أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - خيرالله قاسم المالكي - مدن الظلال














المزيد.....

مدن الظلال


خيرالله قاسم المالكي

الحوار المتمدن-العدد: 8413 - 2025 / 7 / 24 - 08:47
المحور: الادب والفن
    


قصة قصيرة

في زقاقٍ ضيق، تفوح منه رائحة العرق والرماد، كان “شوكت” يمشي بخطوات متثاقلة. لم يكن يبحث عن شيء، بل عن لحظة صمتٍ لا تعجّ بضجيج المدينة، ولا بصوت بائع الهوى وهو يقرع الطبول في زوايا الأرصفة.

كانت مدينته — تلك التي وُلد فيها وكبر على ترابها — قد غيّرت جلدها.
أزقتها التي كانت يومًا تمتلئ بضحكات الأطفال، باتت الآن مرتعًا للمنهكين من الحياة، للسكارى، للمهووسين بالهروب.
تحت سماءٍ رمادية، وأمام أضرحة الأولياء، كانت الجنائز تمرّ، بلا صلاة، بلا دموع، فقط أصوات النحيب المدفون في حناجر النساء.

“شوكت” لم يكن وحده.
كان هناك أيضًا “قمر”، فتاة في التاسعة عشرة من عمرها، تتعثر بعباءتها الطويلة كلما همّت بالركض من ظلّ إلى ظل، تتفادى نظرات باعة الليل، وتحمل في يدها الصغيرة دفتراً فارغاً، تحاول أن تملأه بالحروف كي لا تنساها المدينة.

في أحد الأيام، التقيا عند سورٍ مهدّم من الطين، فوقه آثار كفّ طفل جفّت منذ زمن.
نظر إليها وقال:
“هل تكتبين؟”
أومأت برأسها.
“أحاول أن أكتب مدينةً لا تخون أبناءها.”
ابتسم ابتسامة مُنهكة، وقال:
“حين تنجحين، خذيني معكِ.”

بدأت “قمر” تكتب عنه. عن عينَيه المطفأتين، عن جسده الذي يشبه شوارع المدينة: متعب، مشقّق، محتلّ من الداخل. وبدأ هو يحكي لها عن الأزقة، عن المقامات التي صارت تُشيَّع منها الجنائز لا تُقام فيها الصلوات، عن الأطفال الذين صاروا يعبدون الأرصفة بدلًا من الحلم.

معًا، صارا يمران كل مساء على المساطب المظللة بشجيرات الآس و”ملكات الليل”.
هناك، حيث تنبعث موسيقى مشوّهة من طبول مشقّقة، جلسا. كانت قمر تكتب، وشوكت يروي.

وذات مساء، لم يأتِ “شوكت”.

بحثت عنه في كل المقامات، في زوايا الأرصفة، عند الجدار المتهالك حيث التقيا أول مرة. لم تجده.
سألت عنه باعة الليل، قُصّابي الكلام، والسكارى. لا أحد يعرف.

بعد أيام، وجدت نعشًا صغيرًا يخرج من الجامع، بلا دف، بلا جنازة، بلا اسم.
لمحت طرف عباءةٍ مألوفة يُطوى داخل التابوت. كتبت فوقه، بخطّها المرتجف:

“هنا يرقد من كان يحاول أن يتذكّر.”

ومن يومها، لم تعد “قمر” تكتب عن المدينة. بل عنها.



#خيرالله_قاسم_المالكي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الاشتياق المر
- تَحْتَ نَارِ الرِّمَادِ
- شبح الليمون
- **أَنَا السَّجِينُ البِكْرُ**
- ذات مساء
- خريفٌ بلا أوراق
- ضياع في طريق معبد
- يا صيحة اجدادي … أيُّ دعاء تنتظرون؟
- مخاض
- قناديلها مرايا
- أذكريني – إلى فيروز
- مرسى في الخليج
- فِردَوسُ المُدُنِ الشَّقِيَّةِ
- النحل …الورد
- قَدَر
- كتابات بالماء الحر
- وصية اخيرة
- رجل في غاية الحنين
- أناشيد
- **رجل في بيت منسي**


المزيد.....




- رعب وفانتازيا وخيال علمي.. 6 أفلام سينمائية جديدة تتحدى سطوة ...
- وفاة ابن الجنوب الناقد د مالك المطلبي...
- ترامب يبكي ومقاطع من أفلام هوليوود.. حرب الصور الساخرة بين ا ...
- عرضان إضافيان لمسرحية -ما تصغروناش- في جدة
- كتاب توثيقي لعمالقة الغناء في السينما المصرية
- فيلم وثائقي ( مستر لا أحد ضد بوتين): من براءة الطفولة إلى ال ...
- عودة عرض فيلم -اعترافات سفاح التجمع- بعد انتهاء أزمته الرقاب ...
- مصطفى كامل يوضح أحدث تطورات الحالة الصحية للفنان هاني شاكر
- أصيلة تنظم الدورة الربيعية لموسمها الثقافي الـ47
- -الليلة الأخيرة في غزة-.. يسري الغول يكتب سيرة النجاة من قلب ...


المزيد.....

- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - خيرالله قاسم المالكي - مدن الظلال