أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - هاني الروسان - بين تغيير النظام وضبط سلوكه: التداعيات الجيوسياسية المحتملة للتحشيد العسكري الأمريكي















المزيد.....

بين تغيير النظام وضبط سلوكه: التداعيات الجيوسياسية المحتملة للتحشيد العسكري الأمريكي


هاني الروسان
استاذ جامعي مختص بالجيوبوليتيك والاعلم في جامعة منوبة ودبلوماسي

(Hani Alroussen)


الحوار المتمدن-العدد: 8608 - 2026 / 2 / 4 - 10:01
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


يبدو أنه صار من الضروري في خضم هذا الضجيج الإعلامي حول طبيعة التحشدات العسكرية الأمريكية والاختلاف في التوقعات التي ستتمخض عنها، أن نميز بين مفهومي الحرب الشاملة وبين عملية وإعادة تشكيل مناطق النفوذ ولو عبر عمل عسكري، حيث الأهداف في هاتين الحالتين مختلفتان اختلافاً جذرياً. ففيما تسعى الحرب وعبر الاستخدام واسع النطاق لمفهوم القوة إلى تغيير كلي للواقع القائم، فإن العمل العسكري المحدود يسعى لإعادة ضبط قواعد السلوك. وفي هذا السياق تحديداً، فإن تخارجاً كبيراً يبرز بين الأهداف الإسرائيلية من وراء أي عمل عسكري ضد إيران، وبين الأهداف الأمريكية.
والحقيقة ان هذا التخارج ليس مجرد خلاف تكتيكي على حجم الضربة، بل هو صدام بين استراتيجيتين للوجود؛ فإسرائيل التي استشعرت مبكراً انسداد أفق "اتفاقات إبراهيم" وارتطامها بصلابة الرفض الشعبي العربي الذي حال دون تحويل التطبيع إلى "تحالف بنيوي"، باتت ترى في إسقاط النظام الإيراني مخرجاً اضطرارياً لبعث "عقيدة المحيط" من مرقدها واعادة تطويق مناطق الجوار. بمعنى انها محاولة اسرائيلية للالتفاف على العقم الاستراتيجي في المحيط العربي من ناحية، واستئناف رؤيتها لاسرائيل الكبرى، عبر استعادة إيران كـ "حليف عضوي" غير عربي، يمتلك مقومات الدولة القومية والكتلة الحيوية القادرة على مقاسمتها الهيمنة، بما يضمن تهميش "المركز العربي" وتحويل جيوغرافيته إلى مجرد مسرح خلفي وممرات لوجستية تخدم محور (تل أبيب-طهران) الجديد.
بالمقابل، تقف واشنطن أمام معضلة ما يمكن تسميته ب"الانتصار الانتحاري"؛ إذ تدرك أن الاستجابة للرغبة الإسرائيلية في "تغيير النظام" ستؤدي فوراً إلى تصفية "الوظيفة السياسية" للنظم العربية التي استمدت لعقود شرعيتها الدولية من كونها "رأس حربة" ضد التمدد الإيراني، فتلاشي "الخطر الإيراني" يعني بالضرورة تفكيك حلقة "التبعية الأمنية" التي تضمن لواشنطن السيادة على الخليج، وهو ما يفسر الحذر الأمريكي الشديد من الانزلاق وراء الطموح الإسرائيلي الذي يريد حرق المراحل. وما يعزز هذا الحذر هو الرصد الدقيق للحراك الإقليمي المضاد الذي بدأت تتبلور ملامحه فيما يمكن تسميته بـ "الدرع الجيوسياسي العربي-الإقليمي"؛ حيث لم تعد الرياض والقاهرة وأنقرة تكتفي بموقف المتفرج، بل انتقلت لمرحلة "الهجوم الدبلوماسي الاستباقي" عبر ديناميكية بكين، التي أسست لتقارب سعودي-إيراني يهدف بالدرجة الأولى لسحب ورقة "الحرب الشاملة" من يد تل أبيب.
هذا الحراك الإقليمي، الذي يمتد لينسج خيوطاً مع باكستان وتركيا، يرسل إشارة واضحة لواشنطن بأن أي محاولة لإعادة صياغة المنطقة عبر بوابة "تحالف المحيط" الإسرائيلي-الإيراني ستدفع هذه القوى دفعاً غريزياً نحو المحور الأوراسي (الصين وروسيا). فالعواصم العربية تدرك أن "اليتيم الجيوسياسي" الذي سينتج عن سقوط طهران في حضن إسرائيل سيعني نهايتها كلاعبين إقليميين، وهو ما يجعل معه الارتماء العربي في أحضان بكين -الضامن لاتفاق الاستقرار الإقليمي- خياراً وجودياً لا مناورة تكتيكية. ويبدو ان تردد واشنطن في حسم الورقة العسكرية ليس مرده الخشية من قوة النظام الإيراني الحالي بقدر ما تخشى "الفراغ" الذي سيتركه غيابه، والذي سيملأه النفوذ الصيني والروسي حتماً عبر استقطاب الوحدات العربية المذعورة من "كماشة" (إسرائيل-إيران الجديدة).
ولفهم عمق هذا التخارج، لا بد من الغوص في طبقاته التاريخية والاستراتيجية. فـ"عقيدة المحيط" الإسرائيلية ليست ردّة فعل حديثة، بل هي استراتيجية متجذرة تعود إلى خمسينيات القرن الماضي، حين سعت تل أبيب لتطويق العالم العربي عبر تحالفات مع إيران الشاه وتركيا وإثيوبيا. ومحاولة "استعادة" إيران اليوم لهذه الاستراتيجية هي حنين لماضٍ استراتيجي يُتجاهل أن إيران أصبحت كياناً أيديولوجياً معقداً لا يمكن اختزاله إلى تابع جيوسياسي، وأن محاولة إسقاط نظامها قد تفتح باب فوضى تجعل من سقوط بغداد 2003 نموذجاً مصغراً عن الكارثة المتوقعة. هذا هو جوهر "الانتصار الانتحاري" الذي تدركه واشنطن: فالإطاحة بصدام حسين، رغم تحقيق الهدف التكتيكي المعلن عنه حينها، الا انها هيأت الأرضية لصعود نفوذ إيران الإقليمي وأنهكت القوة الأمريكية في مستنقع الاستزاف في آسيا الوسطى، وهو سيناريو ترفض البنتاغون تكراره مع قوة بحجم وتماسك إيران.
كما أن تطور "الدرع الجيوسياسي العربي-الإقليمي" ليس مجرد رد فعل عاطفي، بل هو تحول بنيوي تُظهره وقائع ملموسة. فالتطبيع السعودي-الإيراني برعاية صينية عام 2023 يمثل إعادة تعريف جذرية لمصالح الرياض، حيث انتقلت من خطاب "المواجهة والمجابهة" إلى "الاحتواء والتعايش"، بل والشراكة الاقتصادية والأمنية المحتملة تحت مظلة منظمات مثل "شانغهاي للتعاون". وهذا التحول لم يعد سعودياً فحسب، بل أصبح حتى إماراتياً عبر بوابة الاستثمارات المشتركة مع طهران، ومصرياً عبر التنسيق الأمني في البحر الأحمر، وتركياً عبر الدبلوماسية الاقتصادية النشطة مع جميع أطراف الأزمة، وباكستان، بدورها، تضيف بُعداً نووياً وإسلامياً وقدرات عسكرية هائلة لهذا المحور، مما يحول دون تحقيق احلام اسرائيل بالهيمنة على المنطقة عسكرياً أو إخضاعها.
على المستوى النظري، يمكن فهم هذا التخارج عبر مفهومين مركزيين: الأول هو نظرية "العدو المناسب" أو الضروري. فإيران، في الاستراتيجية الأمريكية، هي عدو "محتوى" و"مُدار" يبرر الوجود العسكري الضخم في الخليج، ويحافظ على تدفق صفقات الأسلحة، ويجعل من واشنطن الحَكَم والحامي الذي لا غنى عنه، واختفاء هذا العدو يُفقد الولايات المتحدة ورقتها الأقوى في التفاوض مع حلفائها وخصومها على حد سواء. والثاني هو مفهوم "عدم الاستقرار المُدار" الذي ترفض إسرائيل قيوده. فبينما تريد أمريكا إبقاء المنطقة في حالة من التوتر الكافي لضمان تبعيتها، ولكن دون انفجار كامل يجرها لحرب مفتوحة، تريد إسرائيل استغلال التفوق العسكري اللحظي لفرض واقع استراتيجي جديد نهائي، حتى لو أدى ذلك إلى زعزعة النظام الإقليمي برمته.
لذلك، يظل التحشيد الأمريكي الراهن محكوماً بمنطق "الردع الجراحي" الذي يستهدف تقليم أظافر طهران وضبط سلوكها دون اقتلاع نظامها، لتظل إيران "عدواً محتوًى" يبقي العرب تحت الوصاية الأمنية الأمريكية، وفي الوقت ذاته يمنع إسرائيل من التغول الاستراتيجي الذي قد ينهي الحاجة للمظلة الأمريكية في الإقليم. إنه تخارج، تصر فيه إسرائيل على "تغيير الواقع" للهروب من فشل اندماجها العربي، بينما تصر أمريكا على "إعادة ضبط السلوك" الايراني للحفاظ على توازن القوى الذي يضمن بقاءها القطب الأوحد، وسط ترقب إقليمي يدرك أن أي خطأ في الحسابات قد يحول الجغرافيا العربية إلى مائدة لتقاسم نفوذ قادم السيادة فيه للقوى غير العربية تحت رعاية دولية قد لا تكون أمريكية هذه المرة. فالخطر الأكبر على واشنطن ليس في فشل الضربة العسكرية، بل في نجاحها الشيطاني الذي قد يدفع "الدرع العربي-الإقليمي" إلى الانصهار الكامل في المحور الأوراسي، ليُختَم العهد الأمريكي في الشرق الأوسط ليس بانهيار، بل بانسحاب سلس لقوى إقليمية وجدت في بكين وروسيا ضامنين لاستقرار لم تجده تحت المظلة الواقية التي تحولت إلى مظلة خانقة.
هاني الروسان/ استاذ الاعلام والجسوبوليتيك في جامعة منوبة



#هاني_الروسان (هاشتاغ)       Hani_Alroussen#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- زيارة بلا ضجيج: هل حاول ابو مازن إفشال مشروع التجاوز الأمريك ...
- الامن القومي السعودي: إعادة ترتيب مصادر التهديد وبناء تحالفا ...
- ترامب الذي يفكك هياكل النظام الدولي: هل يصنع شروط حرب لا يري ...
- بعد اختطاف مادورو: التآكل الصامت للدور النفطي السعودي
- الاعتراف الاسرائيلي بصومالي لاند: إعادة هندسة لمفهوم الأمن ا ...
- الأكاديمي والبحث عن السلطة: صراع الضمير مع انتهازية الهوى
- الرهان الاوروبي على الصبر الاوكراني قد لا يجني الا السراب
- المناصفة الاستراتيجية: كيف تصوغ القوى الإقليمية النظام الدول ...
- معادلة التصعيد الإسرائيلي في الضفة الغربية: الاحتواء النشط و ...
- استمرار الانكشاف الأمني ل -حزب الله ودلالاته على جاهزيته الق ...
- قمة بن سلمان ترامب الاحتمالات الاكثر ترجيحا
- عندما تتغيّر سوريا... هل يتغيّر الشرق الأوسط
- الدور التركي في الترتيبات الامريكية لما بعد الحرب على غزة
- السلام الامريكي للشرق الاوسط في معادلة الصراع على الهيمنة
- بعد مرور عامين على حرب الابادة في غزة: ماذا بقي من النظام ال ...
- اذا رغبت السعودية استطاعت
- الفيتو الامريكي السادس: واقعية القوة واعادة انتاج الهيمنة
- بيان قمة الدوحة: الادانة الشديدة وانعدام الاليات
- قطر بين صدمة الواقع والرهان على الوهم
- صدقية الاعتراف بالدولة الفلسطينية رهين بحماية السلطة ووقف حر ...


المزيد.....




- شاهد.. ريتشارد كويست يجرب تناول الطعام بيده في أنغولا
- تحقيق CNN يكشف أسلحة أمريكية الصنع بأيدي جيل جديد من -الجهاد ...
- روما تفرض على السياح دفع 2 يورو لرمي عملات معدنية في نافورة ...
- أحوال ومطالب موظفي الضرائب
- مع إعادة فتح معبر رفح: عودة عدد محدود من الفلسطينيين إلى غزة ...
- قبل المحادثات مع إيران: مطالب إسرائيلية في حقيبة ويتكوف.. وش ...
- -شيخ جاسوس- حاضر بقوة وراء صفقة بيع رقائق الذكاء الاصطناعي ا ...
- لماذا تفضل إيران التفاوض مع الولايات المتحدة في سلطنة عمان ب ...
- -أكبر خطوبة في صنعاء- تنتهي بحجز المرور لسيارة العروس
- الحجر الذي كاد يقتل الإسكندر الأكبر في أفغانستان


المزيد.....

- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - هاني الروسان - بين تغيير النظام وضبط سلوكه: التداعيات الجيوسياسية المحتملة للتحشيد العسكري الأمريكي