مصطفى محمد غريب
شاعر وكاتب
(Moustafa M. Gharib)
الحوار المتمدن-العدد: 8597 - 2026 / 1 / 24 - 02:05
المحور:
القومية , المسالة القومية , حقوق الاقليات و حق تقرير المصير
ان العقلية الشوفينية المتطرفة المعادية للحقوق مورست في منطقة الشرق الأوسط بامتياز من قبل الحكام والحكومات اللاديمقراطية والأحزاب القومية المتطرفة وقد عانت القومية الكردية الكثير من العداء والتهميش وما اشيع من تشويهات وطمس الحقيقة حول نسبهم وتاريخهم الشيء الكثير وفي مختلف المجالات، ومع ذلك نفرد مثال من اقوال عبد السلام عارف رئيس جمهورية العراق الأسبق وهو دليل ملموس للتشويه، صرح عارف حينذاك "أنَّ نَسبَ الأكراد يَعود إلى قيس (كُرد بن مرد بن عَمرو بن صعصعة بن مُعاوية «وكانت عبارة عن نكتة اضحكت الملايين، إلا انه نهج المتطرفين من القومية العربية او الفارسية والتركية (الطوران) والسورية وغيرهم، نهج بقى وما زال سائدا عند البعض وحتى العديد من الأحزاب الدينية الطائفية السياسية
ان التفحص في التاريخ حول القوميات في العالم سيقود الى الفهم الحقيقي لما أصاب القومية الكردية من غبن وإجحاف وهضم وبخاصة منطقة الشرق المتوسط ، وقد تعرض الكرد للتهميش وفقدان الحقوق المشروعة وعانوا الأمرين من اجل حقوقهم القومية المشروعة الثقافية والسياسية وفي إقامة دولتهم الخاصة بهم ( لن نعود الى اتفاقيات سيلفر وسايس بيكو واضرارهما الباقية لحد هذه اللحظة) للتأكيد حول الاجحاف وعدم المصداقية في تقسيم كردستان والكرد على عدة دول، هذا التقسيم المجحف بحق شعب عريق يبلغ حوالي اكثر من أربعين مليون كردي دون الالتفات لحقوقهم حيث اصبحوا مقسمين ومهاجرين ولاجئين في بلدان العالم بينما منهم موجودين في تركيا وايران والعراق وسوريا، إلا ان الوضع في إقليم كردستان يختلف عن ذلك الواقع المر وهضم الحقوق وهو يعود الى نضال الكرد العراقيين الطويل والتضحيات الجسام ومواقف الأحزاب الوطنية المناصرة للقضية الكردية وفي مقدمتهم الحزب الشيوعي العراقي، وبسبب النضال المشترك للقوى الوطنية والديمقراطية ونضال الكرد واحزابهم القومية الوطنية فقد نالت القومية الكردية على البعض من الحقوق في اتفاق الحكم الذاتي العراقي لعام 1970 ويعد ذلك انتصاراً للقضية الكردية على الرغم من تراجعات النظام البعثي والعمل على تفريغ الحكم الذاتي من محتواه وما اتفق عليه، لكنه بقى قائماً حتى احتلال العراق وسقوط نظام البعث فكان الاتفاق حسب الدستور العراقي الجديد حول الفيدرالية في العراق وقد نوقشت هذه القضية في مؤتمرات المعارضة العراقية منها اجتماع صلاح الدين عام 1992 ثم مؤتمر لندن عام 2002 ولقد ذكر ذلك في الدستور المؤقت 2004 ولا نريد الاطالة حول الخلافات وتراجع البعض من القوى الدينية الإسلامية والخلافات التي شبت حولها وحول المناطق المتنازع عليها وفي مقدمتها محافظة كركوك، لكن الحق يقال ان إقليم كردستان يتمتع بحقوق الفيدرالية ولديه برلمان وحكومة خاصة به، لكن للأسف الشديد النهج الطائفي البغيض والتطرف الشوفيني يحاول دائما الغاء المادة (140 ) الدستورية التي تؤكد حول الاستفتاء في كركوك والمناطق المختلف حولها والادعاء ان الفيدرالية تعني الانفصال عن العراق والهدف الحقيقي لهذه الادعاءات خلق الفتن وصولاً الى الصدام المسلح مع الإقليم لتمرير مشاريع معادية للعراق والاقليم معاً.
لم تكن أي قومية هدرت حقوقها ووجودها مثل القومية الكردية فليس من المعقول والانصاف والعدالة وحقوق الشعوب والاعلان العالمي لحقوق الانسان في ديباجته يؤكد " لما كان الاعتراف بالكرامة المتأصلة في جميع أعضاء الأسرة البشرية وبحقوقهم المتساوية الثابتة هو أساس الحرية والعدل والسلام في العالم. ولما كان تناسي حقوق الإنسان وازدراؤها قد أفضيا إلى أعمال همجية آذت الضمير الإنساني، وكان غاية ما يرنو إليه عامة البشر انبثاق عالم يتمتع فيه الفرد بحرية القول والعقيدة ويتحرر من الفزع والفاقة" ان حوالي 40 مليون كردي بدون دولة ومحرومين من أكثر حقوقهم الثقافية والسياسية .
ان النظرة السريعة على واقع الحال في إيران وتركيا يطلعنا على مدى الاستهتار والتجاوز على الحقوق المدنية والسياسية للكرد وقد كتب عن ذلك العديد من الدراسات والتحقيقات.
ففي ايران نجد ان الكرد يعيشون تحت طائل تداعيات ولي الفقيه الديني الشيعي حيث يحرم حقوق القوميات بدعوى الدين الإسلامي لا يعترف بالقوميات والاعراق لأنه دين جامع للحقوق وأي مساس به يعتبر خروج وكفر وزندقة واي مطالبة بالحقوق المشروعة ليس من قبل الكرد فحسب إنما من جميع القوميات والعرقيات يجابه بالقمع والملاحقة والاعتقال والتعذيب وحتى الإعدام، ان المحاولات المحمومة لتشوية وانكار الهوية السياسية والثقافية استمرت وتستمر في ايران، أما تركيا فتاريخ الاضطهاد والقمع وإلغاء الهوية وحتى ليس حظر اللغة الكردية فحسب بل اللباس والتراث وكثير من الأسماء وبقاء الاحكام العرفية لمدة طويلة واستعمال التنكيل والقتل البربري ضدهم وذكر التاريخ الكثير من المجازر راحت ضحيتها الآلاف من الكرد اما في تمرد ( أرارات) فقد قتل حسب المصادر ما بين " 5000 الى 48 الف كردي" وبقت الحكومات التركية لا تعترف بهم كقومية كردية و تسميهم " اتراك الجبل " في محاولة لطمس لمعاهدات الدولية التي تنص على حقوقهم الثقافية والسياسية حتى عندما وقع وانكار وجودهم ولم تتعامل الحكومات التركية معهم طوال سنين عديدة وفق القوانين والانقلاب العسكري عام 1980 تم حظر اللغة الكردية بشكل رسمي وظلت السياسة القمعية مستمرة لسنوات لاحقة ولم تستمع الحكومات التركية لما فيها حكومة اوردغان الى الكثير من المطالبات وما نشر من تقارير لمنظمات حقوق الانسان وفي مقدمتهم " هيومن رايتس ووتش" التي اكدت على الممارسات اللاإنسانية وخرق القوانين وعدم احترام اللوائح التي تنص على حقوق الانسان وحق تقرير المصير للشعوب المظلومة والقوميات المُضْطَهَدة وأشارت هيومن رايتس من خلال تقرير نشر في جميع وسائل الاعلام حول القمع التركي حتى خارج تركيا " ترصد أوضاع الكرد في كل دولة على حدة، ولا تتحدث عنهم في إطار عمليات القمع خارج الحدود التي باتت سمة السياسة التركية التي تواصل استهداف الكرد في ثلاثة دول في آن واحد، ما عنيَ أن الأدوار التركية في قمع الكرد باتت تتخطّى الحدود الإقليمية لحقوق الإنسان وجرائم حرب ترقى لاعتبارها حرب إبادة مشفوعة بصمت دولي مطبق" وهذه الإشارات حول استهداف الكرد قليلة جداً اذا ما اردنا إحصاء جميع الممارسات اللاإنسانية الشوفينية تجاه الكرد.
اما الأوضاع في سوريا فلم تكن احسن من غيرها فقد عانى الكرد من القمع والظلم وإلغاء الهوية القومية والكراهية الشوفينية والكثير من التجاوزات والمآسي خلال التاريخ الحديث وقيام الدولة السورية، وظلوا يعانون الأمرين من النظام السابق وقدموا تضحيات جسام من سجن واعتقال وتعذيب وتصفيات لمجرد المطالبة بالجنسية السورية التي حرم اكثريتهم منها او الاحتفال بعيدهم القومي " النيروز" كما شاركوا في النضال الوطني المشترك مع القوى الوطنية السورية والإسهاب في ذكر المصائب والكوارث يبعدنا عن الأوضاع المستجدة التي حدثت بعد هروب رئيس الجمهورية بشار الأسد وانتهاء حكم البعث فكان من المؤمل ان تكون الأوضاع الجديدة افضل وأحسن من السابق وتمنح الحقوق المشروعة ليس للكرد فحسب بل جميع المكونات السورية لكن ومع شديد للأسف اتبعت سياسة تقبل الأمر الواقع بالحجج نفسها " الوطن والوطنية والتاريخ والدين والتراث...الخ" وبذات الأصوات النشاز تتحدث هذه المرة عن الدين ولكن جوهرها لم يختلف عن التطرف القومي وكأنها فرصة للصائدين في الماء العكر ليرفعوا عقيرتهم ويكيلوا الاتهامات بدون استثناء ضد الكرد ويحيكون الأكاذيب والإشاعات وبشتى التهم القديمة ولكن بنمط جديد وجوهر واحد لا غير وهو خلق الفتنة والتطاحن والصدام المسلح وهدفهم ليحترق الجميع كي يتسنى الوصول الى مخططاتهم الشريرة، وبمجرد اختلافات في وجهات النظر وانهيار التفاوض قامت القيامة فأصبحت لغة السلاح كأنها حلاً بدلاً من الحوار والتفاهم وحل الخلاف بالطرق الحضارية السليمة الذي سيخدم مستقبل سوريا والشعب السوري بجميع طوائفه ويغلق الباب امام من يريد الدمار والخراب لها.
نقول بكل اخلاص مازال الوقت ممكننا للتفاهم والتفاوض والحوار للوصول الى حلول منصفة لأن لغة السلاح لم تكن يوماً طريقاً سليماً بين القوى الوطنية وهذا ما أكدته القوى الخيرة التي يهمها مصلحة الشعب السوري وسوريا وهو يتوافق مع ما أشار له الحزب الشيوعي العراقي في ٢٠ كانون الثاني ٢٠٢٦ " فإن المسؤولية التاريخية تفرض على جميع القوى الوطنية السورية رفض نهج الاستبداد والغلبة العسكرية، ورفض جميع أشكال الوصاية والتدخلات الخارجية من مختلف الأطراف الإقليمية والدولية، والتمسك بخيار بناء سوريا ديمقراطية تضمن العدالة والمساواة لجميع مكوناتها، بعيداً عن منطق السلاح."
نعم بلا شك ان بناء سوريا والتخلص من الإرث القديم وعدم استعمال لغة السلاح واللغة القديمة التي دمرت البلاد سوف يكون الحل الأوحد لوحدة الكلمة والموقف لصالح سوريا الجديدة وهذه هي ايضاً مسؤولية الحكومة السورية المؤقتة التي اكدت على إقامة دولة القانون واننا " سنضمن حقوق كل الناس وكل الطوائف في سوريا"
#مصطفى_محمد_غريب (هاشتاغ)
Moustafa_M._Gharib#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟