|
رحلة البحث عن المعنى - سن الغزال -
مهند طلال الاخرس
الحوار المتمدن-العدد: 8449 - 2025 / 8 / 29 - 18:11
المحور:
سيرة ذاتية
في رحلة البحث عن المعنى تبقى الطفولة صاحبة السبق في رصيد الاسئلة القابعة في خزان الذاكرة تنتظر منا الاجابات والحلول ولو طال الزمن.
والزمن هنا قد يطول وقد يقصر في سبيل التحصل على اجابة شافية وافية لكثير من اسئلة الطفولة التي بقيت عالقة في اذهاننا رغم محاولاتنا الحثيثة بايجاد اجابات لها.
احد اهم اسئلة الطفولة التي لازالت تلاحقنا رغم مضي السنين وتقدم سنوات العمر هو ذلك السؤال الامنية والذي يهبط علينا فجأة بمجرد سقوط اول سن لبني من صف اسنانا الغضة...
فما ان يتساقط السن حتى تتوالى عليك النصائح والارشادات ممن هم اكبر منك سنا واوسع تجربة او ممن سبقوك بتجربة ذلك السقوط!
تبدا اولى فصول الحكاية مع سقوط السن، تتبعها النصائح والارشادات والتوجيهات بضرورة قذف السن في عين الشمس وانت تردد : "يا شمس خذي سن الحمار وأعطيني سن الغزال" ..
تقذف السن في عين الشمس بكل ما اوتيت من قوة ، فتاخذه السماء وتصعد به نحو عين الشمس لتستبدله بسن جديد اجمل وابهى واقوى، وهذا هو الامل ومربط الفرس او الامنية الامثل والافضل، لكن قد يحدث ما يغير مسار الحكاية ان لم يصل السن غايته ببلوغ عين الشمس...
يحدث هذا ان لم تنجح بقذفه بعيدا [على طول عزمك] واصغيت جيدا لصوت سقوطه مخالفا بذلك رسوخ الاسطورة القائلة بان السن قد ذهب للسماء وسيعود لك بحلة اجمل وابهى وهو ما اسمته المعتقدات بسن الغزال...
في المخيم احد اهم الشواهد على النكبة وحيث مرتع طفولتنا تسري الشائعات والمعتقدات في زقاقه كما تسري النار في الهشيم، إلا انها هناك تعرف خطوات ابكر واسرع لنهاية الحكاية لاسطورة سن الغزال والتي تحمل في طياتها بذور الامل ...
في المخيم وما ان تقذف السن باتجاه السماء وتبدا ثاني فصول الحكاية المفعمة بالامل، سرعان ما تتكسر تلك الاسطورة على اسطح الزينكو المكتظة في المخيم بمجرد سماعك لصوت ارتطام السن بصفيح الزينكو..
ذلك الزينكو الذي تسمع طقطقة السن عليه عند السقوط هو نفس الزينكو الذي تسمع عليه ايضا طقطقة حبات المطر في شتاء المخيم العاصف، تلك الطقطقة وتلك العلاقة بين كل مايسقط على الزينكو اصبحت ابجدية من ابجديات المخيم، وسرا من اسرار حكايته، لا يعرف وقعها على الذاكرة إلا من عاش حياة المخيم.
ذلك المخيم الفياض بالحنين تفوح منه سريعا رائحة الذكريات بمجرد سماعك لحكايا الطفولة وما رافقها من سنوات القهر والحرمان والعنفوان ايضا...
ذلك الحنين الفياض للمخيم الشاهد والشهيد هو تماما كالخابية؛ كلما هزك الحنين تنثال الذكريات منها تباعا وتجود عليك خابيته باجمل القصص والحكايات والذكريات...
ذلك المخيم الطافح بالحنين لا يعرف معناه بحق الا من عاش فيه، وسار في زقاقة، وتجول في حواريه، وتلمس جدرانه، وقرأ ما عليها من شعارات، وشاهد ما تبقى عليها من صور، بعد ان قضم الزمن وحبات المطر من جوانبها الكثير...
تلك الحواري التي تشتم فيها رائحة النعناع والريحان والقرنفل المنبعثة من الحواكير والقوارير، وروائح اخرى متعددة تفسد علينا رائحة الطعام الزكية المنبعثة من البيوت الهشة...
تلك الحواري التي تغرق في طينها وتكتظ بخطوات العائدين من كدهم وتعبهم ومن وجع اوطانهم ايضا، تلك الخطوات الثكلى والثقيلة يخفف عنها وجع الايام صراخ الصبية وهم يلعبون ويتراكضون مرحبين باول حبات المطر ...
تلك الحبات المتساقطة في الحواري تعبث بترابه فيصبح طينا لزجا، وهذا الطين بالذات اصبح مع الايام احد اهم سمات المخيم، بعد الخيمة والبراكية والزينكو والمؤن...
ذلك المخيم الذي تغطي سطوح بيوته الواح الزينكو، له طعم اخر حين تبدا حبات المطر بالهطول عليه، نجحت فرقة اغاني العاشقين باختصار حكايته حين غنت له : لما عواميد الخيم تحكي والزينكو يطقطق على بابُ الليل والجوع بنياب السمر يشكي ياويل تجار الشعب ياويل...
في غرفة الزينكو حيث تسمع طقطقة حبات المطر فوق الواحه الصامدة والمهترئة تحت اشعة الشمس وقهر الايام، يحدث ان تصنع حبات المطر ثقبا تنفذ من خلاله الى الغرفة، فتبدا فصول حكاية اخرى؛ توزيع المواعين والعلب والطاسات والطناجر، وكل وعاء متوفر لتفادي حبات المطر التي تسيل من ثقوب الزينكو الى داخل الغرفة، وهذا ما نسميه في المخيم بالدلف ..
تلك الطقطقة وهذه المعاناة يعرفها جيدا ابناء المخيم، ومنها اكتسب المخيم سمة اخرى جديدة لوجوده ومعنى آخر لمأساته ...
تلك الطقطقة التي يحدثها المطر، لها وقع في ذاكرة ابن المخيم، لا يضاهيها الا وقع اسناننا حين نرميها بعين الشمس...
فذلك السن على هشاشته وخفة وزنه، يحدث صوتا بمجرد سقوطه على لوح الزينكو، يشبه صوت خفق القلوب وانكسار احلامها.. وهنا تبدا حكاية اخرى تغادر صفوف الحكاية الاولى، وتأخذ مسارا اخر في رحلة طويلة تتضح معالم دروبها في ثنايا حياتنا، والاسئلة التي تكبر معنا، حين تصغر الحواري، وتختفي الزقاق، ويكبر المخيم...
ومع التقاطنا لصوت سقوط اسنانا على الواح الزينكو، سقطت اول واجمل كذبات حياتنا، والتي عبثا حاول الكبار افهامنا انها معتقدات واساطير كحكايات جداتنا وامهاتنا عن جملة والذيب وابو رجل مسلوخة وابو سعد ومالك الحزين، وغيرها التي توارثناها كابرا عن كابر، وابا عن جد، بصورة متناهية متواصلة حتى اول الزمان، الذي يتصل بالشمس، والذي جائت منه اجمل القصص والحكايا، واسماء الاوطان كذلك....
كبرنا وكبر معنا السؤال، وبقيت اجابته عالقة، حاله كحال اسئلة اخرى تشببهه وتفوقه اهميةً وحضور...
مع مرور الايام وتعدد النبضات والومضات، وجدنا بعض ضالتنا فيما قاله كارل غوستاف يونع في كتابه الشهير: الإنسان ورموزه ، سيكولوجيا العقل الباطن، حيث يطرح كارل غوستاف يونغ نظريته القائمة على صياغة مفهوم اللاوعي الجمعي، الذي يمثل التراث النفسي المشترك للبشرية؛ حيث يطرح يونغ في هذا الكتاب فرضية أساسية مفادها ان الإنسان لا يفهم ذاته إلا من خلال رموزه وأحلامه وأساطيره. فالوعي وحده لا يكفي لإدراك النفس؛ بل اللاوعي يعبر عن نفسه من خلال الرموز التي تحمل رسائل عميقة.
وفي سبيل اشباع الفضول وفي معمعة البحث عن الذات واكتمال المعنى يعود ذلك السؤال او المعتقد للظهور كلما دق الكوز في الجرة ، والكوز هذا يدق لاسباب كثيرة؛ ليس اخرها ان تجد ابنك الصغير يداعب سنا له بقصد خلخلته ثم اقتلاعه والخلاص منه..
حدث ان راقبت ابني الجميل محمد وهو في اول فصول الحكاية، اقصد اولى مراحل الخلخلة، وتابعته طيلة يومين حتى اتم عملية الخلع بمساعدة شقيقته الكبرى والوحيدة فلسطين...
اطمئن قلبي على محمد بوجود شقيقته فلسطين، ففلسطين الابنة كفلسطين الوطن؛ اينما حضرت تسيدت المشهد، وسدت ونابت عن الجميع....
لم اكترث بعدها لمآلات الحكاية، وحدثت نفسي باتساع الايام لمثل هكذا حكاية ، رغم اني كنت احب ان اتابع مع ابني محمد حكاية هذا الموروث.. لكن حدث ما ارغمني على ممارسة هذا الطقس الطفولي والموروث الشعبي حين اخبرني محمد بما آل اليه السن، واين هو يقبع الان؟!
امتعضت حين اخبرني انه القى به في سلة المهملات "الزبالة". سالته؟ متى؟ اجاب: قبل شوي. اخبرته بان يذهب الى السلة ويخرجه منها. فسألني: لماذا؟ ومع سؤاله تفجرت في داخلي كل ينابيغ الحنين، وانهالت علي كل الذكريات، وعاد ليطفو على السطح ويعتلي الذكريات حكاية معتقد الطفولة الاثير:" يا شمس خذي سن الحمار وأعطيني سن الغزال” ...
كانت الدنيا ليلا ومعها لا تصلح الحكاية، وهذا ما استدركته بمجرد ان سألني ابني محمد بعد ان وجد سنه اللبني ، ماذا تريد منه يا ابي؟ قلت له: ضعه هنا، واشرت له الى حافة شباك المطبخ. اعاد محمد طرح السؤال مجددا وهو ينظف السن ويضعه على حافة شباك المطبخ..
ربت على كتفه ومشيت معه باتجاه فراشه ليخلد للنوم...اعاد السؤال فقلت له وهو يلتحف الفراش، حسنا، ان لسنك واسنانا جميعا حكاية تستحق ان تروى، انها حكاية الاباء للابناء، وهي حكايتهم الاثيرة عند سقوط الاسنان وتبدلها، وهذا ما ساخبرك به غدا في عز الظهيرة...
تبسم محمد حتى بانت اسنانه . استوضحت الامر منه، فقال: يابا انت حتى الاسنان الها قصة عندك، يابا انت كلك قصص وحكايا...
اجبت: يابُني لولا تلك القصص والحكايا لما عرفنا لذة الحياة، ولا عرفنا معها متعة ونعمة ان يكبر الابناء امام اعين الاباء ...
يا بُني؛ عبر تلك القصص والحكايا التي تزدان بها الكلمات القا وبهاء ، نجعل الحياة اجمل وافضل، فالحكايا حين تزرع الفرح، وتنثره على الناس ليس كمثلها شيء إلاّ هدية السماء الاشهر ؛ المطر.
يا بُني؛ كل ماذكرت قد يكون شعرا و نثرا، لكن عليك ان تتيقن دائما من حقيقة واحدة واضحة وضوح الشمس: اننا معشر الاباء، ومع كل قصة او حكاية او ذكرى ، نولد فيكم من جديد ...
يتبع... [١٢]
#مهند_طلال_الاخرس (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
صنع الله ابراهيم، فرادة الاسم والمسيرة
-
غسان كنفاني ، رمز الحضور المكثف 2
-
صباح الخير يا وطن ، رؤوف مسعد
-
الى جدتي هيجر في ذكراها...
-
غسان كنفاني ؛ رمز الحضور المكثف
-
دمشق ؛ رائحة الياسمين الذي لم يَغِب
-
نجم المتوسط؛ رواية تشبه سيرة صاحبها، علي حسين خلف
-
التجربة الثورية بين المثال والواقع، نديم البيطار
-
سيرة ومسيرة عابرة للحدود؛ خوسيه ماخيكا نموذجا
-
وداعاً خوسيه موخيكا
-
قراءة في الفكر السياسي والموقف الوطني عند عثمان ابو غربية، ر
...
-
رغوة سوداء ، حجي جابر
-
ظل الطريق ، يوسف ابو جيش
-
حين يعمى القلب ، وداد البرغوثي
-
ممرات هشة ، عاطف ابو سيف
-
بين الثورة والنفط ، سعيد المسحال
-
ملك كاليفورنيا : شام ، ميساء سميح ادريس
-
الصين عودة قوة عالمية، كونراد زايتس
-
عين خفشة ، رجاء بكرية
-
نواعير الذاكرة ، توفيق فياض
المزيد.....
-
ماذا قالت السلطة الفلسطينية وإسرائيل عن رفض أمريكا منح مسؤول
...
-
سفن حربية أمريكية قبالة فنزويلا.. مادورو يدعو للتطوع في المي
...
-
ميرتس يحذر من تداعيات الأزمة الفرنسية على استقرار اليورو
-
أوسلو توضح: بيع أسهم الصندوق النرويجي في شركة -كاتربيلر- الأ
...
-
محكمة الاستئناف البريطانية تلغي قرار إخلاء طالبي لجوء من فند
...
-
منظمة الصحة: نحو نصف مليون إصابة وآلالاف الوفيات بسبب الكولي
...
-
أكبر أسطول عالمي لكسر حصار غزة يستعد للإبحار من إسبانيا
-
ميزانية دفاع قياسية باليابان ورهان كبير على المسيّرات
-
هل يدفع تفعيل العقوبات الأوروبية إيران للحصول على السلاح الن
...
-
الحرب على غزة مباشر.. مقتل جندي للاحتلال وأبو عبيدة يعلن الا
...
المزيد.....
-
أعلام شيوعية فلسطينية(جبرا نقولا)استراتيجية تروتسكية لفلسطين
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
كتاب طمى الاتبراوى محطات في دروب الحياة
/ تاج السر عثمان
-
سيرة القيد والقلم
/ نبهان خريشة
-
سيرة الضوء... صفحات من حياة الشيخ خطاب صالح الضامن
/ خطاب عمران الضامن
-
على أطلال جيلنا - وأيام كانت معهم
/ سعيد العليمى
-
الجاسوسية بنكهة مغربية
/ جدو جبريل
-
رواية سيدي قنصل بابل
/ نبيل نوري لگزار موحان
-
الناس في صعيد مصر: ذكريات الطفولة
/ أيمن زهري
-
يوميات الحرب والحب والخوف
/ حسين علي الحمداني
-
ادمان السياسة - سيرة من القومية للماركسية للديمقراطية
/ جورج كتن
المزيد.....
|