سامي المالح
الحوار المتمدن-العدد: 8623 - 2026 / 2 / 19 - 16:16
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
البيان الذي صاغه الرئيس الامريكي جيمس مونروعام 1823، اي قبل مائتي عام، والذي عرف بمبدأ او عقيدة مونرو، كان بمثابة صياغة استراتيجية للسياسة الخارجية الامريكية، تستجيب لمتطلبات مرحلة كانت فيها اوربا القوية والمفتوحة الشهية تسعى للتوسع واستعمار المزيد من البلدان، بما فيها بلدان امريكا الجنوبية القريبة من الولايات المتحدة الامريكية. كان البيان أعلانا لعدم السماح لأوربا لإستعمار بلدان جديدة من جهة، والى عدم قبول اي توسع للمستعمرات القائمة في حدودها. واستكمالا لذلك، تشجيع ودعم حق تقرير المصير واستقلال كل دول نصف الكرة الغربي.
كان مبدأ مونرو، خارطة طريق وسعيا استراتيجيا الى تغيير موازين القوى، والى خلق مناخ جديد في العلاقات الدولية يسمح للولايات المتحدة الامريكية الصاعدة، ان تتطور وتبرز كدولة قوية في مواجهة سيادة اوربا وتفوقها وتوسعها.
في اتون حربين كونيتين، وفي عملية اعادة توزيع المصالح والنفوذ، خسرت اوربا الملايين من الناس، أنفقت ثروات هائلة وحصدت نتائج مخيبة؛ تشتت القارة، صعود نزعة الدولة القومية او الوطنية، اقتصاد متدهور وأمن هش. وفي النهاية تبعية للولايات المتحدة الامريكية في مواجهة ولادة الاتحاد السوفيتي، وبعدها خروجه منتصرا على الفاشية ونشوء مجموعة من الدول الأشتراكية الحليفة التابعة في غرب أوربا، وبروزه كقطب منافس قوي بسلاحه النووي وامتداداته في آسيا وافريقيا والشرق الاوسط وامريكا اللاتينية.
قادت الولايات المتحدة الامريكية ما سمي بالعالم الحر من خلال حلف الناتو، لأربعة عقود من الحرب الباردة. في هذه الحرب بقيت أوربا حليفا ثابتا معتمدا على الولايات المتحدة الامريكية، وليس شريكا حقيقيا. وبإستثناء حكومة الملالي في طهران التي سببت بعض الصداع للولايات المتحدة، فانها تدخلت في شؤون العديد من البلدان وغيرت الانظمة وفرضت مصالحها، سواء بالدبلوماسية والتهديد الناعم، او بالتدخل العسكري المباشر، كما جرى في العراق.
كان انهيار الأتحاد السوفيتي في بداية التسعينات، بداية عهد جديد لسيادة امريكا ولتعزيز دورها في قيادة حلف الناتو والعلاقات الدولية وتوسيع مصالحها، دون الكثير من مقاومة او منافسة واقعية.
في العقدين الأخيرين، برزت الصين كأقتصاد صاعد بوتائر غير مسبوقة. فباتت قوة حاضرة دوليا، من خلال توسيع علاقاتها التجارية، من خلال التقدم التكنولوجي النوعي، ومن خلال سياسة حكيمة متوازنة لتحيق مصالح مشتركة مع الكثير من البلدان. سياسة تستند على مباديء ثلاثة معلنة؛ التعاون والتحدي والتنافس. كل ذلك في إطار نجاحات تجربة ساسية اقتصادية اجتماعية جديدة، تجربة الصين المنفردة؛ قيادة حزب شيوعي هدفه الاشتراكية، يعزز التطور والتقدم في كل المجالات، الاقتصادية والتكنولوجية والابتكار والابداع بالأستفادة من بناء وتأسيس الشركات وتطوير الرأسمال واقتصاد السوق، ليكمل أقتصاد الدولة او القطاع العام كما تعودنا ان نطلق عليه.
الولايات المتحدة الامريكية، في العقدين الاخيرين، وهي تراقب تطور الصين وتوسع مصالحها بدون ضجة وإثارة، ترى فيها منافس غير مرغوب فيه. الإدارات المتعاقبة في واشنطن لم تخفي قلقها، ولم تعد تتردد في وصف الصين بمنافس خطر، بل و بالعدو الاول. أنعكس ذلك في ما قامت به الإدارات من الاجراءات العملية وتبني سياسات عامة وسياسية واقتصادية تهدف الى عرقلة تطور وتقدم الصين. غير انه وكما تبين للجميع، ان تلك الاجراءات والسياسات لم تحقق نتائج ملموسة معتبرة.
الرئيس ترامب بادر في ولايته الاولى، اضافة الى تأجيج مشكلة تايوان ودفع الصين الى سباق تسلح و وفرض توتر سياسي، لجأ الى إشعال حرب تجارية اقتصادية ضد الصين. وفي ذات الوقت، جرى الضغط بأقصى درجاته على اوربا ودول الشرق الاوسط وامريكا الجنوبية وأفريقيا، لوضع حد لعلاقاتها وتعاونها مع الصين. هذا الضغط رغم انه حقق بعض النتائج هنا وهناك، إلا انها لم تكن نتائج مرضية.
ما هي الخطوات التي تتبعها الولايات المتحدة الأمريكية، وإدارة ترامب في ولايته الثانية والاخيرة؟
للجواب على هذا السؤال، من الهام تفكيك تجربة ترامب في مجال الاعمال والتجارة وعقد الصفقات المربحة، وفي ذات الوقت، لابد من الغوص في وتحليل دقيق لخطابات وتصريحات وتقلبات وتخبطات ترامب التي تعكس وتجسد رؤيته للعالم وسياساته العملية. يمكن هنا تسجيل النقاط التالية التي تشكل منطلقات تحدد الخطوط العريضة لرؤية ترامب للعالم ولدور الولايات المتحدة الامريكية ولحلفائها ومنافسيها، والتي بمجملها تشكل الاساس لأستراتيجية يمكن تلمس ملامحها، وان بصوبة وجهد:
اولا- على المستوى الفكري، او العقائدي ان جاز التعبير:
يعتبر ترامب ومن يمثله من الاحتكارات المتحكمة، ان اليسار الراديكالي المتعصب، داخل امريكا، الذي يبرز وينمو، سواء في صفوف الديمقراطيين، او بين الاحتجاجات والحركات المدنية والشعبية في المجتمع الامريكي، هو خطر على الامن القومي الامريكي والامن الاجتماعي ومصالح الشركات ونفوذها وتحكمها بمصير الملايين من العمال وشغيلة الفكر والتكنولوجيا والموظفين والطلاب والطبقات الوسطى. وفي هذا السياق يمكن تصنيف تضييق ترامب على الصحافة الحرة ومحاولة تطويعها، أضافة الى استخدامه كل الوسائل بما فيها القوات المسلحة لقمع ومواجهة التحركات المدنية المسالمة.
كذلك الامر خارج امريكا، في اوربا التي لايزال للفكر الاشتراكي الديمقراطي مكانة متميزة، وفي بلدان امريكا الجنوبية وآسيا وافريقيا حيث تلعب التيارات اليسارية الجماهيرية دورا محسوسا. لذلك نجد، ان ثمة تحول واضح من الحديث عن والدفاع عن القيم الديمقراطية والحرية وحقوق الانسان، الى تشجيع مستمر لصعود الاسلام السياسي وإخضاعه تحت الهيمنة الامريكية، المحافظة على الدكتاتوريات التابعة وتشجيع ومساعدة صعود اليمين والتيارات القومية المتطرفة وتقوية سلطاتها في دول ذات مركزية خاضعة للهيمنة الامريكية. أن تخلي امريكا عن مساندتها للامم المتحدة وانهاء التزاماتها في العديد من النشاطات الفعاليات الدولية واتفاقات حول البيئة والتغيير الحراري، هي تجسيد لموقف فكري عقائدي.
ثانيا- السيطرة التامة على النصف الغربي من الكرة الارضية، من خلال:
- اخضاع الدول التي تسعى الى الاستقلالية الاقتصادية والتعامل والتعاون مع الصين وغيرها من الدول الاخرى كروسيا والهند.
- السيطرة على موارد الطاقة، النفط والغاز الطبيعي والمياه.
- السيطرة على عمليات البحث واستخراج واستخدام المعادن الثمينة والاساسية في تطوير الصناعات الالكترونية وتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي.
- التركيز عسكريا على المناطق الساخنة المحيطة بدول النصف الغربي وقطع الطريق، بالقوة من خلال التواجد العسكري المكثف والنوعي، على امتداد الصين وتوسعها ووصولها الى تلك المناطق.
- تقليل الاهتمام بأوربا الحليفة، وتقليص التكاليف الباهضة لحمايتها وتوفير التفوق العسكري الذي لا يدر على امريكا ما تشتهيه وما يتناسب مع الاستثمارات والانفاق وسعر الكلفة.
- التدخل في شؤون الدول ذات الاوضاع الرخوة وتحريك حلفائها وخلط الاوراق وفرض حروب موضعية، لضمان الحصول على اكبر مايمكن من المنافع والمصالح والنفوذ. كما جرى في العراق وسوريا وايران وتركيا وفنزويلا واليمن والسودان ...الخ.
ثالثا- التفوق العسكري
ترامب من خلال تغيير اسم وزارة الدفاع الى وزارة الحرب، أعلن عن صياغة استراتيجية عسكرية جديدة. تحقيق تفوق عسكري لإبقاء امريكا عضمية مؤهلة لقيادة العالم، وذلك من خلال المزيد من الاستثمار وتوظيف الذكاء الصناعي والانفاق الغير مسبوق في مجالات الامن وتطوير التكنولوجيا وصناعة اسلحة نوعية جديدة ذاتية التحكم. انفاق الولايات المتحدة الذي يشكل 37% من اجمالي الانفاق العسكري في جميع انحاء العالم، بلغ لعام 2025 حسب موقع sphericalinsights.com حوالي 886 مليادر دولار.
رابعا- سياسة اقتصادية بعقلية تجارية
داخليا: تقليل النفقات في كل القطاعات والجهاز الاداري للدولة، تطوير قطاع الطاقة وصناعة الاسلحة والتكنولوجيا المتفوقة، التدخل في شؤون البنك المركزي الامريكي وتحديد نسبة الفوائد والضرائب، الغاء قانون الرعاية الصحية ومواجهة اي توجه لتعزيز دور العمال والشغيلة والموظفين وتنظيم صفوفهم والحصول على الحقوق والمزايا وحصة اكبر من الارباح الهائلة التي تجنيها الشركات الكبيرة.
خارجيا: اجبار الدول والحكومات التابعة والتي تحميها الاتفاقات والقواعد الامريكة، لدفع فاتورة تتناسب مع حجم الاستثمار، كما يعبر عنه ترامب. فرض سياسات اقتصادية موجهة تخدم الاستثمارات الامريكية وتمنع التعاون وتوسيع الاستثمارات المنافسة. الضغط لابقاء الدولار العملة المتحكمة بالاقتصاد العالمي وإجهاض كل المحاولات لفرض بديل عنه. التهديد المستمر بفرض رسوم كمركية عالية على كل الدول التي تسعى لتعزيز مصالحها وخلق توازن وتعاون وتنافس من اجل المصالح المشتركة.
إدارة ترامب، رغم اعلانها بأنها تفعل كل ما هو ممكن لإعاقة تطور الصين وقبولها كمنافس على الساحة الدولية تهدد مصالحها وموقعها، فهي تحاول، كما يبدوا، تأجيل الصدام المباشر وتبني خطاب مرن في هذه المرحلة، لحين إكمال السيطرة على النصف الغربي وقطع كل الطرق وفرض التحالفات والاتفاقات التي تحدد توسع رقعة علاقات ومصالح الصين.
ان الموقف من الحرب الروسية الاوكرانية وابقاء علاقات طبيعية، ان لم نقل ايجابية، مع بوتين، هي جزء من استراتيجية ترامب. اذ لابد من اجل عدم دفع روسيا بإتجاه الصين، إغرائها بتحقيق مصالحها المقبولة في معادلة تحقيق المصالح المشتركة.
عند التكهن بنتائج سياسات ترامب، ثمة أسئلة ملحة تطرح نفسها:
هل ستكبح سياسات ترامب نمو الحركات الجماهيرية المطالبة بالعدالة والأمن الاجتماعي وتحسين البيئة و المدافعة عن الديمقراطية وحرية الرأي والتعبير والحقوق المدنية؟ أم أنها ستؤدي الى العكس وتغذي انتشار وتعزيز التيارات الفكرية الاقرب الى الفكر الاشتراكي الديمقراطي؟
هل سيتفرج العالم ويقف مكتوف الايدي مستسلما لسياسات ترامب؟
هل ستقبل اوربا ان تبقى تابعة، وتتخلى عن مصالحها وسيادتها وامنها وتحمل اهانات وتمادي ترامب؟
هل يمكن لسياسات ترامب ان توقف التعاون والمصالح المتنامية بين الكتلتين الكبيرتين الصين والهند؟ وهل ستعيقها عن التعاون مع اوربا وآسيا وافريقيا؟
هل ستواصل الصين نجاحاتها وتطوير اقتصادها وإمكاناتها التكنولوجية من دون مشاكل وتعقيدات داخلية؛ ابقاء تحكم سلطة الحزب الواحد، التوازن بين الاهداف الاشتراكية وضمان الديمقراطية وحقوق الانسان، ومعالجة وضع تايوان من دون التورط بحرب استنزافية؟
#سامي_المالح (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟