحيات التنفيذية الأوسع، لكن الواقع يكشف أن قراراته مرتهنة لسلطة السلاح غير المنضبط. وما يزيد الصورة قتامة أن بعض الزعماء السياسيين يقصدون طهران للتشاور بشأن تشكيل الحكومة وتسمية الرئاسات، في إقرار عمليّ بأن القرار لا يُصنع في بغداد وحدها.

اقتصادياً واجتماعياً، تغلغلت المصالح الإيرانية في قطاعات الاستثمار والسياحة الدينية والتجارة، مع تسهيلات واسعة للتأشيرات وإغراق السوق بسلع استهلاكية رخيصة. هكذا تحوّلت إيران إلى شريك تجاري رئيسي للعراق منذ 2003 باستثمارات بمليارات الدولارات، فيما تُستنزف فرص بناء صناعة وطنية قادرة على خلق وظائف للشباب. هذا التوغّل لم يبقَ اقتصادياً فقط؛ بل امتدّ إلى المجتمع، حيث تُستهدف فئات شابة للتجنيد في أجنحة مسلحة تؤمن بـ“ولاية الفقيه”، فتتحوّل الأزمات المعيشية إلى وقود تعبئة عسكرية عابرة للحدود.

إن مستوى البؤس والتخلّف وسوء المعيشة الذي بلغه العراق ليس قدراً، بل نتيجة مباشرة لمصادرة استقلاله، ودعم الفاسدين، وإدارة الدولة كـ“ملفات متنازع عليها ” لا ككيان ذي إرادة مستقلة . تبدّل الأسماء والخطابات لا يغيّر الحقيقة ما دام القرار الوطني مُعلّقاً والنظام السياسي قابلاً للاختراق، والنخب متكيّفة مع هذا التعليق. الخطر ليس في حضور الخارج وحده، بل في غياب تعريف داخلي صارم لمعنى السيادة وحدود الشراكة.

الأزمة السياسية الأخيرة كشفت شرخاً داخل الإطار التنسيقي، بما يعكس هشاشة النظام وفشل الطبقة السياسية، وينذر بفراغ سلطوي يفاقم غضب الشارع وتدهور الثقة بالحكم . مثل هذه العوامل دفعت مئات الآلاف من الشباب إلى الاحتجاج في 2019 – رغم العنف والاغتيالات – وما زالت قائمة: بطالة، فساد مالي وإداري، وانسداد أفق سياسي. الإصلاح ليس شعاراً يُرفع عند الحاجة؛ بل مسار طويل يتطلّب تفكيك اقتصاد الريع، ضبط السلاح بيد الدولة، استعادة القرار المالي، وبناء قضاء مستقل يحاسب “الكبار” قبل الصغار.

السيادة التي تُستعمل ورقة ضغط في صراعات الخارج ليست سيادة، والوطنية التي تُستدعى لحماية الكراسي ليست وطنية. الحاجة إلى تغيير سياسي عميق باتت مُلحّة، ولا ينكرها إلا المستفيدون من الفوضى. ان المجتمع لن يصمد طويلاً أمام منظومة نهبت البلاد ورهنت المستقبل. الخلاص لن يأتي من اسم جديد على رأس السلطة، بل من انتقال العراق من إدارة فاسدة لدولة مختطفة إلى دولة تفرض منطقها، وتُعرّف علاقاتها بوضوح، وتستعيد حقها في القرار. عندها فقط يصبح للحديث عن السيادة معنى يتجاوز الخطابة إلى الفعل الوطني .



#ادهم_ابراهيم (هاشتاغ)       Adham_Ibraheem#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الطائفية في خدمة المخططات الخارجية
- ترشيح المالكي واعتراض ترامب حين ينكشف فشل النظام السياسي الع ...
- هل حان وقت التغيير في إيران
- من شرق أوسط جديد إلى عالم جديد
- الخوف السياسي..كيف يدار العالم بالقلق
- قرار القضاء العراقي بين سندان القانون ومطرقة الفساد
- هل يشهد العراق انقلابًا سياسيًا
- اهمية التغلب على الصراعات التاريخية
- الملف غير التقليدي لمبعوث ترامب الجديد إلى العراق
- السلام بالقوة وهم خطير
- غزة
- قراءة في خطة ترامب لإنهاء الحرب في غزة
- تداعيات العقوبات الدولية تجاه إيران وأثرها على العراق
- الطبقة الوسطى بيضة القبان في العراق
- شرق أوسط جديد صراع القوى وفراغ الرؤية العربية
- إسرائيل على منحدر العزلة
- الفقر يدفع الشباب العراقي إلى أتون الحرب الروسية الأوكرانية
- الذكاء الاصطناعي قوة حضارية أم اداة للهيمنة الرقمية
- قانون الحشد الشعبي. . حجر الزاوية لمستقبل النظام في العراق
- قراة في التغول الإسرائيلي


المزيد.....




- فيديو يوثّق ما فعله متسلق جبال متهم بترك صديقته تتجمد حتى ال ...
- وزير خارجية إيران: أمريكا لم تطلب منّا وقف تخصيب اليورانيوم ...
- -فيفا- تكشف عن خطة بقيمة 75 مليون دولار لغزة: ملاعب جديدة وأ ...
- التوتر الأمريكي الإيراني: لماذا قد تختار طهران المواجهة بدلا ...
- فجوة في الأعداد وكلفة بشرية أوسع: قتلى غزة يفوقون الأرقام ال ...
- تسوية بـ 35 مليون دولار لضحايا إبستين.. هل تنهي الجدل؟
- حركة حماس تشدد على ضرورة -وقف كامل للعدوان الإسرائيلي- قبل أ ...
- فيضانات فرنسا: ثلاث مقاطعات في الغرب لا تزال في حالة تأهب قص ...
- من سوريا إلى العراق وإيران: الأكراد.. أحلام معلقة بين الحدود ...
- وحيدون في الكون.. هل تأكّد وجود الكائنات الفضائية بعد تصريحا ...


المزيد.....

- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ادهم ابراهيم - عن أي سيادة يتحدّثون في العراق