أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - رياض رمزي - جلسة في مقهى الليالي العيدة














المزيد.....

جلسة في مقهى الليالي العيدة


رياض رمزي

الحوار المتمدن-العدد: 8573 - 2025 / 12 / 31 - 16:42
المحور: قضايا ثقافية
    


عودة إلى مقهى الليالي السعيدة. الجزء الأول

أفصحتْ نفس السيد راء راء عن رغبة أكيدة للعودة إلى مقهى الليالي السعيدة أين كان يجلس وما زالت تشغل مساحات كبيرة من خياله. قبل أن يضعف إدراكه قرر أن يتابع تلك الذكريات برغم مرور زمن جعلها أشبه بأنفاس قصيرة من خيط سيكارة تصاعدت لكنها لم تختف كما يزعم. بات السيد راء راء يذهب دوما إلى تلك المقهى لأنه يشعر بانجذاب حواسه القوي نحوها بعد أن تقدم به العمر وأنفق من حر سنينه الكثير وتسوقه الآن رغبة في استعادتها قبل أن تبرح ذاكرته نهائيا. قال السيد راء راء أنه ليس جديرا بالعيش إن لم يستطع توثيقها. أنها مسابقة في جلب ذكريات لم يفز بها بسهولة بل بعناء. جمع أفكاره واقتنص أضواء قديمة ظنا بقدرته على تذكر شيئ. مثل زائر يكسح ثلوجا تراكمت على مدخل داره علّه يرى أو يجد ذلك الصندوق المختفي.

السماع
ما أسعى لقوله هنا أن كل سماع في هذه البلاد يعود إلى واقعة تراجيدية حدثت قبل أكثر من ألف عام، لأنها كثيرة التواتر في حياة الفرد تحولت إلى تفاصيل دخلت حياته وأصبحت متطلبة عند السماع، تضيئ الطبقات العميقة من حياة الفرد وتشكل مستويات من الخيال في الذهن. كل سماع يُنتزع من سياقه ليعود نحو تلك الواقعة. انها مرارات حدثت في هذه البلاد وماتزال مستمرة منذ انهيار الحضارة البابلة التي استمرت 26 قرنا من 2900 حتى 330 ق. م حين غزا الاسكندر الكبير العراق حيث انتهت فترة الرخاء البابلي ثم بدأ سقوط بابل على يد الأخمينيين وفارس.. حيث ساهم المناخ والفيضانات في تدمير الحضار حين جاء قورش وأحتل بابل ثم حلت فترة التدمير العنيف..... حتى أن التنجيم والسحر شاعا في تلك الفترة وما بعدها. المناخ والحروب والعلاقة مع البلدان المجاورة جعلت للترانيم قوة شفائية كبيرة ناهيك عن معابد سرية ودين ينظم العلاقة بين الفرد والآلهة، فنشأ علم سري يدعي معرفته الكهنة ورجال الدين بامور الكون.. وهي حالة انتقلت وسادت في الزمن الحاضر.
سئل الشبلي يوما عن السماع فقال" ظاهره فتنة وباطنه عبرة، من عرف الأشياء حلّ له استماع العبرة وإلا فقد استدعى الفتنة وتعرض للبلبة. لا يصلح السماع إلا من كانت له نفس ميتة وقلب حي، فنفسه ذبحت بسيوف المجاهدة وقلبه حي بنور الموافقة".
كان الجنيد يوما في جلسة سماع وكان ساكنا فسئل عن سبب سكونه فقال" وتحسب الجبال راسية وهي تمر مرّ السحاب".

السماع رياضة روحية تتوثق لدى الفرد من خلال سماع يومي للآذان، التجويد، التواشيح، الردات الحسينية وغيرها. ليست للمتعة المحضة بل تستثير حالة نفسية وشوقية تحول السامع إلى مريد في مجلس سماع أو حالة اتحاد مع المحبوب أسماها الصوفيون الشطح، العروج، السمو، العلو..
عن طريق السماع تتحول الأغنية إلى كشف يحفز السامع عل التخيل أي المشاهدة التامة، حيث تصدق الآية" لقد كنت في غفلة عن هذا فرفعنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد". هو في مرحلة عروج، صعود يستقبل العابد ما يرد عليه من صور هي مكاشفات يصل إليها السامع بما يشبه مرحلة التبليغ عن طريق الحواس التي تجلب زخما عاطفيا مع كشوفات يطلق عليها صوارف أو سوانح تحل على الفرد على شكل تجلّيات تجيئ للسامع من عالم تجربته. باطن يتم الوصول إليه عن طريق الذوبان في اللحن والكلمة عن طريق السماع.
أنه السماع وليس الاستماع أو الإنصات. أي اسقاط وضعه الحالي، واقعه المعيش على ما يرد إليه. ترد إلى ذاكرتي واحدة من العزاءات الحسينية حيث الجموع تفترش المكان مثل مرضى ينتظرون من يعطيهم قدرات شفائية: صوت وكلمات مرددة ينغّمها رجل بغطاء نيلي على الرأس، لم تسمع بها أي إذن من قبل. يقف القارئ" الرادود" تتدلى من يده لفافة ورق سيحولها إلى بكائية بأجمل نبرات صوته وهو يقدم سردية مؤثرة تزداد حدتها مع التقدم في صور يتوقع الكل ما يلوح أن الحالة متجهة نحو مقتلة عظيمة فتطوف صورها على على حاضرين لا يعنيهم شيء قدر انتظار حز رقبة البطل وهي حكاية خبروا تفاصيلها، برغم معرفتهم بها غير أن الكلمة واللحن يستهويانهم حيث الدم والغدر الكامن في السردية التي شاعت ولم تندثر بسبب قوة لغة وأداء سمعوهما كثيرا، لكنه لحن وأداء يداويان أحزانهم ويجعلهم قادرين على سماعها ثانية وثالثة...فلا يلغون سماع القصة لأن اللغة واللحن يجعل الروح تدب فيهم. اللحن واللغة يجعلان الإعجاب يتملكهم، يخلقان فيهم صورا تستهويهم حيث المنشد يحول التراجيديا إلى أجمل بكائية. ما يحفزهم على شيوع تلك الصور الوجوه الحزينة المغطاة بلون طيني شاحب بدءْ من رفع الأيدي ولطم الصدور اللذان يزيدان من حيويتها أمام جمهور اللاطمين. يزيد من حيوية السحر العجيب منظر الشباب نصف العراة ولغة تطالبهم بسداد دين عمره أكثر من ألف عام. الصوت واللغة واللحن والمشهد كلها تخلق صورا تظهر على شاشات عقولهم، وتنتصب أمامهم صور السبط وهو ينظر إليهم نظرة لائم لتخاذلهم، نظرة من وقع عليه جور كبير تحفزه أصوات أبواق وصنوج وطبول تخلق صورا ومشاعر عند قدوم أي لحن شبيه يعجل من قدوم تلك الصور. واحدة من أغاني زهور حسين تقول فيها" بعيدة من عينج يا يمة محتارة بزماني" لها من القوة والتأثير أنها تُضهر إلى العلن وتُعيد صورة مأساة قديمة لأن اللحن والكلمات يمارسان فتنة على السامع لأنها من مشتقات تلك الواقعة.
ورد في القرآن" ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وأبصارهم غشوة ولهم عذاب عظيم" حتى قيل أن النبي قال" حسنوا القرآن بأصواتكم الصوت الحسن يزيد القرآن حسنا".
يقول الحلاج " طربوا فطابت باللقاء أرواحهم/ كتموا فبتنا منه حالات. زاد الغرام بهم وفي أحشائهم/ نار وفي أكبادهم جمرات".



#رياض_رمزي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- جلسة في مقهى الليالي السعيدة رقم 2
- شكوى سلمان المنكوب
- خسارة اليسار في العراق من وجهة نظر اعادة الانتاج
- صوت هند رجب رياض رمزي
- صنع في الكاظمية
- صنع في النجف رقم 6
- صنع في العراق رقم 5
- صنع فيي النجف رقم 4
- صنع في النجف رقم 3
- صنع في بغداد رقم 2
- صنع في بغداد
- عن الخوف
- تقترب الأشياء رغم ابتعادها
- دمشق جبهة المجد
- الاشراقي الأعظم السيد حفيد السادة
- رسائل شهيرة لقادة مسلمين
- مغضلة تسطيح العلاقة بين العرب وإيرا
- مع المحمدين
- مع المحمدين
- دعنا نغني وراء شعبان عبد الرحيم


المزيد.....




- تعثر جديد في مباحثات دمشق و-قسد- حول دمج مقاتليها في صفوف ال ...
- ترامب يتوعد الرئيس الكولومبي ويطلق تحذيرات إقليمية جديدة
- الشيخ يبحث بالقاهرة -سبل دفع- اتفاق غزة ونتنياهو يستمر بالعر ...
- مصابان برصاص الاحتلال بالقدس وخطط عسكرية تستهدف شمال الضفة
- -ليس لكم الحق-.. مخاوف دنماركية من مطامع ترامب في غرينلاند
- ترامب: عملية الهجوم على كولومبيا تروق لي
- الدنمارك تدعو واشنطن لوقف تهديداتها بعد حديث ترامب عن -الحاج ...
- الدانمارك تطالب ترامب بـ-الكف عن تهديداته- بشأن غرينلاند
- هل لعب موقف أميركا اللاتينية من فلسطين دورا في استهداف فنزوي ...
- هل ستتخلى إيران عن حزب الله؟


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - رياض رمزي - جلسة في مقهى الليالي العيدة