|
|
الْعَقْل التِّقَنِيّ ؛ -الْجُزْءِ الثَّانِي-
حمودة المعناوي
الحوار المتمدن-العدد: 8346 - 2025 / 5 / 18 - 16:50
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
_ بِدَائِل الْعَقْلِ التِّكْنُولُوجْيّ فِي الْمُجْتَمَعَاتِ الْحَدِيثَة
لَقَدْ أَدَّى تَسَارُع وَتِيرَة التَّقَدُّم التِّكْنُولُوجْيّ فِي الْعُقُودِ الْأَخِيرَةِ إلَى هَيْمَنَة "الْعَقْلِيَّة التِّكْنُولُوجِيَّة" فِي الْعَدِيدِ مِنَ الْمُجْتَمَعَاتِ الْحَدِيثَة. تُعْطِي هَذِهِ الْعَقْلِيَّة الْأَوْلَوِيَّة لِلْحُلُول التِّكْنُولُوجِيَّة وَ الْكَفَاءَة عَلَى حِسَابِ إعْتِبَارَات إِنْسَانِيَّة أُخْرَى، وَغَالِبًا مَا تَفْشَل فِي مُعَالَجَةِ الْعَوَاقِب الِإجْتِمَاعِيَّةِ وَالثَّقَافِيَّةِ وَالْأَخْلَاقِيَّة الأَعْمَّق لِلتَّكْنُولُوجْيات الْجَدِيدَةُ. وَمَعَ ذَلِكَ، هُنَاكَ عِدَّة مَنَاهِج بَدِيلَة يُمْكِنُ أَنْ تُسَاعِدَ فِي مُوَازَنَةِ تَأْثِير التِّكْنُولُوجْيَا وَ إسْتَعَادَة وَجْهَّة نَظَر أَكْثَر شُمُولِيَّة وَإِنْسَانِيَّةٍ فِي مُجْتَمَعَاتِنَا. تُعْتَبَر إحْدَى الْبَدَائِل الرَّئِيسِيَّة هِي التَّرْكِيزِ عَلَى تَطْوِير الْوَعْي الذَّاتِيّ، وَالذَّكَاء الْعَاطِفِيّ، وَالْمَمَارَسَات التَّأَمُّلِيَّة. مَعَ تَزَايُدِ الْوَسَائِط الرَّقْمِيَّة وَالْأَتْمَتَّة فِي حَيَاتِنَا، يُوجَدْ خَطَر الِإنْفِصَالِ عَنْ تِجَارَبَّنَا الدَّاخِلِيَّة، وَعَلَاقَاتنا، وَإِحْسَاسِنا بِالْهَدَف. يُمْكِنُ أَنْ تُسَاعِدَ مُمَارَسَات مِثْلُ التَّأَمُّل، وَالِإنْتِبَاه الذَّاتِيّ، وَتَنْمِيَة التَّعَاطُف فِي مُقَاوَمَةِ هَذَا الِإتِّجَاهَ وَالْحِفَّاظ عَلَيْنَا مَتَأصْلَيْن فِي إِنْسَانِيٍّتَنَا الْأَسَاسِيَّةِ. هُنَاكَ بَدِيلٌ آخَر حَاسِم هُوَ إصْلَاحٌ نَظْم التَّعْلِيم لِوَضْع emphasis أَكْبَرُ عَلَى الْعُلُومِ الْإِنْسَانِيَّةِ وَ الْفُنُون وَالْعُلُوم الِإجْتِمَاعِيَّة. غَالِبًا مَا أَصْبَح التَّعْلِيم الْحَدِيث مَتْرُكزا بِشَكْلٍ ضَيَّقَ عَلَى الْمَهَارَات الفَنِّيَّة و"جَاهِزيَّةِ الْعَمَلُ" عَلَى حِسَابِ تَنْمِيَة التَّفْكِير النَّقْدِيّ، وَالْوَعْي الثَّقَافِيّ، وَالْمَنْطِق الْأَخْلَاقِيّ. مِنْ خِلَالِ إسْتِعَادَة أَسَاس إِنْسَانِيّ قَوِيٌّ فِي الْمَدَارِسِ وَالْجَامِعَاتِ، يُمْكِنُنَا تَجْهِيز الشَّبَاب بِالْمَوَارِد الْفِكْرِيَّة وَ الْأَخْلَاقِيَّة لِلتَّعَامُلِ مَعَ مَشْهَد تِكْنُولُوجِيّ مُعَقَد بِشَكْل مُتَزَايِد. عِلَاوَةٌ عَلَى ذَلِكَ، يُمْكِنُ أَنْ يُسَاعِدَ تَعْزِيز الْمُجْتَمَعَاتِ الْقَوِيَّةِ وَ الْمُشَارَكَة الْمَدَنِيَّة كَوَسِيلَة مُوَازَنَة لِمُيُّول أَنْظِمَة التِّكْنُولُوجْيَا الْمَعْزُولَة وَالضَّعِيفَة. عِنْدَمَا يَكُونُ النَّاسُ مُتَوَرْطَيْن بِنَشَاطٍ فِي إتِّخَاذِ الْقَرَارَات الْمَحَلِّيَّة، وَالْمُسَاعَدَة الْمُتَبَادَلَة، وَرِعَايَة الْمَوَارِد الْمُشْتَرَكَةِ، فَإِنَّهُ يُسَاعِدُ عَلَى تَأْكِيدِ الْوَكَالَة الْإِنْسَانِيَّة وَأَهَمِّيَّة الْمُنَاقَشَة الْجَمَاعِيَّة عَلَى السَّيْطَرَة التِّقْنِيَّة مِنْ الْأَعْلَى. بَدِيل آخَرَ هُوَ تَبَّنِي نَهْج أَيَكُولُوجِيّ وَمُسْتَدَامٌ يُحْتَرَم الْعَالِم الطَّبِيعِيّ وَمَقَايِيس بَشَرِيَّة. لَقَدْ كَانَ لِلْعَديد مِنْ التِّقْنِيَّات الْحَدِيثَة تَأْثِيرَات بِيئِيَّة مُدَمِّرَة، مِمَّا سَاهَمَ فِي تَغَيُّرِ الْمُنَاخِ، وَفِقْدَان التَّنَوُّع الْبَيُولُوجِيّ، وَإسْتِنْزَاف الْمَوَارِدِ. مِنَ خِلَالِ التَّحَوُّل نَحْو الطَّاقَةِ الْمُتَجَدِّدَةِ، وَالزِّرَاعَة التَّجْدِيدِيَّة، وَالْأَنْظِمَةِ الْمُجْتَمَعِيَّة اللَّامركزيَّة يُمْكِنُنَا الِإبْتِعَادِ عَنِ مُيُول التَّطْوِير التِّكْنُولُوجْيّ الِإسْتِغْلَالِيَّة. أَخِيرًا، يُمْكِنُ أَنْ يُسَاعِدَ التَّرْكِيزِ عَلَى التَّعْبِيرِ الْفَنِّيُّ وَالْإِبْدَاعي فِي مُوَازَنَةِ هَيْمَنَة التَّفْكِير التِّكْنُولُوجْيّ. يُمْكِنُ أَنْ تُشْكِل الْفُنُون، بِجَمِيع أَشْكَالِهَا، نُقْطَة مُضَادَّة قَوِيَّة لِمَنْطق التِّكْنُولُوجْيَا التَّبْسِيطي، حَيْثُ تَقَدَّمَ أَنْمَاط بَدِيلَة لِصُنْع الْمَعْنَى، وَتَجَارِب جَمَالِيَّة، وَإسْتِكْشَاف خَيَالِيّ. مِنْ خِلَالِ رِعَايَة الْمَنَافِذ الْإِبْدَاعِيَّة وَالتَّنَوُّع الثَّقَافِيّ، يُمْكِنُنَا تَعْزِيز نَسِيجٌ إجْتِمَاعِيّ أَغْنَى وَأَكْثَر حَيَّوِيَّة لَا يَتِمُّ تَعْرِيفِه فَقَطْ مِنْ خِلَالِ التَّقَدُّم التِّكْنُولُوجْيّ. فِي الْخِتَامِ، بَيْنَمَا جَلَبْت الْعَقْلِيَّة التِّكْنُولُوجِيَّة بِلَا شَكٍّ الْعَدِيدِ مِنَ الْفَوَائِدِ، فَإِنَّهَا تُشْكِلُ أَيْضًا مَخَاطِر كَبِيرَةٌ عَلَى رِفَاهيتنا الْفَرْدِيَّةُ وَالْجَمَاعِيَّة. مِنْ خِلَالِ تَبَّنِي بَدَائِل تُعْطِي الْأَوْلَوِيَّة لِلْوَعي الذَّاتِيُّ، وَالتَّعْلِيم الْإِنْسَانِيّ، وَالْمُشَارَكَة الْمُجْتَمَعِيَّة، وَالِإسْتِدَامَة البِيئِيَّة، وَالتَّعْبِير الْفَنِّيُّ، يُمْكِنُنَا الْعَمَلِ نَحْوِ مُسْتَقْبِل أَكْثَر تَوَازَنَا وَإِنْسَانِيَّة، وَاحِد يَعْتَرِفْ بِالتَّعْقِّيد الَّذِي لَا يُمْكِنُ إخْتِزَالَه لِلتَّجْرِبَة الْبَشَرِيَّة.
_ الْعَقْلِ وَالتِّقْنِيَة فِي الْفَلْسَفَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ
الْفَلْسَفَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ هِيَ حَقْل فِكْرِي يَتَمَيَّز بِالتَّوْفِيقِ بَيْنَ التَّأَمُّل الْعَقْلِيّ وَالرُّؤْيَة الدَّيْنِيَّةِ. فِي هَذَا السِّيَاقِ، فَإِنْ الْعَلَاقَةِ بَيْنَ الْعَقْلِ وَالتِّقْنِيَة تُعْتَبَر مُحَوَّريَّةِ فِي الْفَلْسَفَةِ الْإِسْلَامِيَّة. بِدَايَة، لَا بُدَّ مِنْ الْإِشَارَةِ إلَى أَنْ الْقُرْانَ الْكَرِيمَ أَوْلَى إهْتِمَامًا كَبِيرًا بِالْعَقْل وَأَهَمِّيَّتِهِ فِي الْوُصُولِ إلَى اللَّهِ وَالْكَشْفِ عَنْ الْحَقَائِقِ. فَاَللَّهُ تَعَالَى خَاطَبَ النَّاسَ بِمَا يَعْقِلُونَ وَلَا يُكَلِّفُهُمْ بِمَا لَا يُطِيقُونَ، وَهَذَا يُؤَكِّدُ عَلَى التَّوَافُقِ بَيْنَ النُّصُوصِ الدِّينِيَّة الْقَطْعِيَّة وَالْمَعَارِف الْعَقْلِيَّةَ الْإِنْسَانِيَّةَ. فِي هَذَا الْإِطَارِ، ظَهَرَتْ مَدَارِس فَكَرْيَّة إسْلَامِيَّة مُخْتَلِفَة كَالْمَشَائِيَّة وَالْإِشْرَاقِيَّة وَ الْكَلَامِيَّةِ، سَعَتْ جَمِيعُهَا إلَى التَّوْفِيقِ بَيْنَ النَّقْلِ الدِّينِيّ وَالْعَقْلُ وَقَدْ أَثّْرَى هَذَا التَّوَافُقُ بَيْنَ النَّقْلِ وَالْعَقْلِ فِي الْفِكْرِ الْإِسْلَامِيِّ ظُهُور عِلْمِ الْكَلَامِ، الَّذِي يَهْدِفُ إِلَى إثْبَاتِ الْعَقَائِدِ الدِّينِيَّةِ بِالْحُجَج الْعَقْلِيَّة وَالفَلْسَفِيَّة. عَلَى صَعِيدِ التِّقْنِيَّة، فَإِنْ الْفَلْسَفَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ لَمْ يُّنْظَرْ إلَيْهَا بِإعْتِبَارِهَا مُجَرَّد أَدَوَات مَادِّيَّة، بَلْ رَبَطَتْهَا بِالْبُعْد الْإِنْسَانِيّ وَالْأَخْلَاقِيّ. فَالتَّقَنُّيَة فِي الْفَلْسَفَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ هِيَ وَسِيلَةٌ لِخِدْمَةِ الْإِنْسَانِ وَتَحْسِين أَوْضَاعِه الْمَعِيشِيَّة، وَلَيْسَ غَايَةً فِي حَدِّ ذَاتِهَا. وَيَتَجَلَّى ذَلِكَ فِي إهْتِمَامٍ الْفَلَاسِفَة الْمُسْلِمِين بِالْجَوَانِب الْأَخْلَاقِيَّة وَالْقِيمَيَّة لِلتِّقْنِيَّةِ، وَ الْحَذَرِ مِنْ إسْتِخْدَامِهَا بِطَرِيقَة تَضُرُّ بِالْإِنْسَانِ أَوْ تَتَنَافَى مَعَ الْمَبَادِئ الْإِسْلَامِيَّةِ. كَمَا أَنَّ الْفَلْسَفَةَ الْإِسْلَامِيَّة رَبَطَتْ التِّقْنِيَّة بِالْعَقْلِ الْبَشَرِيِّ، بِإعْتِبَارِ أَنَّ التَّطَوُّر التِّقَنِيّ هُوَ ثَمَرَةُ لِمُمَارَسَة الْعَقْلِ وَالتَّفْكِيرِ. فَالْعَقْل هُوَ الْمُحَرِّكُ الْأَسَاسِيُّ لِلنَّشَاط التِّقَنِيّ، وَاَلَّذِي يَقُومُ بِالِإبْتِكَار وَالْإِبْدَاعُ وَالتَّطْوِير. وَفِي الْمُقَابِلِ، فَإِنْ التِّقْنِيَّة تُسَاعِدُ عَلَى تَنْمِيَةِ الْعَقْل وَتَوْسِيع قُدُرَاتِهِ الْمَعْرِفِيَّةِ. وَ بِذَلِكَ تَتَحَقَّقُ عَلَاقَة تَكَامُلِيٍّة بَيْنَ الْعَقْلِ وَالتِّقْنِيَة فِي الْفَلْسَفَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ. وَمِنْ جِهَةِ أُخْرَى، أَكَّدَتْ الْفَلْسَفَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ عَلَى ضَرُورَةِ ضَبْط التِّقْنِيَّة بِالْقِيَمِ وَالْمَبَادِئِ الْأَخْلَاقِيَّة، حَتَّى لَا تُؤَدَّي إِلَى نَتَائِجَ سَلْبِيَّةٍ عَلَى الْإِنْسَانِ وَالْمُجْتَمَعِ. فَالتَّقَنُّيَة لَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ هَدَفًا فِي حَدِّ ذَاتِهَا، بَلْ وَسِيلَةٌ لِتَحْقِيقِ الْخَيْر وَالرَّفَاهِيَة لِلْإِنْسَانِ. وَهَذَا مَا جَعَلَ الْفَلَاسِفَة الْمُسْلِمِين يَرْبِطُون التَّقَدُّم التِّقَنِيّ بِالْمَنْظُور الْأَخْلَاقِيّ وَالدِّينِيّ. فِي الْخِتَامِ، يُمْكِنُ الْقَوْلُ أَنَّ الْفَلْسَفَةَ الْإِسْلَامِيَّة نَظَرْت لِلْعَلَاقَةِ بَيْنَ الْعَقْلِ وَ التِّقْنِيَة مِنْ مَنْظُورٍ مُتَوَازِن، حَيْثُ أَكَّدَتْ عَلَى أَهَمِّيَّةُ الْعَقْلِ فِي تَوْجِيهِ التِّقْنِيَّة وَضَبَطَهَا بِالْقِيَم الْأَخْلَاقِيَّة، فِي الْوَقْتِ الَّذِي رَأَتْ فِيهِ التِّقْنِيَّة ثَمَرَة لِمُمَارَسَة الْعَقْل وَتَوْسِيع قُدُرَاتِه. وَبِذَلِكَ تَتَحَقَّقُ عَلَاقَة تَكَامُلِيٍّة بَيْنَ الْعَقْلِ وَالتِّقْنِيَة فِي إِطَارِ الْمَنْظُور الْفَلْسَفِيّ وَالدِّينِيّ الْإِسْلَامِيّ.
_ التَأْثِيرَات التِّقْنِيَّة عَلَى الْأَخْلَاقِ فِي الْمُجْتَمَعِ
تُؤَثِّر التِّقْنِيَّة عَلَى الْأَخْلَاقِ فِي الْمُجْتَمَعِ بِطُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ، سَوَاء إيجَابًا أَوْ سَلْبًا. التِّقْنِيَّة الْحَدِيثَة، وَخَاصَّة وَسَائِل التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ وَالِإنْتِرْنِت، أتَاحَتْ فُرَصًا لِلِإنْتِهَاك الْأَخْلَاقِيّ وَالْقَيِّم الْمُجْتَمَعِيَّة. بِفَضْل إنْتِشَارِ الْهَوَاتِفِ الذَّكِيَّةِ وَ التَّطْبِيقَات الْمُخْتَلِفَةِ، أَصْبَحَ مِنْ السَّهْلِ نَشْر مُحْتَوَى غَيْر أَخْلَاقِيّ وَإِسَاءَة إسْتِخْدَام الْخُصُوصِيَّة، مِثْل نَشْر صُوَرٌ شَخْصِيَّةٌ أَوْ مَعْلُومَات دُونَ مُوَافَقَةِ. كَمَا أَنَّ سُرْعَةَ إنْتِشَار الْمَعْلُومَات عَبْرَ الْإِنْتَرْنِتِ قَدْ سَهُلَتْ إنْتِشَار الْأخْبَار الْكَاذِبَةِ وَخِطَاب الْكَرَاهِيَة بَيْن الْمُجْتَمَعَات. عِلَاوَةً عَلَى ذَلِكَ، أَدَّتْ بَعْض الْأَلْعَاب الْإِلِكْتِرُونِيَّة وَالْمُحْتَوَى التَّرْفِيهي الْعَنِيفِ إِلَى تَشْجِيعِ السُّلُوكِيات الْعُدْوَانِيَّة وَالْعِنِّيفَة، خَاصَّةً بَيْنَ الشَّبَابِ. فَالتَّعَرُّض الْمُتَكَرِّر لِمَشَاهِد الْعُنْف وَالسَّلْوَكَيَّات غَيْرَ الْأَخْلَاقِيَّة قَدْ يُؤَدِّي إلَى تَقَبُلَهَا وَ إعْتِبَارُهَا أَمْرًا طَبِيعِيًّا. فِي الْمُقَابِلِ، سَاهَمَت التِّقْنِيَّة أَيْضًا فِي تَعْزِيزِ الْأَخْلَاقِ وَالْقِيَمِ فِي بَعْضِ الْمَجَالَاتِ. فَعَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ، وَفَرَّتْ وَسَائِل التَّوَاصُلِ الِإجْتِمَاعِيِّ فُرَصًا لِلتِّضَامِن وَ التَّعَاوُنِ بَيْنَ النَّاسِ فِي أَوْقَاتِ الْأَزَمَات وَالكَوَارِث. كَمَا أتَاحَتْ التِّقْنِيَّة إِمْكَانِيَّة الْوُصُولِ إلَى الْمَزِيدَ مِنْ الْمَعْرِفَةِ وَالْمَعْلُومَات الَّتِي مِنْ شَأْنِهَا تَنْمِيَة الْوَعْي الْأَخْلَاقِيّ. عِلَاوَةً عَلَى ذَلِكَ، سَاعَدَتْ التِّقْنِيَّات الْحَدِيثَةِ فِي مَجَالِ الرِّعَايَةِ الصِّحِّيَّةِ عَلَى تَحْسِينِ جَوْدَة الْخِدْمَات الطِّبِّيَّة وَتَوْفِير عَلَاجَات أَفْضَلُ، مِمَّا إنْعَكَسَ إيجَابًا عَلَى الْأَخْلَاقِ الْمِهَنِيَّةِ فِي هَذَا الْمَجَالِ. كَمَا سَهُلَتْ التِّقْنِيَّة إجْرَاءَات الْمُسَاءَلَة وَالْمُحَاسَبَة، مِمَّا يُعَزِّز الشَّفَّافِيَّة وَالنَّزَاهَة فِي الْمُؤَسَّسَات وَالْحُكُومَات. لِمُوَاجَهَةِ التَّحَدِّيَاتِ الْأَخْلَاقِيَّة النَّاجِمَةِ عَنِ التِّقْنِيَّة، هُنَاكَ حَاجَةٌ إلَى وَضْعِ إِطَار أَخْلَاقِيّ وَتَشْرِيعِيّ يَحْكُمُ إسْتِخْدَام هَذِهِ التِّقْنِيَّات. يَجِبُ عَلَى الْحُكُومَات وَالمُؤَسَّسَات الْعَمَلِ عَلَى تَطْوِير سِيَاسَات وَقَوَانِين تَضَمَّن الِإسْتِخْدَام الْأَمْثَل لِلتِّقْنِيَّة وَحِمَايَة الْحُقُوق الْأَسَاسِيَّة، مِثْل الْخُصُوصِيَّة وَالْأَمَانِ. كَمَا يَجِبُ عَلَى الْمُجْتَمَعِ، بِمَا فِي ذَلِكَ الْمُؤَسَّسَات التَّعْلِيمِيَّة وَالْأَسْر، تَعْزِيز الْوَعْي وَالتَّرْبِيَةِ الْأَخْلَاقِيَّةِ لَدَى الْأَفْرَادِ لِتَمْكِينِهِمْ مِنْ التَّعَامُلِ بِمَسْؤُولِيَّة مَع التِّقْنِيَّات الْحَدِيثَة. فَالتَّوَازِن بَيْنَ الِإسْتِفَادَةِ مِنَ مَزَايَا التِّقْنِيَّة وَصِيَانَة الْقِيَمِ الْأَخْلَاقِيَّةِ أَمْرٌ بَالِغٌ الْأَهَمِّيَّة لِمُسْتَقْبَل الْمُجْتَمَعَات. بِالْإِجْمَال، تُؤَثِّر التِّقْنِيَّة عَلَى الْأَخْلَاقِ فِي الْمُجْتَمَعِ بِطُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وَلَا بُدَّ مِنْ إتِّخَاذِ الْإِجْرَاءَات الضَّرُورِيَّة لِتَعْزِيز الْجَوَانِب الْإِيجَابِيَّة وَتَقْلِيل الْأثَار السَّلْبِيَّةِ، مِنْ خِلَالِ وَضَع أُطُرٍ أَخْلَاقِيَّة وَتَشْرِيعِيَّة مُنَاسَبَةُ وَالتَّرْبِيَةِ عَلَى الْقَيِّمِ الْأَخْلَاقِيَّة.
_ التَّحَدِّيَات الْأَخْلَاقِيَّة الَّتِي تَوَاجَه الْعَقْل التِّقَنِيّ
إنْ تَطَوُّر التِّقْنِيَّة وَالذَّكَاء الِإصْطِنَاعِيّ يُثِير الْعَدِيدِ مِنَ التَّحَدِّيَات الْأَخْلَاقِيَّةِ الَّتِي تُوَاجِهُ الْمُجْتَمَعِ الْيَوْمَ. مِنْ أَبْرَزِ هَذِهِ التَّحَدِّيَات الْخُصُوصِيَّة وَالْأَمْن الْمَعْلُومَاتِي. مَعَ الِإنْتِشَارِ الْكَبِير لِتَقْنِّيَّات جَمْعُ الْبَيَانَات وَالْمَعْلُومَات الشَّخْصِيَّة، هُنَاك تَحَدِّيَات كَبِيرَةٍ تُوَاجِهُ مَسَائِل الْخُصُوصِيَّة وَالسَّرِيَّة. فَالتَّقَنُّيَات الْحَدِيثَةِ كَالْمُرَاقَبَة الشَّامِلَة وَالتَّعَرُّفِ عَلَى الْوُجُوهِ وَتَتَبُّع الْمَوَاقِع أَصْبَحْت تُهَدِّد الْحَقِّ فِي الْخُصُوصِيَّةِ وَالتَّحَكُّم بِالْمَعْلُومَات الشَّخْصِيَّة. وَيُثِير هَذَا الْأَمْرِ تَسَاؤُلَات أَخْلَاقِيَّة حَوْل الْحُدُود الْمَقْبُولَة لِإسْتِخْدَام هَذِه التِّقْنِيَّات وَكَيْفِيَّةُ ضَمَانِ حِمَايَة الْمَعْلُومَات الْحَسَّاسَة لِلْأَفْرَاد. كَمَا أَنَّ مَعَ تَزَايُدِ إسْتِخْدَام الذَّكَاء الِإصْطِنَاعِيّ فِي إتِّخَاذِ قَرَارَات مُؤَثِّرَة عَلَى الْبَشَرِ، تَبْرُز قَضَايَا أَخْلَاقِيَّة مُعَقَّدَة حَوْل الْمَسْؤُولِيَّة. فَفِي حَالِ إرْتِكَاب الأَنْظِمَة الْقَائِمَةِ عَلَى الذَّكَاء الِإصْطِنَاعِيّ أَخْطَاء أَوْ قَرَارَات مُسِيئَة، مَنِ الْمَسْؤُولُ عَنْهَا، الْمُبْرَمِجون، الشَّرِكَاتُ الْمُطَوِّرَة، أَمْ الأَنْظِمَة ذَاتِهَا؟ وَكَيْفَ يُمْكِنُ مُحَاسَبَة هَذِهِ الْأَطْرَافَ أَخْلَاقِيًّا وَ قَانُونٍيا؟ هَذِهِ الْأَسْئِلَةِ تَوَاجَه مُطَوَّري وَمُسْتَخْدِمِيّ الذَّكَاءُ الِإصْطِنَاعِيّ. وَقَدْ تُسْفِر التِّقْنِيَّات الْحَدِيثَة، وَخَاصَّة أَنْظِمَة الذَّكَاء الِإصْطِنَاعِيّ، عَنْ نَتَائِجَ مُتَحَيِّزَة أَوْ تَمْيِيزِيَّة بِسَبَبِ الْبَيَانَات التَّدْرِيب الْمُسْتَخْدَمَةُ أَوْ تَصْمِيم الْخَوَارِزْمِيَّات. عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ، قَدْ تَظْهَرُ أَنْظِمَة التَّوْظِيف الْآلِيَّة مُيُولًا ضِدّ مُرْشِحين مِنْ أَقَلَّيات مُعَيَّنَةٍ. هَذِهِ الْمُشْكِلَةَ تَطْرَح تَسَاؤُلَات أَخْلَاقِيَّة حَوْل كَيْفِيَّةِ ضَمَانِ مَوْضُوعِيَّة وَعَدَالَة الْقَرَارَات الَّتِي تَتَّخِذُهَا الْآلَاتِ. مِنْ جَانِبِ هُنَاك إشْكَالِيَّة الْعَمَالَة الْبَشَرِيَّة. مَعَ تَزَايُدِ إسْتِخْدَام الْآلَآت وَالرُوبُوتَات فِي مَجَالَاتِ مُخْتَلِفَة، هُنَاك قَلَق أَخْلَاقِيّ مُتَزَايِد بِشَأْن فُقْدَان الْوَظَائِف الْبَشَرِيَّة. فَالتَّقَنُّيَات الْحَدِيثَةِ كَالذَّكَاء الِإصْطِنَاعِيّ وَالْأَتْمَتَّة قَدْ تُؤَدِّي إلَى إسْتِبْدَال الْعِمَالَة الْبَشَرِيَّةِ فِي الْعَدِيدِ مِنَ الْمَجَالَاتِ. وَيُثِير هَذَا تَسَاؤُلَات أَخْلَاقِيَّة حَوْلَ مَدَى مَسْؤُولِيَّة الشَّرِكَات وَالْحُكُومَات فِي ضَمَانِ الْحِمَايَة الِإجْتِمَاعِيَّةِ وَالِإقْتِصَادِيَّةِ لِلْعُمَّال الْمُتَأَثِّرِين. مِنْ جَانِبِ آخَرَ تُطْرَح إشْكَالِيَّة الْأَسْلِحَة وَالْقِتَال الْآلِي. تُثِير تَطَوُّرَات الذَّكَاء الِإصْطِنَاعِيّ وَالرُّوبُوتَات العَسْكَرِيَّةَ قَضَايَا أَخْلَاقِيَّة حَادَّة بِشَأْن أَخْلَاقِيَّات الْحَرْبِ وَالْقِتَالِ الْآلِي. فَإسْتِخْدَام أَنْظِمَة أَسْلِحَة ذَاتِيَّة التَّشْغِيل أَوْ بَرَامِج تَسْتَهْدِف أَهْدَافًا بَشَرِيَّة دُونَ تَدَخُّلٍ بَشَرِي يَطْرَحُ أَسْئِلَةً حَوْلَ الْمَسْؤُولِيَّة وَالعَوَاقِب الْأَخْلَاقِيَّة لِلْقَتْل الْآلِي. كَمَا أَنَّ هَذِهِ التَّطَوُّرَات تُنْذِر بِتَصْاعد سِبَاقٌ الَّتِسلح وَزِيَادَةُ فَتَك الْأَسْلِحَة. إنْ التِّقْنِيَّات الْحَدِيثَة تُؤَثِّر بِشَكْلٍ كَبِيرٍ عَلَى حَيَاتِنَا اليَوْمِيَّةِ وَتَفَاعُلِاتِنَا الِإجْتِمَاعِيَّةِ. فَالْإِفْرَاط فِي إسْتِخْدَامِ الْأَجْهِزَةِ الرَّقْمِيَّةِ وَ الشَّبَكَات الِإجْتِمَاعِيَّةِ قَدْ يُؤَدِّي إلَى عُزْلَةٍ إجْتِمَاعِيَّة وَتَرَاجَع الْمَهَارَات الِإجْتِمَاعِيَّة وَالتَّوَاصُل الْإِنْسَانِيّ. كَمَا أَنَّ تَطْبِيقَات الذَّكَاء الِإصْطِنَاعِيّ فِي مَجَالَاتِ كَالتَّعْلِيم وَالرِّعَايَةِ الصِّحِّيَّةِ قَدْ تُؤَدِّي إلَى تَغْيِيرِ جِذْرِيٍّ فِي طَرِيقَة تَفَاعَلْنَا مَعَ الْمُؤَسَّسَات وَ الْخَدَمَات. وَهَذَا يَطْرَحُ تَسَاؤُلَاتٍ أَخْلَاقِيَّة حَوْل الْحُدُود الْمَقْبُولَة لِتَأْثِير التِّقْنِيَّة عَلَى حَيَاتِنَا. فِي مُجْمَلِ الْقَوْلِ، إنَّ التَّقَدُّمَ التِّقَنِيّ السَّرِيع وَإنْتِشَار تِقْنِيَات الذَّكَاء الِإصْطِنَاعِيّ يُثِير الْعَدِيدِ مِنَ التَّحَدِّيَات الْأَخْلَاقِيَّة الْمُعَقَّدَة. وَيَتَطَلَّب التَّعَامُلِ مَعَ هَذِهِ التَّحَدِّيَات تَطْوِير أُطُرٍ أَخْلَاقِيَّة وَتَنْظِيمِيَّة قَوِيَّةً لِضَمَانٍ أنْ يَكُونَ التَّطَوُّرُ التِّقَنِيِّ فِي خِدْمَةِ الْبَشَرِيَّةِ وَ لَيْسَ عَلَى حِسَابِهَا. وَيَتَطَلَّب ذَلِك مُشَارَكَة مُتَعَدِّدَة الْأَطْرَافِ مِنْ صُنَّاعِ السِّيَاسَات وَالْخَبْرَاء الأَكَادِيمِيِّين وَالْمُجْتَمَع الْمَدَنِيّ لِوَضْع ضَوَابِط وَحُلُول مُنَاسَبَة.
_ كَيْفَ يُمْكِنُ لِلْعَقْل التِّقَنِيّ أَنْ يُعَزِّزَ أَوْ يَضْعُفُ الْعَلَاقَاتِ الْإِنْسَانِيَّةِ
الْعَقْلُ التِّقَنِيّ يُمْكِنُ أَنْ يُؤَثِّرَ عَلَى الْعَلَاقَاتِ الْإِنْسَانِيَّةِ بِطُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ، سَوَاء بِتَعْزِيزِها أَوْ بِالْإِضْرَار بِهَا. مِنْ الْجَوَانِبِ الْإِيجَابِيَّة، يُمْكِن لِلتَّكْنُولُوجْيَا أَنْ تُسَهِّلَ التَّوَاصُل وَالتَّفَاعُل بَيْنَ النَّاسِ عَبَّرَ وَسَائِلَ مِثْلَ الْمُكَالَمَات الْفَيْدِيُّويَّةُ وَ الرَّسَائِلُ الْفَوْرِيَّةُ. كَمَا أَنَّهَا تَسَمُّح لِلنَّاس بِالْبَقَاءِ عَلَى إتِّصَالِ مَعَ أَصْدِقَائِهِمْ وَأَحِبَّائِهِمْ حَتَّى لَوْ كَانُوا عَلَى مَسَافَاتٍ بَعِيدَةٍ. وَمِنْ الْجَوَانِبِ السَّلْبِيَّةِ، يُمْكِنُ أَنْ يؤَدِّيَ الْإِفْرَاطُ فِي إسْتِخْدَامِ التِّكْنُولُوجْيَا إلَى عُزْلَة إجْتِمَاعِيَّة وَضَعَّف الْعَلَاقَاتِ الشَّخْصِيَّةِ. فَالتَّوَاصِل عَبَّرَ الْأَجْهِزَة قَدْ لَا يَكُونُ بَدِيلًا كَامِلًا لِلتَّفَاعُل الشَّخْصِيّ الْمُبَاشِرِ. لِذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ نُحَافِظُ عَلَى تَوَازُن بَيْنَ إسْتِخْدَامِ التِّكْنُولُوجْيَا وَالتَّفَاعُلِ الِإجْتِمَاعِيِّ الْمُبَاشِر لِتَعْزِيز عَلَاقَاتِنَا الْإِنْسَانِيَّة. أَمَّا الْجَوَانِب الْإِيجَابِيَّة لِلْعَقْل التِّقَنِيِّ، تَكْمُن فِي تَسْهِيلِ التَّوَاصُل وَالتَّفَاعُل بَيْنَ النَّاسِ عَبَّرَ تِقْنِيَات مِثْل الْمُكَالَمَات الْفَيْدِيُّويَّةُ وَالرَّسَائِلُ الْفَوْرِيَّةَ. ثُمَّ السَّمَاح لِلنَّاس بِالْبَقَاءِ عَلَى إتِّصَالِ مَعَ أَصْدِقَائِهِمْ وَأَحِبَّائِهِمْ حَتَّى لَوْ كَانُوا عَلَى مَسَافَاتٍ بَعِيدَةٍ. أَمَّا الْجَوَانِبِ السَّلْبِيَّةِ لِلْعَقْل التِّقَنِيّ، تَكْمُنُ فِي الْإِفْرَاطِ فِي إسْتِخْدَامِ التِّكْنُولُوجْيَا. الَّذِي قَدْ يُؤَدِّي إلَى عُزْلَة إجْتِمَاعِيَّة وَضَعَّف الْعَلَاقَاتِ الشَّخْصِيَّةِ. كَمَا أَنَّ التَّوَاصُلِ عَبْرَ الْأَجْهِزَة قَدْ لَا يَكُون بَدِيلًا كَامِلًا لِلتَّفَاعُل الشَّخْصِيّ الْمُبَاشِر. الْخُلَاصَة؛ يَجِب الْحِفَّاظُ عَلَى تَوَازُنُ بَيْنَ إسْتِخْدَامِ التِّكْنُولُوجْيَا وَالتَّفَاعُلِ الِإجْتِمَاعِيِّ الْمُبَاشِر لِتَعْزِيز الْعَلَاقَاتِ الْإِنْسَانِيَّةِ بِشَكْل أَفْضَل
_ الْعَقْلُ التِّقَنِيّ وَالْعَقْل النَّقْدِيّ
الْعَقْل التِّقَنِيّ أَوْ الْعَقْلِ الَّأدَاتِي هُوَ نَوْعٌ مِنْ الْعَقْلِ الْإِنْسَانِيِّ يَتَسَمّ بِالتَّرْكِيز عَلَى الْوَسَائِلِ وَالْأَسَالِيبِ وَالتِّقْنِيَّات الْمُسْتَخْدَمَة لِتَحْقِيق أَهْدَاف مُعَيَّنَةٍ دُونَ النَّظَرِ إلَى الْغَايَاتِ وَ الْقَيِّم الْأَخْلَاقِيَّة. فِي هَذَا النَّوْعِ مِنْ الْعَقْلِ، يَتِمّ التَّرْكِيزِ عَلَى الْفَعَالِيَة وَ النَّجَاعَة فِي تَحْقِيقِ الْأَهْدَافِ بِصَرْف النَّظَرِ عَنْ مَدَى أَخْلَاقِيَّتِهَا أَوْ مَدَى مُسَاهَمَّتُهَا فِي تَحْقِيقِ الصَّالِح الْعَامّ. وَ يُقَابِل الْعَقْل التِّقَنِيّ، الْعَقْل النَّقْدِيّ أَوْ الْعَقْلِ التَّوَاصُلِّي الَّذِي يَسْعَى إلَى تَقْيِيم الْأَهْدَاف وَالغَايَات نَفْسَهَا مِنْ مَنْظُورٍ أَخْلَاقِيّ وَ نَقَدي. فَالْعَقْلُ النَّقْدِيّ يُنْظَرُ إلَى الْأَهْدَاف وَ الْأَسَالِيب وَالْوَسَائِلِ مِنْ خِلَالِ إِطَار قِيَمِيّ أَوْسَعَ وَأَعْمَقَ، وَ يَسْعَى إِلَى تَحْقِيقِ التَّوَافُق وَالتَّفَاهُم بَيْنَ الْأَفْرَادِ وَالْجَمَاعَاتِ مِنْ خِلَالِ الْحِوَارِ وَ التَّوَاصُل. وَيَرَى الْفَيْلَسُوفُ الْأَلْمَانِيُّ يُورَغن هَابَرْمَاس إنْ الْحَدَاثَة الْأُورُوبِّيَّة قَدْ أَنْتَجَتْ هَيْمَنَة الْعَقْل التِّقَنِيّ عَلَى حِسَابِ الْعَقْل النَّقْدِيّ، مِمَّا أَدَّى إلَى تَحَوُّلِ الْمُجْتَمَع نَحْو التِّكْنُوقْرَاطِيَّة وَالْبِيرُوقْرَاطِيَّة وَإِهْمَالُ الْبُعْدُ الْقِيَمِيُّ وَ الْأَخْلَاقِيّ. وَيَدْعُو هَابَرْمَاس إلَى ضَرُورَةٍ إسْتَعَادَة دَوْرَ الْعَقْلِ النَّقْدِيّ وَالتَّوَاصِلِي فِي الْمُجْتَمَعِ الْحَدِيثِ مِنْ خِلَالِ إعَادَة بِنَاء مَفْهُوم العَقْلَانِيَّة لِيَشْمَل الْبُعْد التَّوَاصُلِّي وَالْأَخْلَاقِيِّ إلَى جَانِبِ الْبُعْد التِّقَنِيّ وَالْأَدَاتَيْ. وَيَرَى هَابَرْمَاس إنْ تَحْقِيق الِإنْدِمَاج الِإجْتِمَاعِيّ وَالتَّفَاهُم الْمُتَبَادَل بَيْنَ أَفْرَادِ الْمُجْتَمَعِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُتِمَّ إلَّا مِنْ خِلَالِ إعَادَة إحْيَاءَ دُورٍ الْعَقْل النَّقْدِيّ وَالتَّوَاصِلِي. فَالْعَقْلُ التِّقَنِيّ وَحْدَهُ لَا يَكْفِي لِبِنَاءِ مُجْتَمَع مُتَمَاسِك وَمُتَوَافِق، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ تَعْزِيز مُمَارَسَات الْحِوارُ وَالنَّقَّاش وَالتَّفَاوَض بَيْنَ مُخْتَلِفِ الْفَاعِلِين الِإجْتِمَاعِيِّين عَلَى أَسَاسِ مِنْ الِإحْتِرَامِ الْمُتَبَادَل وَالسَّعْي لِتَحْقِيق التَّفَاهُم. وَفِي هَذَا السِّيَاقِ، يُؤَكِّد هَابَرْمَاس عَلَى أَهَمِّيَّةِ دَوْرُ الْفَلْسَفَةِ فِي إعَادَةِ بِنَاء مَفْهُوم العَقْلَانِيَّة لِيَشْمَل الْبُعْد التَّوَاصُلِّي وَالْأَخْلَاقِيِّ، وَذَلِكَ مِنْ خِلَالِ الِإسْتِفَادَةِ مِنَ نَظَرِيَّة أَفْعَال الْكَلَام وَمَفَاهِيم التَّدَاوُلِيَّة اللُّغَوِيَّةِ. فَاللُّغَة بِالنِّسْبَةِ لَهُ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ وَسِيلَة لِلتَّعْبِير وَالتَّوَاصُل، بَلْ هِيَ أَدَاةُ لِتَحْقِيق التَّفَاهُم وَالتَّعَاوُن وَالِإنْدِمَاج الِإجْتِمَاعِيّ. وَ عَلَيْهِ، يُمْكِنُ الْقَوْلُ أَنَّ الْعَقْلَ التِّقَنِيّ هُوَ نَوْعٌ مِنْ الْعَقْلِ الْمُنْفَصِلُ عَنْ السِّيَاقِ الِإجْتِمَاعِيّ وَالْأَخْلَاقِيّ، وَاَلَّذِي يُرَكِّز فَقَطْ عَلَى الْفِعَالِيَة وَالنَّجَاعَة فِي تَحْقِيقِ الْأَهْدَافِ دُونَ النَّظَرِ إلَى مَدَى مُسَاهَمَّتُهَا فِي تَحْقِيقِ الصَّالِح الْعَامِّ. فِي الْمُقَابِلِ، يُمَثِّل الْعَقْل النَّقْدِيّ أَوْ التَّوَاصُلِّي نَوْعًا مِنْ الْعَقْلِ الْمُنْفَتِحِ عَلَى الْقَيِّمِ وَالْأخْلاقِ وَالْمُسْتَعِدّ لِلْحِوَار وَالنَّقَّاش مِنْ أَجْلِ تَحْقِيقِ التَّفَاهُم وَالِإنْسِجَام الِإجْتِمَاعِيّ. وَتَكُمن أَهَمِّيَّةُ إعَادَة إحْيَاءَ دُورٍ الْعَقْل النَّقْدِيّ وَالتَّوَاصِلِي فِي مُوَاجَهَةِ هَيْمَنَة الْعَقْل التِّقَنِيِّ فِي الْمُجْتَمَعَاتِ الْحَدِيثَة، وَذَلِكَ مِنْ أَجْلِ تَحْقِيقِ التَّوَازُنِ بَيْنَ الْأبْعَاد التِّقْنِيَّة وَالْأبْعَاد الْأَخْلَاقِيَّة وَالْقِيمِيَّة فِي صُنْعِ القَرَارِ وَ التَّخْطِيط لِلْمُسْتَقْبَل.
_ الْبَدَائِل الْمُقْتَرَحَة لِلْعَقْل التِّقَنِيّ
بِالرَّغْمِ مِنْ أَهَمِّيَّةِ التَّقَدُّم التِّقَنِيّ وَفَوَائِدِه الْمُتَعَدِّدَةُ، إلَّا أَنَّهُ قَدْ أَثَّرَ سَلْبًا عَلَى بَعْضٍ جَوَانِبِ الْحَيَاةِ الْإِنْسَانِيَّةِ. وَقَدْ بَرَزَتْ الْحَاجَةِ إلَى إيجَادِ بَدَائِل لِلْعَقْلِ التِّقَنِيّ لِمُعَالَجَةِ هَذِهِ الْجَوَانِبِ السَّلْبِيَّةِ. أَحَدِ هَذِهِ الْبَدَائِلَ هُوَ الْعَقْلُ الْأَخْلَاقِيّ. فَالتَّقَدُّم التِّقَنِيّ قَدْ أَدَّى إلَى إهْمَالِ الْجَوَانِب الْأَخْلَاقِيَّة فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَحْيَانِ، وَأَصْبَح الْهَدَف الرَّئِيسِ هُوَ تَحْقِيقُ النَّجَاح التِّقَنِيّ بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ الْعَوَاقِب الْأَخْلَاقِيَّة. لِذَا يُعَدّ تَنْمِيَة الْوَعْي الْأَخْلَاقِيّ وَ إرَساء الْقَيِّمُ الْأَخْلَاقِيَّة فِي صُلْبِ الْعَمَلِيَّةُ التِّقْنِيَّة ضَرُورَةً مُلِحَّةً. كَمَا يُعَدُّ الْعَقْلِ الْإِنْسَانِيِّ بَدِيلًا مَهْمَا لِلْعَقْل التِّقَنِيّ. فَالْعَقْل التِّقَنِيّ قَدْ أَدَّى إلَى تَهْمَيش الْجَوَانِبِ الْإِنْسَانِيَّةِ وَ الرُّوحِيَّة فِي الْحَيَاةِ، وَأَصْبَحَتْ الْمَصَالِحِ الْمَادِّيَّةِ وَالتِّقْنِيَة هِيَ الْمُحَرِّكُ الْأَسَاسِيُّ. وَلِذَا، مَنْ الضَّرُورِيّ إعَادَة الِإعْتِبَار لِلْعَقْلِ الْإِنْسَانِيِّ الَّذِي يُرَكِّزُ عَلَى الْقَيِّمِ الْإِنْسَانِيَّة وَالرُّوحِيَّة وَ الْعَلَاقَاتِ الِإجْتِمَاعِيَّةِ بِالْإِضَافَةِ إلَى ذَلِكَ، هُنَاكَ إتِّجَاه مُتَنَام نَحْوَ الْعَقْلِ البِيئِيّ كَبَدِيل لِلْعَقْلِ التِّقَنِيّ. فَالتَّقَدُّم التِّقَنِيّ قَدْ أَدَّى إلَى تَدَهْوُر الْبِيئَة وَتَهْدِيد الْمَوَارِد الطَّبِيعِيَّة. لِذَا، يُعَدّ تَبَّنِي مَنْظُور بَيئِي فِي التِّقْنِيَّة وَالتَّرْكِيز عَلَى الِإسْتِدَامَةِ وَالْحِفَاظِ عَلَى الْبِيئَةِ ضَرُورَةً مُلِحَّةً. كَمَا ظَهَرَ إتِّجَاه نَحْوَ الْعَقْلِ الْجَمْعِيّ كَبَدِيل لِلْعَقْلِ التِّقَنِيّ الْمُنْفَرِد. فَالْعَقْل التِّقَنِيّ قَدْ أَدَّى إلَى تَفَكُّكِ الْمُجْتَمَعَات وَإنْعِزَال الْأَفْرَاد. لِذَا، مِنَ الضَّرُورِيِّ تَشْجِيع التَّفْكِير الْجَمْعِيّ وَالتَّعَاوُن وَالْمُشَارَكَة الْفَاعِلَةِ فِي صُنْعِ الْقَرَارَات التِّقْنِيَّة. وَ أَخِيرًا، هُنَاك إتِّجَاه نَحْوَ الْعَقْلِ الْإِبْدَاعِيّ كَبَدِيل لِلْعَقْلِ التِّقَنِيّ الْمَحْدُود. فَالْعَقْل التِّقَنِيّ قَدْ أَدَّى إلَى تَقْيِيدِ الْإِبْدَاع وَالِإبْتِكَار وَتَقَليص الْمُخَيِّلَةُ الْإِنْسَانِيَّة. لِذَا، مِنَ الضَّرُورِيِّ تَنْمِيَة الْمَهَارَات الْإِبْدَاعِيَّة وَتَشْجِيع التَّفْكِير خَارِج الصُّنْدُوقِ فِي مَجَالِ التِّقْنِيَّة. بِالْإِجْمَال، تَبْرُز الْحَاجَةِ إلَى إيجَادِ بدَائِل لِلْعَقْلِ التِّقَنِيّ لِمُعَالَجَة الْجَوَانِبِ السَّلْبِيَّةِ الَّتِي نَتَجَتْ عَنْهُ. وَيَتَمَثَّل هَذَا فِي تَنْمِيَةِ الْعَقْل الْأَخْلَاقِيّ وَالْإِنْسَانِيّ وَ الْبِيئَي وَالجَمْعِيّ وَالْإِبْدَاعي كَبَدَائِل تَكَامُلِيٍّة لِلْعَقْلِ التِّقَنِيّ الْمَحْدُود.
_ تَأْثِيرِ التِّكْنُولُوجْيَا الْحَدِيثَةِ عَلَى الْمُجْتَمَعَاتِ فِي ظِلِّ غِيَابِ الْعَقْل التِّقَنِيّ
فِي ظِلِّ غِيَابِ الْعَقْل التِّقَنِيّ، يُمْكِنُ أَنْ تُؤَثِّرَ التِّكْنُولُوجْيَا الْحَدِيثَةِ عَلَى الْمُجْتَمَعَات بِطَرِيقَةٍ سَلْبِيَّةٍ وَخَطِيرَة. هَذِه التِّكْنُولُوجْيَا، وَإِنْ كَانَتْ تَحْمِلُ إِمْكَانَات هَائِلَة لِتَحْسِين نَوْعِيَّة الْحَيَاة وَتَسْهِيلِهَا، إلَّا أَنَّهَا قَدْ تُشْكِلُ تَهْدِيدًا خَطِيرًا عَلَى الْمُجْتَمَعَات عِنْدَمَا لَا يُصَاحِبُهَا إدْرَاك وَاع لِكَيْفِيَّة إسْتِخْدَامُهَا وَ التَّحَكُّم بِهَا بِشَكْلٍ مُنَاسِبٍ. دُونَ وُجُودِ مَا يُسَمَّى "الْعَقْلَ التِّقَنِيّ", أَيِ الْوَعْيُ وَالْفَهْم الْكَافِي لِطَبِيعَة التِّكْنُولُوجْيَا وَآلِيَات عَمَلِهَا، يُمْكِنُ أَنْ تَتَحَوَّلَ هَذِهِ الْأَخِيرَةِ إلَى سِلَاحٍ ذِي حَدَّيْنِ. فَالْتِكْنُولُوجْيَا الْحَدِيثَةِ، وَمِنْ ضِمْنِهَا تِقْنِيَات الذَّكَاء الِإصْطِنَاعِيّ وَالشَّبَكَات الِإجْتِمَاعِيَّةِ وَوَسَائِلِ الإِعْلَامِ الرَّقْمِيَّة، تَمْتَلِك الْقُدْرَةِ عَلَى إحْدَاثِ تَغْيِيرَات جِذْرِيَّة فِي الْبُّنَى الِإجْتِمَاعِيَّةِ وَ السِّيَاسِيَّةِ وَالِإقْتِصَادِيَّة وَالثَّقَافِيَّة لِلْمُجْتَمَعَات. دُونَ فَهْمِ آلِيَات عَمَلِ هَذِهِ التِّكْنُولُوجْيات وَكَيْفِيَّةُ التَّحَكُّم بِهَا، يُمْكِنُ أَنْ تُؤَدِّيَ إلَى التَّلَاعُب بِالْمَعْلُومَات وَتَوْجِيه الرَّأْيِ الْعَامِّ، وَكَذَلِك التَّحَكُّمِ فِي سَلُوكَيَّات الْأفْرَادُ وَتَوْجِيه خِيَارَاتٍهِمْ وَقَرَارًاتُهُمْ بِطَرِيقَة تَخْدُم مَصَالِح جِهَاتٍ مُعَيَّنَةٍ. كَمَا أَنَّ غِيَابُ الْوَعْيِ التِّقَنِيّ قَدْ يُؤَدِّي إلَى إخْتِرَاق الْبُنَى التَّحْتِيَّةِ الْحَيَوِيَّة لِلْمُجْتَمَعَات، كَالْبُنْيَة التَّحْتِيَّةِ لِلِإتِّصَالَات وَالطَّاقَةُ وَالْمُوَاصَلَات وَالْأَنْظِمَة الْمَالِيَّة، مِمَّا يُهَدِّدُ أمْنَ الْمُجْتَمَعَات وَدَيمُومة إسْتِقْرَارِهَا. عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ، يُمْكِنُ أَنْ تُؤَدِّيَ التِّكْنُولُوجْيَا الرَّقْمِيَّةَ إلَى تَغْيِيرَات عَمِيقَة فِي طَبِيعَةِ الْعَلَاقَاتِ الِإجْتِمَاعِيَّةِ وَالتَّوَاصُلِ بَيْنَ الْأَفْرَادِ مِمَّا قَدْ يُؤَدِّي إلَى إنْعِزَال إجْتِمَاعِيّ وَبَلْوَرَة هُوِيَّات رَقْمِيَّة مُنْفَصِلَةٌ عَنْ الْوَاقِعِ الْمَعِيش. وَفِي غِيَابِ الْفَهْم الْكَافِي لِكَيْفِيَّة إدَارَة هَذِه التَّغْيِيرَات، قَدْ تَنْشَأ مُشْكِلَات إجْتِمَاعِيَّة وَثَقَافِيَّة خَطِيرَة. كَذَلِكَ قَدْ تُؤَدِّي التِّكْنُولُوجْيَا الْحَدِيثَةِ، فِي ظِلِّ غِيَابِ الْعَقْل التِّقَنِيّ، إلَى تَفَاقُمِ الْفَجْوَة الرَّقْمِيَّة بَيْنَ مُخْتَلِفِ فِئاتِ الْمُجْتَمَع، مِمَّا يَزِيدُ مِنْ حَدِّة التَّفَاوُتَات الِإجْتِمَاعِيَّةِ وَ الِإقْتِصَادِيَّةِ وَيَنْعَكِس سَلْبًا عَلَى التَّمَاسُكِ الِإجْتِمَاعِيّ. وَبِالتَّالِي تُعَدُّ التِّكْنُولُوجْيَا الْحَدِيثَةِ سِلَاحًا ذَا حَدَّيْن، فَهِيَ قَادِرَةٌ عَلَى إحْدَاثِ تَغْيِيرَات إِيجَابِيَّة كَبِيرَةً فِي حَيَاةِ الْمُجْتَمَعَات، وَلَكِنْ فِي ظِلِّ غِيَابِ الْعَقْل التِّقَنِيّ الْوَاعِي لِآلِيَّات عَمِلَهَا وَكَيْفِيَّة التَّحَكُّمِ فِيهَا، يُمْكِنُ أَنْ تُؤَدِّيَ إلَى عَوَاقِب كَارِثِيَّة عَلَى الْمُسْتَوَيَات الِإجْتِمَاعِيَّةِ وَالسِّيَاسِيَّةِ وَالِإقْتِصَادِيَّة وَالثَّقَافِيَّة. وَ لِذَلِكَ، فَإِنَّ تَنْمِيَة الْوَعْي التِّقَنِيّ وَالتَّرْبِيَةِ عَلَى مُقْتَضَيَاتِ الْعَصْرِ الرَّقْمِيِّ أَصْبَحْت ضَرُورَةً مُلِحَّةً لِمُوَاجَهَة التَّحَدِّيَات الَّتِي تَطْرَحُهَا التَّكْنُولُوجْيَا فِي الْمُجْتَمَعَاتِ الْمُعَاصِرَة.
_ الْعَقْل التِّقَنِيّ مِنْ مَنْظُورٍ فَلَاسِفَة الِإغْتِرَاب
فَلَاسِفَة الِإغْتِرَاب وَخَاصَّة هَيَجَل وَمَارْكُوز يَنْتَقِدُون بِشَكْلٍ كَبِيرٍ مَا يُسَمَّى بِالْعَقْل التِّقَنِيّ أَوْ الْعَقْلِ الَّأدَاتِي. لَقَدْ رَأَى هَؤُلَاءِ الْفَلَاسِفَةِ أَنَّ هَذَا النَّوْعِ مِنْ الْعَقْلِ قَدْ أَصْبَحَ مُهَيْمِنًا عَلَى الْحَيَاةِ الْمُعَاصِرَةِ وَتَحَكُّم بِشَكْلٍ كَبِيرٍ فِي الْوُجُودِ الْإِنْسَانِيِّ. هَيجَل كَانَ أَوَّلُ مَنْ رَبَطَ بَيْنَ مَفْهُومِ الِإغْتِرَاب وَالْعَقْل التِّقَنِيّ. فَهُوَ يَرَى أَنَّ الِإغْتِرَاب يَنْشَأ عِنْدَمَا يَتَحَوَّل الْعَقْل مُجَرَّد أَدَّاة لِلسَّيْطَرَة عَلَى الطَّبِيعَةِ ثُمَّ عَلَى الْإِنْسَانِ نَفْسَهُ. بَدَلًا مِنْ أَنَّ يَكُونَ الْعَقْلُ وَسِيلَة لِلتِّحرر وَالتَّعْبِيرُ الْحَقِيقِيِّ عَنْ الذَّاتِ، أَصْبَح مُجَرَّد أَدَّاة لِلتَّحَكُّم وَالسَّيْطَرَة. وَهَذَا مَا أَكَّدَ عَلَيْهِ مَارًّكوز فِي نَقْدِهِ لِلرَّأْسِمَالِيَّة الْمُعَاصَرَةُ. فَالْعَقْل التِّقَنِيّ، بِحَسَب مَارًّكوز، قَدْ حَوِّلَ الْإِنْسَانُ إلَى "إنْسَانٍ ذُو الْبُعْد الْوَاحِدِ"، حَيْثُ أَصْبَحَ مُجَرَّد تُرْس فِي آلَةِ الْإِنْتَاج وَالِإسْتِهْلَاك. لَقَدْ إسْتَطَاعَتْ التِّكْنُولُوجْيَا وَالْمُجْتَمَع الرَّأْسِمَالِيّ أَنْ تُقَيَّدَ حُرِّيَّةِ الْإِنْسَانِ وَ تَسْتَلِبَه عَنْ ذَاتِهِ وَتُحَوُّلِه إلَى مُجَرَّدِ أَدَّاة فِي خِدْمَتِهَا. وَلَمْ يَقْتَصِرْ نَقْد الْعَقْل التِّقَنِيّ عَلَى هَؤُلَاءِ الْفَلَاسِفَةِ، بَلِ إمْتَدَّ أَيْضًا إلَى أَصْحَابِ نَظَرِيَّة الْمَدْرَسَة النَّقْدِيَّة الأُخْرَى مِثْلَ أَدَّوْرنو وَ هُوَرْكَهَايِمْر. فَهُمْ يَرَوْنَ أَنَّ السَّيْطَرَة الْمُتَزَايِدَة لِلْعَقْل الَّأدَاتِي عَلَى الْحَيَاةِ الِإجْتِمَاعِيَّةِ وَالثَّقَافِيَّة قَدْ أدَتْ إلَى تَنْمُيط الْوُجُودُ الْإِنْسَانِيّ وَفِقْدَان الْإِنْسَان لِذَاتَيْتُه وَخُصُوصِيَّتُه. وَبِالتَّالِي، فَإِنَّ فَلَاسِفَة الِإغْتِرَاب يَنْظُرُونَ إلَى الْعَقْلِ التِّقَنِيّ بِإعْتِبَارِه أَحَد أَهَمّ الْعَوَامِل الْمُؤَدِّيَةِ إلَى إغْتِرَاب الْإِنْسَانِ الْمُعَاصِرِ وَفِقْدَانِه لِحُرِّيَّتِه وَذَاتِيَّتَه. فَهَذَا النَّوْعُ مِنْ الْعَقْلِ قَدْ حَوِّلَ الْإِنْسَانُ إلَى أَدَاةِ فِي خِدْمَةِ التِّكْنُولُوجْيَا وَالنِّظَام الِإقْتِصَادِيّ الْقَائِم، وَ فَصَلَهُ عَنْ ذَاتِهِ الْحَقِيقِيَّة وَقُدْرَتِهِ عَلَى التَّعْبِيرِ عَنْ نَفْسِهِ. وَ لِلْخُرُوجِ مِنْ هَذَا الِإغْتِرَاب، يَرَى هَؤُلَاءِ الْفَلَاسِفَةِ ضَرُورَة إعَادَةِ النَّظَرِ فِي طَبِيعَةِ الْعَقْل وَأدَّوَّارَه، وَإِيجَادِ نَوْعٍ جَدِيدٍ مِنْ العَقْلَانِيَّة تَكُونُ أَكْثَرَ إتَّسَاقا مَعَ طَبِيعَةِ الْإِنْسَانِ وَحَاجَاتِه الْحَقِيقِيَّة. فَالْعَقْلُانِيَّة التِّقْنِيَّة قَدْ أَفْقَدَت الْإِنْسَان إِنْسَانِيَّتَه، وَ بِالتَّالِي لَا بُدَّ مِنْ إعَادَةِ رَبَط الْعَقْل بِالْقِيَم الْأَخْلَاقِيَّة وَالْإِنْسَانِيَّة لِتَحْرِير الْإِنْسَانِ مِنْ قُيُودِ الِإغْتِرَاب.
_ الْعَقْلُ التِّقَنِيّ تكْرَيس لِلَّهِيَمْنَة الْمُطَلَّقَةُ
الْعَقْلُ التِّقَنِيّ يُشْكِل أَحَدَ أَبْرَزِ التَّحَدِّيَات الْحَضَارِيَّةَ الَّتِي تُوَاجِهُ الْإِنْسَانَ الْمُعَاصِرِ. فَقَدْ أَصْبَحَتْ التِّقْنِيَّة بِكُلِّ أَشْكَالِهَا وَ تَطْبِيقِاتِهَا هِيَ الْمُحَرِّكُ الْأَسَاسِيُّ لِلتَّغْيِيرَات الجِذْرِيَّة فِي مُخْتَلَفٍ مَنَاحِي الْحَيَاةِ. وَلِلْتِّقْنِيَة وَالْعَقْلُ التِّقَنِيّ تَأْثِيرٍ بَالِغِ عَلَى طَبِيعَةِ الْوُجُودِ الْإِنْسَانِيِّ وَعَلَى مَفْهُومِ الْفَرْدِ وَالْمُجْتَمَعِ. لَقَدْ تَنَبَّه فَلَاسِفَة الْقَرْنِ الْعِشْرِينَ إلَى مَخَاطِرَ هَيْمَنَة الْعَقْل التِّقَنِيّ وَ تَسَلُّطِهِ عَلَى الْإِنْسَانِ. فَالْفَيْلَسُوف الْأَلْمَانِيُّ مَارًّتن هَايَدغر (1889-1976) حَذَّرَ مِنْ أَنَّ التِّقْنِيَّة قَدْ تَتَحَوَّلُ إلَى قُوَّةِ مُسْتَقِلَّةً عَنْ الْإِنْسَانِ تَفْرِضُ عَلَيْهِ أَنْمَاطًا جَدِيدَةٍ لِلْوُجُود وَ التَّفْكِير. كَمَا أَشَارَ الْفَيْلَسُوف وَالصَّحْفَيّ الْأَلْمَانِيُّ غُونْتر أنْدَرَسَ إلَى أَنْ الْإِنْسَانِ فِي عَصْرِ السَّيْطَرَة التِّقْنِيَّة أَصْبَح مُجَرَّد "عَبْد لِلْآلَة" يَتْبَع إمْلَاءَاتِهَا وَتَوْجِيهَاتُهُا. وَفِي هَذَا السِّيَاقِ، كَتَب الْفَيْلَسُوف هَرَبَرت مَارًّكُوزِ كِتَابَه الشَّهِير "الْإِنْسَان ذُو الْبُعْد الْوَاحِدَ" (1964) وَاَلَّذِي حَلِّلَ فِيهِ كَيْفَ أَنَّ الْمُجْتَمَعَات الصِّنَاعِيَّة الْمُتَقَدِّمَةَ قَدْ حَوِّلَتْ الْإِنْسَانُ إلَى كَائِن "أَحَادِيّ الْبُعْدُ" مَحْكُوم بِثَقَافَة تَنْمِيطِيَّة لِلْوُجُودِ الْإِنْسَانِيّ تَخْدُم مَصَالِح النِّظَامِ الرَّأْسِمَالِيِّ. إنَّ التَّحَالُفَ بَيْن التِّقْنِيَّة وَ الْعَالِم دُون ضَوَابِط أَخْلَاقِيَّةٍ وَإِنْسَانِيَّةٍ يُؤَدِّي إلَى نَتَائِجُ كَارِثِيَّة. فَالتَّقَنُّيَة بَاتَتْ تُسْتَخْدَم كَأَدَاة لِتَكُريس الْهَيْمَنَة وَ السَّيْطَرَة السِّيَاسِيَّةِ وَ الإجْتِمَاعِيَّةِ. وَنَرَى ذَلِكَ جَلِيَّا فِي إسْتِخْدَامِ التِّكْنُولُوجْيَا الرَّقْمِيَّةَ وَوَسَائِل التَّوَاصُلِ الِإجْتِمَاعِيِّ فِي التَّلاَعُبِ بِالرَّأْي الْعَامّ وَتَوْجِيه السُّلُوكِ الْبَشَرِيِّ وَفْق أَجْنَدات سِيَاسِيَّة وَإقْتِصَادِيَّة مُعَيَّنَةٍ. كَمَا أَنَّ الْهَيْمَنَة التِّقْنِيَّة تُؤَدِّي إلَى تَدْمِير الْقِيَمِ الْإِنْسَانِيَّةِ الْأَسَاسِيَّة كَالْحُرِّيَّة وَالْكَرَامَة وَالْعَدَالَة. فَفِي ظِلِّ هَذِهِ الْهَيْمَنَة، يَتَحَوَّلُ الْإِنْسَانُ إلَى مُجَرَّدِ رَقَّم أَوْ بَيَانَات فِي أَنْظِمَة الْمُرَاقَبَة وَالتَّحَكُّم، وَتُسْلَب مِنْه إِمْكَانِيَّة التَّحَرُّر وَالِإخْتِيَارُ. أَنْ الْخُرُوجِ مِنْ هَذِهِ الْأَزْمَة يَتَطَلَّب إعَادَةِ النَّظَرِ فِي الْعَلَاقَةِ بَيْنَ الْإِنْسَانِ وَالتِّقْنِيَة، وَتَحْقِيق نَوْعٌ مِنْ التَّوَازُن وَ التَّنْسِيقُ بَيْنَهُمَا. وَيَتَطَلَّب ذَلِكَ مَا يُسَمَّى بِـ "دَمَقْرَّطَة التِّكْنُولُوجْيَا"، أَيْ إِخْضَاع تَطْوِير التِّقْنِيَّة وَتَوْجِيهُهَا لِآلِيات الِإخْتِيَارِ وَالْقَرَار الدِّيمُقْرَاطِيّ الْحُرُّ بَيْن شُعُوبِ الْعَالَمِ. فَالْتِكْنُولُوجْيَا لَا يَجِبُ أَنْ تُسْتَخْدَمَ كَأَدَاة لِلَّهِيَمْنَة وَالِإسْتِبْدَادُ، بَلْ يَجِبُ أَنْ تَخْضَعَ لِمَعَايِير أَخْلَاقِيَّةٍ وَإِنْسَانِيَّةٍ تَحْفَظ كَرَامَةُ الْإِنْسَانِ وَحُرِّيَّتِهِ. وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لِلشُّعُوب دُور فَاعِلٌ فِي تَحْدِيدِ تَوَجُّهَات التَّطَوُّر التِّقَنِيّ وَالتَّحَكُّمُ فِي أَثَارَه عَلَى الْحَيَاةِ الِإجْتِمَاعِيَّةِ وَالسِّيَاسِيَّةِ. فِي الْخِتَامِ، أَنْ التَّصَدِّي لِهَيْمَنَة الْعَقْلُ التِّقَنِيّ وَتَدَاعِيَاتُه الْمُدَمِّرَةِ عَلَى الْوُجُودِ الْإِنْسَانِيِّ هُوَ مِنْ أَبْرَزِ التَّحَدِّيَات الْفِكْرِيَّة وَالْحَضَارِيَّة الَّتِي تُوَاجِهُ الْإِنْسَانَ الْمُعَاصِر. وَ تَتَطَلَّب مُوَاجَهَةِ هَذَا التَّحَدِّي إعَادَة صِيَاغَة الْعَلَاقَةِ بَيْنَ الْإِنْسَانِ وَالتِّقْنِيَة وَفْقَ رُؤْيَةٍ أَخْلَاقِيَّة وَدِيمُقْرَاطِيَّة تَضْمَنُ إسْتَعَادَة الْإِنْسَان لِمَرَكَزَيْتِه فِي عَالَمِ مُسَيْطِرٍ عَلَى التِّقْنِيَّة.
#حمودة_المعناوي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الْعَقْل التِّقَنِيّ -الْجُزْءِ الْأَوَّلِ-
-
الوَعِي الإِيْكُولُوجِيّ: -الْجُزْءُ الثَّانِي-
-
اللاَّوَعِي الإِيْكُولُوجِيّ: -الْجُزْءُ الْأَوَّلُ-
-
عِلْمُ النَّفْسِ الإِيْكُولُوجِيّ
-
الْبَيُولُوجْيَا الِإصْطِنَاعِيَّة
-
الْعِلْمُ وَالْأَخْلَاق: الْأَمْن الْبَيُولُوجِيّ
-
أَخْلَاقِيَّات التِّكْنُولُوجْيَا
-
فَلْسَفَة التِّكْنُولُوجْيَا: -الْجُزْءِ الثَّانِي-
-
فَلْسَفَةُ التِّكْنُولُوجْيَا : -الْجُزْءُ الْأَوَّلُ-
-
التِّكْنُولُوجْيَا
-
أَخْلَاقِيَّات الْبَحْثُ الْعِلْمِيّ
-
أَخْلَاقِيَّات الْإِعْلَام
-
الْأَخْلَاقِ البِيئِيَّة: -الْجُزْءِ الثَّانِي-
-
الْأَخْلَاقِ البِيئِيَّة :-الْجُزْءِ الْأَوَّلِ-
-
الْأَخْلَاقِ الطِّبِّيَّة
-
الْأَخْلَاقِ التَّطْبِيقِيَّة
-
البْيُّوإِثِيقَا : -الْجُزْءُ الثَّالِثُ-
-
البْيُّوإِثِيقَا : -الْجُزْءِ الثَّانِي-
-
البْيُّوإِثِيقَا : -الْجُزْءِ الْأَوَّلِ-
-
الْعِلْم وَالْأَخْلَاق فِي فَلْسَفَةِ الِإخْتِلَاف
المزيد.....
-
الجزائر.. حبل المشنقة بانتظار مفتعلي الحرائق ومختطفي القصر
-
كيم جونغ أون يدشن المدمرة -كانغ كون- ويعلن إدماجها في منظومة
...
-
الخارجية الإيرانية: الحرب التي شنتها واشنطن سببت تعطيل الملا
...
-
كوشنر يفضح سبب -الجنون- الحالي في إسرائيل وأمرا فهمته الإدار
...
-
مصرع 10 أشخاص في انفجار ألعاب نارية قرب كنيسة وسط المكسيك (ف
...
-
أكثر من 200 قتيل حصيلة العمليات الأمريكية ضد -قوارب المخدرات
...
-
اكتشاف علمي مفاجئ: مادة في الطماطم قد تساعد على حرق دهون الك
...
-
توسك يطلق وصفا على بولنديين فرحوا بفوز -البديل من أجل ألماني
...
-
حزب BSW: نتفق مع -البديل من أجل ألمانيا- بشأن العلاقات مع رو
...
-
الجيش الإسرائيلي يصدر إنذارا عاجلا بإخلاء مبنى بدير الزهراني
...
المزيد.....
-
الطبيعة والتقليد
/ عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
-
علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون
/ عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
-
بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده
/ علي مجيد
-
البساطة
/ عبدالجليل الكناني
-
أحمد رباص
/ كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
-
الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج
/ احسان طالب
-
تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع
/ علي حمدان
-
-الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن
/ احسان طالب
-
جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟
/ إحسان طالب
المزيد.....
|