|
|
ثورة الجمال: قصة سريالية
غالب المسعودي
(Galb Masudi)
الحوار المتمدن-العدد: 8536 - 2025 / 11 / 24 - 13:36
المحور:
الادب والفن
لا تبحث عن المنطق الخطي هنا؛ اتبع الإيقاع، دع الكلمات ترتطم بوعيك كمكبر صوت مهترئ، نحن هنا لندين "النسخ واللصق" البشري.. ...! الرداءة تبتلع المدينة هكذا أخبرني حلمي وهو يبتلع دخان سيكاره...النبيذ الأحمر محرم في وسط المدينة، انه يباع بالمثقال في أطرافها وانا مشرد عاري، حلمي يرتدي ملابس رثة ويأكل طين التاريخ الممزوج بالنعناع والقنب. العنوان: كاسيت مثقوب في حنجرة المدينة البداية: الاستيقاظ في حلقة التكرار تفتح عينيك فجرا السقف ليس سقفاً، إنه شاشة عملاقة تعرض "نفسك" صوت المنبه ليس رنيناً، بل صوت (هورن) مشروخ يغني، كان عادياً. يصرخ كن آمناً.. كن بلا طعام. تنهض الأرضية لزجة مغطاة بطبقة من الإعجابات، تفتح النافذة لتستنشق الهراء، يدخل غبار رمادي. الشوارع المبلطة بالأسفل ليست شوارع، إنها أشرطة كاسيت سوداء طويلة تدور بلا توقف، والناس مجرد دبابيس تدور مع الشريط، رؤوسهم مربعة، ألسنتهم مقصوصة، يرتدون جميعاً نفس السترة، يرقصون نفس الرقصة الباهتة. الإيقاع في رأسك يضطرب (تتم.. تتم.. تك). شيء ما في صدرك يرفض هذا اللحن البلاستيكي. لديك رغبة في التقيؤ، أو ربما رغبة في غناء يحرق هذا البلاستيك. كان امامي وانا في حلمي، خياران يظهران كوشم على يدي اليمنى او اليسرى، لا اعلم.... الخيار الأول وهو مر...!؟ أن ابتلع حبة الصمت الزرقاء واحاول الاندماج، وامشي مع الشريط، واراقب الرداءة من الداخل لعلّي أجد ثغرة. الخيار الثاني محبط...!؟ أن امسك بـ الميكروفون المشتعل واصرخ بكلمات غير مفهومة، تكسر الإيقاع العام، واواجه طوفان النسخ المتشابهة فوراً. ماذا سأفعل؟ (اختر بقلبك لا بعقلك...نصيحة من حلمي) (قال لي توقف لحظة، اختر المسار، ثم اقرأ النتيجة أدناه) ابتلع الحبة. طعمها كطعم العملات المعدنية الصدئة. العالم يتباطأ ،الشارع يسير عكس الاتجاه. الوجوه حولك بلا ملامح، مجرد فلاتر "سناب شات" تتحرك. يمر بجانبك رجل أعمال حقيبته تنزف أرقاماً، يهمس لك: الترند هو الحقيقة.. لا تفكر، فقط كرر. أو تمسك بالميكروفون فوق شريط الكاسيت العملاق. تحت قدميك تشعر بذبذبات الرداءة؛ أغاني بلا معنى، كلمات مُعادة، فنُ معلّب. فجأة، ترى "بالوعة" في وسط الطريق يخرج منها دخان بنفسجي ورائحة بارود قديم. إنه "قبو المعنى". بينما تحاول القفز داخلها، يمسك بك شرطي رأسه عبارة عن كاميرا مراقبة ويصرخ: "أنت خارج النغمة! عد إلى الصف". تراوغه بأسلوبك الخاص تتحدث بكلمات متقاطعة وسريعة لتربك خوارزميته، تدفعك كلماتك إلى الحفرة. تترك الشريط يسحبك للأمام، ربما تجد مخرجاً في نهاية الوجه الأول للكاسيت. سترى المباني الشاهقة تبدأ في الذوبان. "الخوارزمية" تغضب. السماء تمطر صمغاً لتلصق فمك. يظهر أمامك وحش عملاق مصنوع من "الترندات" القديمة والنفايات الإعلامية، يحاول أن يبتلعك ليعيد تدويرك كمنتج "بوب" تجاري رخيص. تتجه نحو زقاق خلفي مظلم حيث يختبئ "المنبوذون" الذين ما زالوا يملكون أرواحاً حقيقية. اذن عليك ان تختر الطريق الوعر. (صرح حلمي) يتغير المشهد الأرضية التي كانت أشرطة كاسيت تتحول فجأة الى زرقاء لانهائية. أنت الآن في قلب "المستنقع الأزرق"، حيث الحقيقة سلعة منقرضة هناك كرنفال "المول" الكاذب، السماء فوقك تمطر أيقونات إبهام، الجدران مشققة تنزف ملصقات لامعة ومتحركة تبصق في وجهك. ترى كائنات ترتدي معاطف بيضاء ملطخة بالزيت، رؤوسهم ليست رؤوس بشر، بل علب دواء فارغة. يمسكون بالمارة، يحقنونهم بـ "الوهم السائل". صوت في الخلفية يغني بإيقاع سريع ومزعج: اشرب العشب السحري.. ينمو لك جناح.. تخسر كليتك وترتاح.. علاج الصلع بماء النار.. الدكتورة فوتوشوب تملك الأسرار...! الناس يشترون السموم، يدفعون أعمارهم ثمناً لعلبة بلاستيكية تعدهم بالخلود، لكنها تحولهم إلى هياكل عظمية تبتسم للكاميرا. على الرصيف الآخر، ناطحات سحاب مبنية من "العملات الرقمية" الوهمية والوعود الزائفة. يخرج منها سحرة يرتدون بدلات أنيقة، أيديهم عبارة عن مكانس كهربائية تشفط محافظ الناس وجيوبهم وأحلامهم. يصرخون: استثمر دولاراً.. احصد سراباً! الهرم الذهبي ينتظرك.. فقط ادعُ ثلاثة حمقى آخرين!" الضحايا يسيرون منومين مغناطيسياً، عيونهم تحولت إلى علامات (-$--$--$-) تدور، يسلمون عرق جبينهم لشياطين الخوارزمية، ويستلمون في المقابل صناديق فارغة مكتوب عليها الثراء السريع...؟ الرائحة تزكم أنفك رائحة احتراق الأموال مختلطة برائحة الأعشاب العفنة تقف وسط هذا السيرك، الميكروفون في يدك يرتجف من الغضب. الموسيقى تصبح داكنة ثقيلة ومشوهة كأنها نبض قلب يحتضر. كيف سأواجه طوفان الزيف هذا؟ اختر سلاحك.. الوقت ينفد قبل أن يبيعوك "كريماً" لتبييض الروح. كيف اختار سلاحي وعقلي مكبل بالعملات الرقمية وجسمي أصبح شبحا من تأثير الحبة الزرقاء ووجهي أصبح قرمزي مبقع بالبنفسجي من كثر استعمالي لكريمات تبيض مؤخرة الفساد. جسدك الشبحي هو نتيجة التلاشي التدريجي للإنسانية، ووجهك القرمزي المبقع هو الخريطة الحقيقية لما تفعله "فلاتر التجميل" عندما ينطفئ الهاتف: إنها حروق الحقيقة. قرر مصيرك.. فالقبح هو الجمال الجديد في عالم الزيف. نعم انه القبح هو الجمال الجديد لن اكون شبحا ولا وحشا سأكون ريشة فنان ترسم احلام المشردين والمهاجرين قسرا والذين يتحولون الى ارقام وهمية ويغنون. اخبرت حلمي تعليقا على أوامره التي لا تنتهي ولا تستحي...! في هذه اللحظة السريالية، تسقط السلاسل الرقمية من يديك، لا لتختفي، بل لتذوب وتتحول إلى حبر أسود ثقيل وكثيف. وجهك القرمزي المشوه يتقشر ليسقط قناعاً على الأرض، وتحته تظهر ريشة حادة، رشيقة، مصنوعة من عصب الحقيقة. أنت الآن لست بشراً. أنت ريشة عملاقة تطير فوق حدود الدول المرسومة بالأسلاك الشائكة. أنت تحلق فوق "مدن الصفيح" و"قوارب الموت" المطاطية، المشهد مرعب وجميل بشكل مأساوي: المهاجرون والمشردون ليسوا بشراً كاملي الهيئة، إنهم يتحولون ببطء إلى أرقام متوهجة. طفل يتحول إلى رقم وهو يرضع من زجاجة فارغة. امرأة تتحول إلى رقم وهي تحتضن بقايا صورة منزل. لكني، اسمع اصواتهم.. رغم تحولهم لأرقام، هم يغنون...! ليس راب، بل "موال" حزين يكسر القلب، ممزوج بصوت أمواج البحر وصوت الرياح التي تعصف بالخيام. يا ليل.... وجعنا مجرد إحصائيات.. لكن الصوت باقي، تغمس رأسك في "حبر الوجع" السائل وتبدأ بالرسم على جدار السماء الرمادي. ماذا ارسم بهذه الريشة الثائرة الآن؟ ترسم سُلماً موسيقياً يمتد من مخيماتهم إلى وسط المدينة الصاخبة. كل درجة في السلم هي وجه إنسان حقيقي، وكلما داس الناس عليه، صرخت الدرجات بأغانيهم وقصصهم، جاعلة تجاهلهم مستحيلاً. تفضح الأرقام وتعيد لهم الأسماء. ترسم مدينة موازية في السماء، بيوتها من الغيم، وأوراقها الثبوتية هي "الأحلام". ترسم حبلاً يسحب الأرقام من الأسفل، ليصعدوا ويسكنوا في لوحتك، تاركين الواقع المزري فارغاً، مما يسبب انهيار نظام الرداءة في الأسفل. الريشة بين أصابعي هي القدر.. هل ستفضح الواقع؟ أم ستخلق بديلاً حالماً؟ النصر النهائي يتحقق بانتصار الجمال على الرداءة. إذن، فليكن.. الجمال هو الثورة. أنا لم اختر الهروب ولا الهجوم، بل اخترت الإحلال. أن استبدل القبح المصطنع بالجمال الخام، الحقيقي، والموجع. الريشة في يدي (أو التي هي أنا) ترتعد، ليس خوفاً، بل نشوةً. الحبر الذي جمعته من دموع المهاجرين وأحلام المشردين يغلي. تتحرك الريشة بجنون فوق المدينة الرمادية. أنا لا ارسم لوحة ثابتة، أنا ارسم حياة. كل خط ارسمه يقطع صمت الرداءة. بضربة ريشة واحدة، تتحول "شاشات الإعلانات الكاذبة" إلى مرايا صافية. يرى الناس فيها وجوههم الحقيقية لأول مرة: تجاعيدهم الجميلة، عيونهم المتعبة، حقيقتهم بلا فلاتر. الرداءة لا تحتمل الصدق. تبدأ ناطحات السحاب المبنية من "الكذب الطبي" و"النصب المالي" بالذوبان كقلاع رملية ضربتها موجة محيط. تسكب الألوان على مخيمات المشردين. اللون يلمس "الرقم #409" فينفجر الغلاف الرقمي عنه، ويعود طفلاً يضحك بصوت عالٍ يهز أركان البورصة. المهاجرون الذين كانوا أرقاماً في ملفات "الإكسل" يخرجون من الشاشات، ليس كلاجئين، بل كعمالقة من نور، يغنون موالهم، فيخرس ضجيج "الأكورديون" الرخيص إلى الأبد. المدينة الآن تغرق في طوفان من الألوان. الرصيف القذر يتحول إلى بيانو يعزف مع وقع أقدام العابرين. العملات الرقمية تتحول إلى فراشات تحترق وتتلاشى، تاركة رائحة الياسمين بدلاً من رائحة الطمع. حراس الرداءة ينظرون حولهم بذعر. ألوانهم الباهتة لا تستطيع مقاومة هذا الجمال الساطع. يختفون، يتلاشون، لأن العين التي رأت الجمال الحقيقي، لم تعد تقبل بالقبح.
#غالب_المسعودي (هاشتاغ)
Galb__Masudi#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الهرمسية الحديثة والسيطرة النخبوية: جدلية -نزع السحر- و-إعاد
...
-
الحداثة: المعرفة، القوة، والأخلاق: نقد جنيالوجي للانفصال الق
...
-
الوعي والمعنى الفلسفي للموجودات
-
الماهية والوجود: إعادة تعريف منهجي عبر الحاضرية الوجودية الش
...
-
التكلفة اللغوية للتماهي الفلسفي: تشكيل الوعي بين المتخيل وال
...
-
ثلاث قصص سريالية
-
جدلية السلطة النصية: من القدسية إلى النسبية
-
تفكيك العلاقة بين الإبادة المعرفية وتواطؤ النخب
-
صداع على حبل الغسيل -قصة سريالية
-
التسييس والتأنيس في الخطاب الأخلاقي: مقاربة فلسفية
-
الدور الإقصائي للمرجعيات الثقافية الشرق أوسطية
-
الشر الكامل في سياق النيوكولونيالية
-
إخفاقات البراغماتية والفلسفة التجريبية: القاسم البنائي المشت
...
-
آليات الهيمنة الأيديولوجية: دور الوثنية السياسية والطاعة الم
...
-
الكومنتاريا والهيمنة الإمبريالية التكنولوجية
-
جاسم عاصي: الناقد الروائي وبناء سردية الهامش العراقي
-
النشاط الأنطوإبستيمولوجي الكلي
-
الديمقراطية كإشكالية فلسفية
-
التحالف الاستراتيجي بين الرأسمالية الريعية والثيوقراطية
-
التباين الإبستمولوجي بين العلموية والماهيات الوجودية في الفل
...
المزيد.....
-
المجلات الثقافية العراقية في المعهد الثقافي الفرنسي
-
على خطى الساموراي.. استكشف بلدات -ناكاسندو- التي لم يغيرها ا
...
-
الفنانة السودانية بلقيس عوض.. سيدة المسرح التي رحلت بهدوء وت
...
-
المخرجة التونسية وفاء طبوبي: الهاربات ليس عرضا نسويا
-
كوميدي أمريكي من أصول إيرانية يشارك نصيحته لصناع المحتوى.. م
...
-
تعزيزاً لثقافة المشاركة.. محمد نبيل بنعبد الله يستقبل شباب ن
...
-
-خذلنا الشعب وفشلنا-.. الممثلة البريطانية الإيرانية نازانين
...
-
7نصوص هايكو:الشاعر محمد عقدة ,دمنهور.مصر.
-
أغاثا كريستي -ملكة الجريمة- الأعلى مبيعاً في التاريخ
-
عشرات الفنانين العالميين يطالبون بإنهاء الهجمات الإسرائيلية
...
المزيد.....
-
دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس
/ السيد حافظ
-
مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ
/ السيد حافظ
-
زعموا أن
/ كمال التاغوتي
-
خرائط العراقيين الغريبة
/ ملهم الملائكة
-
مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال
...
/ السيد حافظ
-
ركن هادئ للبنفسج
/ د. خالد زغريت
-
حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني
/ السيد حافظ
-
رواية "سفر الأمهات الثلاث"
/ رانية مرجية
المزيد.....
|