زكريا كردي
باحث في الفلسفة
(Zakaria Kurdi)
الحوار المتمدن-العدد: 8381 - 2025 / 6 / 22 - 00:47
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
-" كلّ كلمة لها تَبِعَاتها، وكذلك كلّ صمت."
- Jean-Paul Sartre
اليوم ، يُحيي الوسط الثقافي والفلسفي العالمي الذكرى الـ120 لميلاد الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر، الذي جعل من *الحرية* الركيزة الأساسية لفكره الوجودي.
لقد كان سارتر يؤمن بشدة ، أن الإنسان ليس كائناً حُرًّا بطبيعته وحسب ، بل عليه واجبًا أخلاقيًا تجاه تلك الحرية..
و هذه " الحرية " ليست منحة خفيفة الظل ، بل مسؤولية ثقيلة ، تُثقل كاهل الإنسان وتجعله محكومًا بالضرورة بها ، (على حد تعبيره.
و لأن الحرية تتضمّن المسؤولية بالضرورة ، نجد كيف يسعى الانسان الى الهروب من عناء هذه الحرية ، حيناً عن وعي ، و في أحايين كثيرة يهرب دون شعور او حتى وعي ،
و يتجلى ذلك الهرب الملحوظ ، في التبرير و تعليق اسباب الفشل أو كثرة القيود، على الآخرين أو الظروف أو الهوية،
بحيث نجد كثير منا على سبيل المثال يقول :
" لقد خرج الامر من يدي ، أو لا حيلة لي ، أو أنا هكذا هو حالي وسيبقى " و كأن هذا الانسان الهارب من المسؤولية لا يملك خيارًا آخر ، أو أي مساحة للتحرك ..
لكن سارتر أنتفض على ذلك التقاعس و تضليل الذات ، ورأى الإنسان مختلف عن الأشياء لأنه فعال واعٍٍ ، ولهذا يُمكنه دومًا ، أن يُراجع نفسه، ويعي ظروفه و و ويتجاوزها.
في تلك المسافة بالضبط ، بين الذات والوعي تكمن حرية الاختيار، أو ما يُسميه " مشروع الحياة"، حيث يستطيع المرء أن يصوغ ذاته كما يشاء ويريد .
لقد سعى سارتر -طوال حياته- للجمع بين فكره الوجودي والايديولوجيا الماركسية ، معتبرًا إياها الإطار السياسي الأوسع الذي لا مفر منه.
و رأى أن العلاقات بين البشر تُبنى على صراعات قوى باستمرار ،
و تجلّى ذلك في مسرحيته الشهيرة *"خلف الأبواب المغلقة"* من خلال عبارته المدوية والحزينة : *"الجحيم هو الآخرون."
لكن وللحق ، فإن تلك النظرة المتشائمة للعلاقات بين البشر لم ترضِ سارتر طويلًا.
فقد اكتشف أن الاعتماد على الحرية وحدها دون الاعتراف بحقيقة التشابك أو التواصل الإنساني، قد يؤدي إلى عزلة قاسية ومدمرة. ولذلك استمر حتى الرمق الأخير من حياته ، في البحث عن طرق جديدة للتعايش ، لا يكون فيها الآخر خصماً بالضرورة .
قصارى القول :
ما يجعل فكر سارتر حيًّا حتى اليوم - في تقديري - لا يكمن فقط في أصالته الفلسفية ، كفهم بحثي او فلسفي متسائل بصدق فحسب ، بل في نداءه الأخلاقي العميق أيضًا ، المتضمن دعوة ملهمة لمواجهة مسؤوليتنا كبشر واعين ، أمام ما يجري من أحداث ووقائع أو خطوب ، ولتشجيعنا على التحرّر من الأعذار الواهية التي تعيقنا، وبالتالي دعوتنا الى الانطلاق في رحلة تشكيل واكتشاف الذات الانسانية المستقلة والواعية ، الساعية في جوهرها الحي نحو عقل وجود أفضل ..
zakariakurdi
#زكريا_كردي (هاشتاغ)
Zakaria_Kurdi#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟