أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود السلمان - الهوية الممزقة في (رياح خائنة) للروائية فوز حمزة














المزيد.....

الهوية الممزقة في (رياح خائنة) للروائية فوز حمزة


داود السلمان

الحوار المتمدن-العدد: 8414 - 2025 / 7 / 25 - 16:58
المحور: الادب والفن
    


تدور أحداث رواية "رياح خائنة" للكاتبة فوز حمزة، في عدة أماكن تبدأ من بغداد، مرورّا بصوفيا، وتستقر في أمريكا، لتسلّط الضوء على التحولات النفسية التي يعيشها الإنسان حين يُجبر على التكيف مع ظروف لا تشبه جذوره، وبيئة لا تشبه بيئته. أسلوب الرواية يعتمد على التعدد الصوتي، حيث تنقل الفصول وجهات نظر متعددة لشخصيات مختلفة، مما يثري البناء السردي ويمنح القارئ رؤية شاملة، ومعمقة في ذات الوقت، عن كل من دوافع وتناقضات الشخصيات. تتكلم بعض الشخصيات بلسانها، بينما يتولى الراوي العليم أحيانًا تقديم المشهد، ويظهر صوت ياسين (شخصية محورية) نفسه أحيانًا أخرى، مما يخلق توازنًا سرديًا بين الموضوعية والحميمية.
الرواية تُعدّ من الأعمال السردية التي تعكس صراع الهوية والغربة، والمصلحة الفردية ضمن بنية نفسية واجتماعية معقدة. تسرد الكاتبة حكاية ياسين، الطفل العراقي الذي يُنتزع من حضن عائلته ويُسلَّم إلى عائلة أمريكية بالتبني، ليبدأ رحلة طويلة من التبدّل الجذري في الهوية والاسم والانتماء، إذ يتحوّل إلى – آدم - في الولايات المتحدة، وتُعاد صياغته ثقافيًا وروحيًا وجنسيًا وفق البيئة الجديدة. كإنّ الكاتبة تحلل اشكالية دينية، حيث تفرض الظروف والبيئة على الانسان، أن يتطبع بظروف تلك البيئة، وبالتالي يكتسب الدين والمعتقد بالوراثة. في كتابي "الاسلام والطقوس الجاهلية" – مخطوط، عالجت ما يشبه تلك القضية، بإسلوب نقدي.
أحد أهم محاور الرواية هو الطموح الجامح للأم عائدة، التي تحلم بحياة أفضل لابنها في ظل الظروف الصعبة التي تعيشها في بلغاريا مع زوجها غسان. قرار التخلي عن ياسين لصالح عائلة أمريكية يُبرَّر ظاهريًا بالرغبة في منحه تعليمًا ومستقبلاً أفضل، لكنه سرعان ما ينكشف كخيانة داخلية مغلّفة بحلم زائف، إذ يُكتشف أن الطفل الذي أُعطي فرصة "التحليق" في حياة غربية يُجبر في المقابل على التخلي عن هويته، ودينه، واسمه، بل ويُعرض للانتهاك الجسدي والنفسي من قبل أحد المقربين منه. وهنا تظهر شجاعة الكاتبة في هذا الطرح المعقد، الذي تشوبه بعض المحاذير.
الرواية بشكل عام، تعالج موضوعات حساسة منها: التبني، والهوية الثقافية، والتحوّل الديني، والاغتصاب، والطمع، والتجارة بالبشر، لكنها تفعل ذلك من دون إثارة مباشرة أو افتعال بلغة تقترب من الرصانة الأدبية، حيث تُعطى كل شخصية حقها في التعبير عن دوافعها وإن بدت أنانية أو مؤلمة. لا أحد يُدان كليًا ولا أحد يُمنح البطولة المطلقة، بل يُترَك القارئ ليواجه تشظي الضمائر وتشابك الرغبات التي دفعت بالأحداث إلى مسارها الكارثي.
عائلة إيمانويل، وهي الأسرة الأمريكية التي تبنّت ياسين، لا تُقدَّم كمنقذ مثالي بل كعائلة مريضة نفسيًا وماديًا، تتصرف بدوافع مشوشة، مدفوعة بالحاجة إلى تبنّي طفل يُكمل صورتها الاجتماعية. أما المحامي وائل، الذي يُفترض أنه الوسيط القانوني، فيلعب دورًا رماديًا بين الطمع والبراغماتية - العملية، ما يجعله من أكثر الشخصيات إثارة للجدل.
بعد عقود، يعود ياسين إلى جذوره، لكن العودة لا تُعيد شيئًا فعليًا. أمه أصبحت مريضة وتائهة، والبيئة التي تركها لم تعد كما كانت. ياسين – أو آدم – يصبح شخصًا لا ينتمي بالكامل إلى أي مكان: لا أمريكا التي منحته كل شيء، ولا العراق الذي باعه، ولا بلغاريا التي احتضنته لفترة مؤقتة. هذه النهاية المفتوحة والمريرة تجسد عنوان الرواية بدقة: الرياح الخائنة ليست فقط تلك التي تهب من الخارج، بل أحيانًا تلك التي تهب من أقرب الناس إلينا، وتغير مجرى الحياة من دون رجعة.
أما بخصوص اللغة في الرواية، فهي تميل إلى التوازن بين الشاعرية والوضوح، وتحمل أحيانًا لمحات من السخرية الخفيفة أو الحزن المكثف، لكنها تبقى بعيدة عن الغموض المقصود أو التعقيد المبالغ فيه، وهذا يعود إلى ثقافة الكاتبة، وفلسفتها في الطرح. والسرد يتم بإيقاع متزن، دون استعجال، مما يسمح بالتفاعل مع المشاعر الداخلية والانهيارات النفسية التي تمر بها الشخصيات، خاصة ياسين.
في المحصلة النهائية، "رياح خائنة" ليست فقط رواية عن التبني أو الاغتراب، بل نص سردي عن الإنسان حين يُسلب منه اسمه، ولغته، وماضيه، ويُجبر على حمل ذاكرة مشوهة في عالم يطالب منه بالانتماء الكامل. إنها قصة عن الثمن الذي يُدفع باسم الحب، وباسم الطموح، وباسم الفرص، لكنها أيضًا تأمل صادق في المصير الإنساني حين تضلّه الرياح.



#داود_السلمان (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قوالب الفكر: هل تختلف أصوات المثقفين(6)
- المثقف المقولب: ضحية العصر أم صانع قيوده؟(5)
- صناعة المثقف: عندما تتحدد الأفكار قبل أن تُقال(4)
- المثقف الأسير: بين القوالب الاجتماعية والفكر المستقل(3)
- قولبة الأفكار: كيف يفقد المثقفون حريتهم؟(2)
- الهجري وفريد: النغمة الأخيرة قبل الذبح
- المثقفون في القالب: قيود الفكر الحُرّ(1)
- فيروز غنّت كلماته...والرصاص أسكته إلى الأبد
- حين يتحوّل الدعاء إلى إعلان مموّل
- التداخل الفني والاسلوبي في (متاهة عشق) للروائي العراقي علي ق ...
- أين نحن من الوجود؟
- التطبيع هل سيحل أزمة الشرق الأوسط؟
- تزوير التاريخ وتزييف الحقائق
- مَن هم القرآنيون؟
- التديّن المذهبي ضد الإسلام المُحمديّ
- لماذا تأخرنا وتقدّم غيرنا؟
- خطورة الجماعات الإسلامية: تهديد مستمر للسلم المجتمعي
- نظام الحكم في الاسلام: ثلاث نظريات
- من قداسة النص إلى عصمة الفقيه: سيرة الاستيلاء على الدين
- الفساد في العراق.. بنية مستدامة لا مجرد خلل طارئ


المزيد.....




- إحياء الذاكرة النقدية: طبعة جديدة لمرجع سلمى خضراء الجيوسي ف ...
- منار نجاة في كابل.. صراع الذاكرة التاريخية وضرورات التطوير ب ...
- مارادونا الغناء العربي.. كيف هزم جورج وسوف المعايير ببحة مكس ...
- -شركاء-.. تركي آل الشيخ يكشف عن حجم مشاركة صندوق الأفلام في ...
- -الشهداء يعودون إلى رام الله- ... الفن الفلسطيني في معركة ال ...
- ترمب ينوي إحياء حفل الاستقلال بعد انسحاب فنانين: أنا أشهر من ...
- فنانون في حديقة الحيوانات هذه يحوّلون النفايات إلى منحوتات ف ...
- وزير الثقافة اللبناني: مدينة صور تواجه خطرا يهدد إرثها العال ...
- من الرحلة إلى المجاورة.. كيف صانت التراجم المغربية ذاكرة بيت ...
- قصة حب شبيهة بالأفلام.. كيف غيرت رحلة على متن طائرة حياة هذا ...


المزيد.....

- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود السلمان - الهوية الممزقة في (رياح خائنة) للروائية فوز حمزة