رياض رمزي
الحوار المتمدن-العدد: 8573 - 2025 / 12 / 31 - 16:42
المحور:
قضايا ثقافية
كانت زهور غاية في الفتنة وهي تغني متشحة بثوب طويل لا تلبس الترتر اللماع ولا تعرض أكتافا عارية وكل ما هو مثار فتنة، ما تجعل السميعة تسترق السمع للكلمة واللحن، يهزون رؤوسهم يصيبهم سهوم يشبه وجوه الزهّاد فاسحين المجال للمهابة فيستعيدون أوقاتا ويتذكرون بشرا باعدت بينهم المسافات، تغني وتضع يدها على خاصرتها مثل طالبي عون ومدد من السمّيعة المحتفين بالصوت والآهات وهو يجتهدون لاستخلاص ذكريات جاد عليهم بها الصوت، يركزون كي لا يفوّتوا فرصة ذكرى سانحة أو نغمة تحدث فيهم فارقا كأنها تخلق علاقة مباشرة بين السامع والذكريات، علاقة تجعل الفرد أسلس قيادا لعواطفه كأنه يستمع لأحد مزامير داوود لأنه يعرّض السامع لبلية الذكرى. كان ابن عربيي يمنع دخول مجالس السماع لغير المريدين الذين بستجلبون أحوالا جديدة ترهف الحس والذوق الكشفي حيث يكيفون حواسهم لمراكمة انفعالات تبسط سلطانها على العقل، حالهم حال مخمور لا هو بفاقد لعقله كي يتحرر من نواهيه ولا خاضع لسلطانه كي يتفنن في استخدام أحابيله، بل يعيشون ألوانا نضرة تشع على عقل يطفح بالألوان: أخضرٌ مشع، أزرق مشتعل، أصفر بلون الذهب، أحمر وأسود.. وكل لون يحزن القلب أو يبهج العين فيستعرضون حياتهم من خلال ألوان تثير الحنين وهم يستمعون لهمسات لا تسمعها أي إذن بل على شكل هواتف على شكل إشراقات مفاجئة. نعم الغناء يوسع من حدود المخيلة.
في المقهى جلّاس غمرهم اللحن يشيرون بأيديهم وبغطسة من الكتفين وهم يستعجلون للحن المقبل بالقدوم. حينها يأتي عامل المقهى يجمع أقداح شاي لم تُرتشف لأنهم لا يهتدون لوجوده. كذا هو الحال في بلاد فيها رواة شعبيون، حكّاؤؤون، آيات مرتّلة، طقوس دينية، رواديد... كلها تخلق مخيلة غنائية. يقول ماركيز في رواية ليس للكولونيل من يكاتبه" إن كانت لديك رغبة في الغناء غنّي فهذا مفيد من أجل الغدة الصفراء.". الغناء يمنحك شفاء حتى وأنت تسمعه على معدة جائعة. في تلك المقهى لا توجد جرائد لتقليبها لأن ذلك مضرٌ بالسماع. الإغنية توقظ النوازع الجيدة سعيدة أم حزينة وليس الفكر لأن السماع يحعل السامع أشبه بقصب يابس مسّته رطوبة جعلته مرنا و ناعما مثل الحرير. السماع مثل نسيم يُرعش الحواس. كأن السامع يطلب من العازف أن يضغط بقوة على آلته كي تتحول الأنغام إلى ماسات تبرق في الظلمة. هل يمكن أن يتحول قرع السيوف وصوت الرصاص إلى معزوفة؟. نعم استمع لأغنية الآهات وأم كلثوم تصرخ " بات السرور بيني وبينك متقسم" يتعالى الصراخ ويفسح المحب عن نفسه ويصبح مثل شهيد في قبضة محبوب أجهز عليه" أشرب بأيدي كأس يرويني وأشرب بايدك كأس يكويني.. أصبر وأتظاهر بالفرح والبهجة. والصبر في الظاهر والمر في المهجة". أنها حالة المحب الذي يزيد له العذاب قسطا على راحته. إذ بدلا من أن يكون سندا للحبيب " يملأ كاساته ويسقيها له". وها هي تصرخ في مكان آخر من الوجع" بين ذل الهوى وعزة نفسي ضاع قلبي فما عرفت الأسي". تلك هي أرض المشاعر البراح المليئة بشتى المتناقضات: الحزن والبهجة الخالصة حيث يظل السامع متجولا في تلك المنطقة الحدودية التي يطلق عليها أرض المتناقضات: من شدة حزن المحزون لا تحمله قدماه ولا يجير حراكا ومن شدة فرحه لا تحمله قدماه لعجزه عن احتواء سعادته.
حالات ترد على المحب عن طريق السماع أغنية كانت أم عزاء حسينيا، يتغير فلا يصبح نفسه بل يصعد نحو روحانية يتجاوز فيها هشاشتة وجودية إلى مرحلة الشعف بوجود أفاق جديدة يعيش في كنفها مثل طيور تطير صوب الشمال في وقت الهجرة تسافر نحو المكان الذي تفضل الموت فيه حيث تصبح ليس ما عاشته بل ما ستعيشه منكرة ذواتها السابقة. كل ضربة جنح وهي تجد مشقة في الصعود بحركات خفيفة كي تتخلى عن كروب سابقة متدبرة حياتها الجديدة مقودة بذكريات ستبعث من جديد، تقترب من الخالق وهي تقول" مولاي سئمت من حياتي السابقة وأنا أطلب حياة جديدة، أعطني شعاعا جديدا أغدو به أكثر حرية" وهي تطير بإيقاع طقس ديني مثل سجناء انعتقوا من قبوهم المظلم بوتيرة مياه تتدفق على أرض سبخة تفارق المحْل تاركة الماضي الذي كان كسجان وقح، تبتهج كأنها تحت عارض كحولي مُسكر كي يستغرقها المحبوب، يحتويها كنار تشب في دغل وهي تتمتم باعتراف أخير مغمورة بالكشف الذوقي حين تصل سماء لا يطأوها الجهلاء قبل أن يلفها القماش الأبيض. تترنم بشعر مما علمهم به السهروردي " أبدا تحن إليكم الأرواح ووصالكم ريحانها والراح.. ما طلبوا الوقوف ببابه جتى دعوا وأتاهم المفتاح. لا يطربون لغير ذكر حبيبهم أبدا فكل زمانهم أفراح". هم الإشراقيون الذين جعلوا الخيال جزء من المعرفة وهو ما يطلقون عليه التجلي أي ستر الحجب والوصول إلى ما وراء المحسوسات. كذا هو مذهب ابن عربي . الخيال بالنسبة له يحتل مرتية وسيطة بين الإدراك الحسي والامتثال العقلي. االمتخيّل لديه إحساس العارف الذي يحدس بالواقع من كثرة معرفته، ما أن تعن له خاطرة حسية حتى يحولها إلى إدراك حسي يربط بين المتباعدات عن طريق العقل الفعال الذي يربط كينونات مختلفة تعتمد على حدوس متنوعة. حيث لدى العقل العارف القدرة على استرجاع إدراكات سابقة تقوم بأنتاج معارف وفق المعرفة والإرادة. يقول برغسون المعرفة هي التي تسّير الحالة النفسية، أي تحويل التصورات إلى واقع. يقول برغسون حين أفتح عيني وأغمضها أرى تاريخا و صورا مكثفة تتعاقب إليّ من العالم الخارجي. الصورة الواحدة تستدعي كدسة من صور تحولها العواطف إلى قوة. الخيال لا ينتج صورا فحسب بل يؤسس لمبدأ الإمكان، أي يقين عقلي، حين تتحول الصور إلى قوة تأتي من طريقة العرض التي تشيع توترا لدى المتلقي، أي أن الخيال يفترض وعيا تخيليا يخلق حالة معيشة لا تمت للوهم بصلة، بل بمبدأ إمكان التحقق. كذا هي الفلسفة الإشراقية لدى السهروردي التي جعلت الخيال جزء من المعرفة عن طريق كشف الرموز والتجليات، فالخيال لدى فلاسفة الإشراق معين للمعارف العقلية عن طريقة هتك الحجب أي الوصول إلى مرحلة" كن فيكون" أنها سلطة من يتخيل.
التخيل ثمرة جهاد النفس العارفة للوصول إلى أدق الأسرار. الله نور الأنوار لا يدرك إلا بالمجاهدة ثم التجلي إي الإشراق الذي هو نور اليقين، إلهام عن طريق الكلمة، الغناء، التعبد.. كما قال البسطامي أنه حج في المرة الأولى ولم يجد حاجة للثانية لأنه رأى صاحب البيت بعقله عن طريق الفيض، عندما تتجرد ذاتك عن ذاته تبلغ مرحلة الكرامات، أي الكشف الموصل للنور الإلهي، صورة تتوافد عليه، يكتفي بها العابد كمرجعية.
ما يثبت الصور في ذهن المشارك أو المستمع هو الفعل الاحتفالي. هذا هو جوهر الطقوس الحسينية التي هي تكريس لصورة الحبيب وهو يُذبح على وقع ترانيم وانشادات تصل وتهيّج المفجوعين بموته الذي انبعث عدة مرات بفعل تكرار الدراما الحزينة لموته. تجلى ذلك في طقوس الجمعة الحزينة حيث تسير الجموع مع المسيح الحامل لصليبه إلى قمة جبل الجلجلة حيث يُصلب تعود الجموع تنتظر موعد الجمعة السابعة أي جمعة الآلام حيث يتم إنزال الصليب.. يلقى القبض على المسيح في بستان الزيتون... كذلك السيرة الحسينية.. حيث تقول السبرة أن الحسين استلم إثنا عشر ألف كتاب تدعوه للمجيء. عندما يأتي وسط تخاذل الجموع يذكر جموع العراقيين فردا فردا" إقدم فقد أينعت الثمار واخضرت الجناب أنت تقدم وسط جند مجندة.." ثم تأتي صورة مسلم ابن عقيل وحيدا قتل وربما سٌحل في الأسواق.. الحسين عندما جاء قال لعائلته " اذهبوا فانتم في حل من بيعتي، فهؤلاء القوم لا يطلبون غيري.." عندها يبدأ سيل السهام يرد إليه،". لم يكن أمامه غير قول بيت شعر" إن نكن هزامون فهزامون قدما. وإن نهزم فغير مهزمينا، وما طبنا جبنٌ ولكن منايانا ودولة آخرينا.."تصل السردية ذروتها والعائلة تتسابق نحو الموت.. سيرة سجلها عبد الذهرة الكعبي... لن نجانب الصواب إن قلنا أن من يسمعها ستسوطن روحه وسيسدد من نفقات عمره لا حقا سنينا على ترديدها وتذكّرها. ستظل أساسا للسماع تعاود المشارك والسامع ليعيش ما بقي من عمره عليها، ستفسح مجالا لأي كلمة ونغم لتشكل البطانة لأي سماع مقبل، وستنجح وتلاقي استقبالا، قاطعة السبيل على أي نغم أو كلمة تخلو من تشابه مع كلام وهطولات لحنية تجعل أي ترنيمة أو كلمات تستمد قوة من خلال تلك الصوروالألحان لأنها قطعت السبيل على أي لحن أوكلمات أخرى، فأي سماع لا بد أن يحاكيها. كل لحن ونغم لا بد أن يجدد التواصل مع كلمات وترنيمات تلك السردية. حتى وأن سمع ألحانا وكلمات أخرى فسيردها إلى الأصل كمثل يحتذى لابد أن يحيله إلى الحالة الأولى كسائرفي الرمضاء يستظل بظلها. انطبعت تلك السردية المنغمة مع كلماتها تغدو أثرا ينتقل جينيا داخل السلالة البشرية التي تتأثر بقدرات صوتية عالية التأثير خاصة أن اللطم الشبيه بكسر صحون خزفية تجعل النغم والكلمات تنتج قشرة دماغية تزداد استغراقا وتتكيف مع لحن وكلمات شبيهة تجعل السامع يهرب من واقعه إليها واضعا ذاته تحت تأثير ما يسمع خاصة إن كانت لديه اخفاقات ومرارات.
#رياض_رمزي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟