رياض رمزي
الحوار المتمدن-العدد: 8575 - 2026 / 1 / 2 - 15:10
المحور:
قضايا ثقافية
حول اللغة.
المرارات التي استمرت بعد انهيار الحضارة البابلة التي استمر 26 قرنا من 2900 حتى 330 ق. م حين غزا الاسكندر الكبير العراق انتهت فترة الرخاء البابلي ثم بدأ سقوط بابل على يد الأخمينيين وفارس.. حيث ساهم المناخ والفيضانات في تدمير الحضار حين جاء قورش وأحتل بابل ثم حلت فترة التدمير العنيف، حتى أن التنجيم والسحر شاعا في تلك الفترة وما بعدها. المناخ والحروب والعلاقة مع البلدان المجاورة أنتجت لغة نواح، جعلت للترانيم قوة شفائية كبيرة ناهيك عن معابد سرية تنظم العلاقة بين الفرد والآلهة، فنشأ علم سري يدعي معرفته الكهنة ورجال الدين بامور الكون.. وهي حالة انتقلت إلى الزمن الحاضر.
لتقرأ تاريخ الفرد عليك الوصول إلى معجمه الباطني أين ستجد فيه أناشيد النواح،أشعار الحاج زاير....وكل ما شكل مصدر أساك وما أوقع فيك الروعة.. وهي تعرجات سرية لا تظهر بيسر بل لا بد من إيقاظها عن طريق الصوت، اللغة واللحن وكل ما يجعل الذكريات مُستنفَرة. انه العصير المعتق المحفوظ في أعماق روحك فيه كل ما هو ممنوع من البوح يظهر فضولا في الخروج ولا يراعي القواعد عند السماع كما في الأغنية الفولكلورية" بارد هوى المر بيك وآنه الجواني( كواني)/ بالسما طرت وياك وآنه بمكاني". كلما يطول السماع كلما يأتي الصنف العالي، حين نستمع له تتحد الحواس : نرى ونسمع وبوضوح نشم حتى تلك الصباحات المشبعة برائحة الرازقي ومباخر الورد في الطقوس والأعراس. لنشوب حريق فينا نحتاج لسماع هسهستين من نار : قطعة خشب نضمخها بزيت بنية مقصودة على الكبريت حتى ينشب حريق فنشتعل، كذا تأثير السماع علينا. حين نستمر في السماع نصبح ذاتا أخرى كمنصهريْن مع النار مثل غلاية شاي نضعها على الجمر فلا نستمع لغير صوت غليانها. السماع، إذن، قهرٌ لمحدوديتنا. كمثل ناضم الغزالي الذي لم يسعفه الوقت في لقيان محبوبه فيلجأ صارخا" وينألكاه الضاع مني آنه المضيع ذهب". يستمر في البحث بشعور فيعود خائبا لا يستطيع غير القول " ضاعت السلة من أيدي وضاع وياها العنب. البحث عن ريشة سقطت من جناح طائر تصبح نقطة استدلال يتذكر ها ويبحث عنها كاحتمال ضعيف لكن عواطفه تلقى مددا من البحث، يواصل البحث برغم شكوكه، البحث يمارس إحماء على كل من أضاع، وحين ينتابه شعور بقصر قدراته عن الإيجاد فيعيش في رحاب وهم، وفي قرارة قلبه سينشأ ضلال أنه سيجد عن طريق الصوت واللحن الذي يعادل حجج الاقتناع مثل بلبل يغرد ولا يحتاج سوى لغصن وجمهور يستمع.
يقول بودلير النغم يسبق اللغة.في قصائد أدغار ألان بو كما يقول هناك كلمات لديه ترجع إلى سحر النغم الكامن فيها. أدخلت أم كلثوم كلمات جارحة إلى أوج لحني رفيع" أنت الذي بدأ الملالة والصدود وخان حبي.." جعلت المستمع يخوض غمار الحب من خلال هجران قوي قبَلها المستمع بهياج عاطفي مثل شموع تتوامض في الذهن فتصبح برغم نارها موضع إشادة لدى المستمع مثل أمرأة تبكي لكنها تلبس معطف فراء جعل السامع يستقبل العذاب بدون تردد فيعيش سرورا جعله يرى مطلع ابتسامة على محياه بسبب ذلك الماء المعتق الموجود فيه. صوت ولحن وأداء يجعلان المعنى ينحرف عن مساره المعهود، فهي غيرت مسيرة الأحاسيس لدى السامع. يتم خلق واقع جديد لم نكن نراه وها نحن نراه عن طريق السماع، كأن علاقة رحم تجمعنا من خلال هبّة من حنين مفاجئ لحالات كانت لها سلطة علينا، سلطة هي خلق جديد لماض يتسلط علينا فلا نتأخر في التعرف عليه وعلى تفاصيل أشبه برسائل ترد إلينا تتقدم نحونا متفادية نسيان جعلها من ممتلكاته. في رواية الزمن المفقود يعيد عقل مارسيل تفاصيل كان يظن أنها من مملكة النسيان. يتذكر جدته من تفاصيل لم يكن شأنها آنئذ ملحوظا وكان يعتقد أن سنوات بعيدة غيّبها الزمن من الذاكرة لكنها ترخي بثقلها عليه الآن مثل ضيف قديم جاء يطرق باب العقل. تذكّر جدته ليس من خلال عيش طويل، بل جاءت لديه ذكريات كان يستخف بها وها هو يراها" حادثة انحناء جدته لربط حذائها" حيث صرحت تلك الصورة عن وجودها وغابت حوادث كانت متجذرة فيه ولم يستطع عقله استدراجها. في أحدى زياراتي لمقهى أم كلثوم أتذكر ذلك الجالس وأنا أستمع لأغنية أم كلثوم يا ظالمني يشير بيده للمقطع المقبل أن يمر... وعندما يلوح يغطّس رأسه بين كتفيه كأنه يدعو المطربة أن لا تخذله فيشعر بالراحة كي لا يقر بعجزه كي يسمح للتورط أن يشاركه كي تواصل أسلاك التواصل الخفية أن تغمره بضيائها فتقرض مواطن العتمة فيه وهو يعوم خارجا من العتمة إلى ساحة النور، فالسماع مثل ذئب متخصص في نهش كل ما يمنع السامع من التآلف مع اللحن والصوت. قال ماركيز عن الكولونيل الذي ينصح زوجته" إن كنت تشعرين برغبة في الغناء غنّي فهذا مفيد من أجل الغدة الصفراء". كل مكان و مصدر محتمل للعلل، نسمعه لحنا نصدر إليه نظرة مستدقة على شكل نغمة/ دواء يعالجه فيختفي. الحزن ليس له أهداف واضحة إن أسمعته مقطعا موسيقيا أو طربا سيتخلى فيواصل تردده على ماض قديم. الله موجود في التفاصيل إن سببت لك ضيقا أسمعها نغمة ستزول مثل دواء ترتشفه وترتشفه فتحل عليك زفرة ارتياح حين تفلح في هزيمتها. تصور أنك في شك أن حبيبك مشغول وأنت في عذاب أثقل عليك استمع وردّد" الزمن ح يدوقك في البعد ناري/ الزمن هو اللي ح يخلص لي تاري. كل غدر وكل ليل سهّرتهولي/ كل هجر وكل جرح تركتهولي. كله ح ترده الليالي" . ردّد ربما ستجد أن الهاجر أخذته رقة فيك قل له لا تظن أن الأيام السود لن تأتي إليك. أنت لا تستعيد قولا بل تحك كبريتا حارقا، وأن الكون محمي من قوة قاهرة، ستكون مثل حيوان مبلّل ستقفز طوال حياتك ولن يجف الماء على إهابك، ربما ستموت وستلطخ هجمات الذباب وجهك في يوم يفوح فيه الحجر من الحر. سيلاحقك أمل طفولي بما ينتظر المحبوب فتشفى. أنها السيادة الكاملة للغة.
يقول فتجنشتين حدود عالمي تتحدد بحدود لغتي. التعبير عن قضية ما يعتمد على مخزوننا اللغوي لأن الفهم يحدث داخل العقل وما يمتلكه من لغة. حتى أنه قال عن طريق تحليل اللغة يمكن حل كل مشاكل الفلسفة. تفكير الفرد يعتمد على مخزونه اللغوي. الفرد يصمت عن الكلام في مواضيع شتى لفقر أو انعدام مخزونه اللغوي. كذلك السمع يعتمد العقل على مخزونه من صوت ولحن، يتجاوز مرارة الواقع، تجعله يصدق ما يرى وما يسمع، تعامله كقاصر عقلي يستمر في ويتوقع أن الحياة كما رأى من خيال يجعل ما هو غير ممكن ممكنا. فهو في سكونه يتحكم فيه الصوت واللغة المرتلة. قال لي النادل الذي كان يجمع كؤوس الشاي، في مرات كثيرة أجمع أقداحا غير ممسوسة خاصة عندمت تغني أم كلثوم يا ظالمني. لا توجد في المقهى جرائد لتقليبها فذلك مضرٌ بالسماع.
مارسيل بروست " حين يعود مارسيل إلى البيت تطلب له أمه قطعة من كعكة المادلين. ما أن لامست القطعة فمه حتى ارتعش وظل يتذكر فتات الحلوى.. حتى باتت صروف الحياة غير ذات بال وكوارثها عديمة المعنى. الحقيقة ليست فيها بل فيه... لا شيئ يظل في الماضي البعيد بعد دمار الأشياء غير الرائحة والطعم. هي أشد هشاشة .. وأكثر استمرارية، تظل فترة طويلة كمثل الأرواح.. فوق بناء الذكريات المترامي". مثل المستمع الذي يستقطبه اللحن الصوت وما يثيرانه من مشاهد بعد مبارحتها فتعود به الذاكرة وهو يتذكر ترتيب الصور المتعاقبة عليه في زمن لا يُعرف مداه لأنها اتخذت ملاذا فيه فتصير أشد قوة. حين يتذكر المستمع كلمة أو لحنا أو رائحة لا تصير أكثر شحوبا لأنه لا ينقطع عن رؤيتها، بل تلهب خياله لأنها لا تلتزم الغياب مثل قلاع أشيدت ولن تتهاوى أبدا ، تظل أبراجها سامقة مثل بنات نعش تفرد ضوئها على النائم في الليل تسامره وهو يكتب نعيا لها كل ليلة.
يدخل السامع في تجليات شبه صوفية . الكلمة واللحن في حالات التجلي تنسجان لنفسيهما معرفة منبهرة تقترب من وجد صوفي يعلو على العقل حين يرتفع العقل بفضل العواطف إلى مدارات جديدة يتم خلالها الوصول إلى اكتشافات ، سوانح تجعله يستلم إشارات علوية تتشابك فيها اللذة والذوق ومساحات جديدة من التأويل تعتمد على التجربة الشخصية تجعل المتلقي يخرج من سجن الواقع إلى ساحة الخيال أين يجري الوصول إلى تخوم غير مكتشفه تفتح أبواب لم يكن ينبغي عليه فتحها فترد عليه صور ممنوعة مثل أماكن رفعت عنها العتمة وهو ما نسميه سلطة المتخيل حين تتسع مساحات التأويل لديه. في حالات السماع تظهر " حقائق" تترسخ في نسخ تصويري و في جوهره تشكيل. العقل المشغول بصور ترد عليه بأمكانه خلق المزيد منها حين تكون الواطف في أوجها، حيث يرى السامع ليس بعنه بل بخياله مثل أبي العلاءكان عقله يرى المخفي وبات يوسعه على حساب الرؤية ما جعل أبي العلاء ينظر بعقله حين أخضع شبكية عينيه لشبكية دماغه. أي ما نسميه العقل الرائي. كذلك هنا حيث تأخذ العواطف على عاتقها مهمة الرويا فيصبح البصير أشد قدرة على استجلاب الصور كما في رسالة الغفران التي تتمتع بقدرة رؤيوية خارقة فتح هو الأعمى أفاق غير مرئية لأنه ليس مشاهد بل مشارك في صنع الأحداث من خلال مخزون فكري وعاطفي حين يقوم بفض ورؤية الغامض بطريقته الخاصة حبن يقر رأيه على الرؤيا فهو يرى رؤيا حسية أي ما يطلق عليه evocative powr أي القوى الخلاقة ما أن يمطرها بوابل من التحفيزات حتى تستجيب له معتلية أسوار عماه. حين خرجت من عقل أبي العلاء ظهرت على شكل أشعار وفلسفة وحكم..
#رياض_رمزي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟