أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد الرحيم العلاوي - حدث تافه جدا














المزيد.....

حدث تافه جدا


عبد الرحيم العلاوي

الحوار المتمدن-العدد: 8618 - 2026 / 2 / 14 - 08:57
المحور: الادب والفن
    


قال فوزي: لقد غادرتني الحياة منذ زمن، وقلبي كأنه يترقب توقف نبضه، فكيف يحس قلب بلذة العيش وهو في حال الترقب، لن تجد فرحا بداخلي، ومن يعيش التعاسة لا يمنح السعادة.
وجْهُ رامي استبد به الحزن، ووجد العبوس فيه مستقرا، ترى اليأس في نظراته المتثاقلة، وصمته المطبق، ومع ذلك قال بمشقة : الحزين يُسْعد الحزين، ففيه تسلية لهما، لعلني أجد حزنك أعظم، وتجد حزني أعظم، فتفرح بحزنك، وأفرح بحزني.
ـ فأين طريق السعادة، وكيف يمكن تحقيقها، لقد طفت من قبل على كل شيء فما لقيتها أو صادفتها، حتى أحسست بالضياع.
تململ رامي ببطئ مستحضرا أيامه العصيبة، ليست كل الأيام، إنما بعضها، لكنها على قلتها استحوذت على خاطره وفكره، قال بعدما تنهد، وارتخى على الكرسي: ليكن في علمك لا أحد سعيد، وإن أردت أنا أيضا أو أنت أن نبدو سعداء لفعلنا، أليس كذلك؟
شد فوزي شفتيه، وشرد ذهنه لبرهة، كأنه يستجدي من الذاكرة فرحا مر به، ولما اتسعت الغمامة السوداء في عقله، أرخى شفتيه، وقال: لا ليس كذلك، فحتى أن أبدو سعيدا ولو تمثيلا لا أجيده.
ـ ولا أنا، صدقا هذا هو الحال.
ـ فكيف حكمت على أن السعداء ليسوا سعداء، وكما ترى حتى مظهر السعادة لم نستطع التظاهر به؟
ـ هكذا يُخيل إلي، كأنهم يرسمونها، يجيدون صُنعها، أما بداخلهم فالخراب تعشش فيه العناكب.
وضع فوزي مرفقه على الطاولة، ثم أسقط خده على يده بعدما قبض راحتها، وصدر حزينا قوله: أفٍّ، أيمكننا أن نسأل الناس، ولو أنني أرى الجالسين مثلنا، أو لربما أكثر، أما تساءلت يوما لم نقصد هذا المكان بالذات؟
قلد رامي وضعية فوزي، وقال: حين ألتقيك أصير أنا وأنت كالحديد، يجذبنا هذا المغناطيس العظيم راغمين، ألا انفكاك يا صاح، أم أن هنا المستراح؟
ـ هذه الموسيقى الحزينة، وهذه اللوحات القبيحة، والستائر الداكنة، والجو الكئيب، أتدري لم! لأننا تعساء، والتعيس لا راحة له إلا فيما يزيد تعاسته، حتى ما أقرأ من كتب كلها تقوي صلابة ما يستبدني، أتدري ما فعلت بكتاب يدعو للبحث في الذات عن السعادة الكامنة فيها، لقد مزقته تمزيقا، وحرقته، وما دريت كيف سولت لي نفسي قراءته.
ثم شرد ليقول: لقد أغاظتني عبارة يدعي فيها أن الحزين هو من يحزن نفسه، لقد شعرت أنه يتهمني بأنني أنا المسؤول عن حالي هذا، تبا له من كاتب، وبئس ما كتب.
ـ دعك منه ومن أمثاله، يسهل دوما التنظير، ولو كتبتَ أو كتبتُ لملأنا أوراقا بيضاء عن السعادة، وطريقها، وعن أهلها وأصحابها، ولاستدعينا من مضوا في التاريخ، واستشرفنا من سيأتون، إني أريد مصادفة من يمد يده إلى فمي، ثم يباعد بين شفتي، من يخلصِّ فكري وروحي مما يقعدني عن البحث عنها.
نظر رامي لفوزي متسائلا بعدما مر بجانبهما صاحب المطعم:
ـ صاحب هذا المطعم هل هو مثلنا؟ أراه أيضا على الدوام مكظوما.
ـ هو حزين مع الحزين، فرح مع الفرح، لا يمكن أن يقصده أمثالنا، ويصيرون زبائن دائمين، ويظهر سعادته أمامهم، أما تراه ينعزل في ذاك المكان المستور، إنه يروح عن نفسه فيه.
ـ قد تكون مصيبا، إني أتخيله يتقافز ويرقص، ثم يعود لإبداء الحزن من جديد.
ما أحسا بدنو قطة متسللة في حذر، لتقفز على طاولتهما، فزعا ليقوما، اصفر وجهها من الهلع، ونبض قلبيهما يسمعانه ولولة.
تناولت قطعة جبن، وفرت هاربة بعدما قدم النادل وفي يده مكنسة، لكنه ما أدركها.
أبدى اعتذاره، لكن بمجرد رؤيتهما لبعضهما البعض، افتر ثغرهما عن ابتسامة حاولا حبسها، ثم ضحكا فحاولا كبْته، فعادت نبضات قلبهما لطبيعتها، قهقها وما تمالكا نفسيهما.
ـ أرأيت كيف قفزت القطة، ولم تخف منا!
ـ نعم، لقد خطفت الجبنة بأسلوب قل نظيره، كانت رشيقة.
ـ وحين اقترب النادل منها أحست باقترابه، هاه، هاه، هاه، كأنها تحترف السرقة.
وضربا كف بعضهما.
ضحكا من فعلها وردة فعلهما، حتى ظنوهما مجانين.
ـ لقد نظرت إلينا نظرة خفية خاطفة، أعجبني تخطيطها جدا.
وقال فوزي ولا زالت أسنانه بارزة من الضحك، معترفا بما سببته من خوف:
ـ كدت أحمل السكين لأطعنها، حتى تأكد نظري أنها قطة.

طلب منهما صاحب المطعم بأدب المغادرة، لأن صوتهما أزعج الرواد، وضحكهما المتواصل استفز لابسي السواد.
ما تأسفا، بل ظلا فرحين، وحملا معهما ما تبقى من الجبن، ولما خرجا بحثا عن القطة في كل ركن من الشارع، أسرعا في مشيهما، ركضا، يصلان إلى ٱخر الشارع ويعودان، ينتقلان من زقاق إلى زقاق، ومن شارع لشارع، بل ويسألان المارة هل صادفوا قططا، ولا زالت ضحكاتهما تثير شكوك من رٱهما.



#عبد_الرحيم_العلاوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العبور الأخير
- شمس ليلية
- ليست مجرد مزهرية
- رسالة سفلية
- النمرود
- مجازر المدينة
- أسطورة الداما
- ورقة جموح
- العملة واحدة
- فرصة العمر
- نائم ومستيقظ
- مفارقات
- في عيد الحب.. وما الحب؟
- البغل
- نهيق


المزيد.....




- التجمُّع الدولي لاتحادات الكتّاب يكرّم الشاعر مراد السوداني ...
- سوريا.. فيديو خادمة هدى شعراوي تعيد تمثيل كيف قتلت الفنانة ع ...
- فيديو.. قاتلة الفنانة هدى شعراوي تمثل الجريمة
- سطو -سينمائي- على محل مجوهرات تركي باستخدام رافعة وحمار
- الجمعية العلمية للفنون تفتح باب التسجيل على ورشة سينمائية في ...
- بسبب أزمة التأشيرات.. انسحاب الفيلم السوداني -كرت أزرق- من - ...
- شربل داغر: الشاعر يطرق بمطرقته الخاصة ليقدح زناد اللغة
- وزير الخارجية السعودي يلتقي الممثل السامي لمجلس السلام في قط ...
- فيلم -ساعي البريد-.. البوابة السرية لتجنيد الجواسيس
- كرنفال ألمانيا يتحدى الرقابة ـ قصة فنان يُرعب زعيم الكرملين! ...


المزيد.....

- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد الرحيم العلاوي - حدث تافه جدا