سعد الكناني
كاتب سياسي
(Saad Al-kinani)
الحوار المتمدن-العدد: 8605 - 2026 / 2 / 1 - 22:41
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
لم يعد سؤال «ماذا تبقّى من مفهوم الدولة في العراق؟» سؤالاً إنشائياً أو خطابياً، بل بات توصيفاً دقيقاً لحالة الانهيار البنيوي التي أصابت الدولة العراقية، بعد أكثر من عقدين على التغيير السياسي، وفي ظل هيمنة منظومة طائفية–ميليشياوية تعمل خارج منطق الدولة.
فالدولة، وفق المفهوم السياسي الحديث، تقوم على ثلاث مرتكزات أساسية: السيادة، واحتكار السلاح، وسيادة القانون. وإذا ما أسقطنا هذه المعايير على الواقع العراقي اليوم، فإن النتيجة واحدة: ما تبقّى هو هيكل إداري بلا روح دولة، وسلطة بلا سيادة، ومؤسسات تُدار من خارجها لا من داخلها.
لقد جرى تفريغ الدولة العراقية من مضمونها الوطني، واستُبدل مفهوم المواطنة بمنطق الطائفة، وتحولت الأحزاب من أدوات تداول سياسي إلى كيانات مغلقة، تمتلك أجنحة مسلحة وتعمل وفق مصالح خارجية. وفي هذا السياق، لم تعد الحكومة تعبّر عن إرادة المجتمع، بل عن توازنات الإطار التنسيقي، الذي يشكّل الواجهة السياسية لنفوذ إيراني منظم داخل القرار العراقي.
أما الميليشيات، فقد انتقلت من حالة “الاستثناء الأمني” إلى مكوّن بنيوي موازٍ للدولة، ينازعها السلاح والقرار والشرعية. وهنا لم يعد السؤال: لماذا ضعفت الدولة؟ بل: كيف سُمح ببقاء هذا الوضع دون إعلان وفاة الدولة رسمياً؟.
إن أخطر ما في المشهد العراقي الحالي ليس الفساد وحده، ولا الفشل الإداري، بل تطبيع اللادولة، أي تحويل غياب الدولة إلى أمر اعتيادي، والتعايش مع سلاح خارج القانون، وولاءات عابرة للحدود، وقرارات استراتيجية تُتخذ في غير بغداد.
وفي ظل هذا الواقع، يصبح الحديث عن الانتخابات، أو تداول السلطة، أو الإصلاح، مجرد إجراءات شكلية، ما دامت قواعد اللعبة السياسية نفسها قائمة على المحاصصة والطائفية، وما دام القرار السيادي مرتهناً لإرادة خارجية، لا ترى في العراق دولة، بل ساحة نفوذ.
إن إصرار بعض رموز السلطة، وفي مقدمتهم السيد نوري المالكي، على العودة إلى واجهة الحكم، رغم سجلّ الفشل والانهيار، لا يمكن فصله عن هذا السياق. فهو إصرار لا يستند إلى مشروع دولة، بل إلى وظيفة سياسية معروفة: حماية منظومة النفوذ والرموز، ولو على حساب ما تبقّى من العراق.
وعليه، فإن استعادة مفهوم الدولة في العراق لا يمكن أن تتم عبر تدوير الوجوه ذاتها، ولا عبر تسويات داخل المنظومة نفسها، بل تتطلب قطيعة سياسية وفكرية مع مشروع الطائفية السياسية، وتجريماً حقيقياً للسلاح خارج الدولة، وبناء سلطة مدنية وطنية، تفصل الدين عن السياسة، وتعيد الاعتبار للمواطنة لا للانتماء الطائفي.
ختاماً، إذا لم يُطرَح سؤال الدولة اليوم بجرأة، وإذا لم يُسمَّ النفوذ الخارجي والميليشيات بأسمائها، فإن ما تبقّى من مفهوم الدولة لن ينهار فجأة… بل سيتآكل بصمت، حتى يصبح العراق اسماً بلا دولة، وجغرافيا بلا سيادة.
#سعد_الكناني (هاشتاغ)
Saad_Al-kinani#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟