أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي دريوسي - نبض الحياة














المزيد.....

نبض الحياة


علي دريوسي

الحوار المتمدن-العدد: 8337 - 2025 / 5 / 9 - 14:13
المحور: الادب والفن
    


كانت هدى، المرأة الخمسينية التي أنهكها الزمن والجراح، تقف أمام مرآتها في غرفتها المتواضعة، تتأمل وجهها الذي لم يعد يحمل ملامح البهجة القديمة. خطوط التعب كانت تحكي قصصًا عن ليالٍ طويلة مليئة بالدموع والتحديات. فقد تركها زوجها منذ خمس سنوات، بعد أن أخبرها بلا تردد أنه لا يستطيع العيش مع امرأة مريضة. هكذا ببساطة، غادر تاركًا وراءه أربعة أولاد وحزنًا لا يندمل.

نظرت إلى البيت الذي أصبح مظلمًا فجأة رغم ازدحامه بالأطفال. كيف ستُطعمهم؟ كيف ستبني لهم حياة في عالم لا يرحم؟ لم يكن المرض هو ما أثقل على قلب هدى، بل كان ألم الهجر والخذلان. لكن مع كل ذلك، كان حبها لأطفالها هو القوة التي تدفعها للاستمرار. قررت أن تواجه الحياة وحدها، متحدية كل الصعاب.

بدأت هدى تبحث عن مخرج. في البداية، كانت تبيع بعض الأغراض التي لم تعد بحاجة إليها على الإنترنت. اكتشفت أن هناك سوقًا ناشئًا للملابس والأحذية المستعملة. بعد بعض البحث، تواصلت مع أحد تجار "السيكوند هاند" واتفقت معه على شراء دفعات صغيرة من البضائع بأسعار زهيدة.

كانت البداية صعبة. لا تملك سوى هاتف قديم وخدمة إنترنت ضعيفة، لكنها كانت تمتلك عزيمة قوية. صنعت صفحة بسيطة على إحدى المنصات الاجتماعية وبدأت تعرض المنتجات. صورت كل قطعة بعناية، وكتبت وصفًا جذابًا يبرز جمالها وقيمتها.

لم يكن الأمر سهلاً. تعرضت للكثير من الإحباطات. بعض الزبائن كانوا يلغون الطلبات في اللحظة الأخيرة، وآخرون كانوا يطلبون تخفيضات مبالغًا فيها. لكن هدى كانت صبورة. كانت تقضي لياليها تسجل الطلبات وتتواصل مع الزبائن، وفي الصباح تذهب بنفسها لتوصيل الطلبات إلى مكاتب البريد.

كان أولادها، على الرغم من صغر سنهم، يشاركونها الحماس. كانت ابنتها الكبرى تساعدها في التصوير وتحسين العرض، بينما كان ابنها الأوسط يتولى التغليف. أما الأصغر فكان يحاول إدخال البهجة إلى قلبها برسومات صغيرة يضعها مع كل طلب.

كانت التحديات كثيرة. في بعض الأيام، لم تكن تجد ما يكفي لشراء بضاعة جديدة. وفي أيام أخرى، كان المرض يثقل جسدها لدرجة تجعلها بالكاد تستطيع الوقوف. لكنها كانت دائمًا تتذكر أعين أطفالها الجائعة، فتنهض من جديد. كان لديها إيمان قوي بأن الحياة قد قست عليها، لكنها لم تنتهِ. كانت ترى في كل قطعة ملابس تبيعها خطوة نحو حياة أفضل.

في يوم من الأيام، تلقت هدى رسالة من إحدى السيدات التي اشترت منها. أخبرتها السيدة أن جودة الملابس كانت رائعة وأنها أخبرت صديقاتها عنها. بدأت الطلبات تزداد شيئًا فشيئًا. أدركت هدى أن عليها توسيع نشاطها.

بدأت تتعلم أساسيات التسويق الإلكتروني. شاهدت مقاطع الفيديو التعليمية وأخذت نصائح من الأشخاص الذين يملكون خبرة. أنشأت حسابًا مصرفيًا لتسهيل المعاملات، وبدأت في العمل مع المزيد من تجار الملابس المستعملة. بعد عامين من العمل الشاق، امتلكت متجرًا إلكترونيًا يحمل اسمها. أصبحت معروفة في مجتمعها بأنها امرأة قوية ومثابرة. لم تعد فقط توفر لأطفالها الطعام والتعليم والحياة الكريمة، بل كانت تلهم الآخرين بقصتها.

كانت هدى تقف في شرفتها الصغيرة ذات مساء، تحتسي كوبًا من الشاي، وتراقب أطفالها يضحكون. شعرت بأنها قد استعادت نبض الحياة. ربما هجرها زوجها، وربما خانها جسدها، لكن إرادتها لم تخنها أبدًا. لقد أثبتت لنفسها وللعالم أن المرأة تستطيع أن تنهض، حتى من أقسى العثرات. وأن الألم قد يحطم الأجنحة، لكنه أحيانًا يصنع منها رمادًا يتطاير ليبني أفقًا جديدًا.

تلك المرأة التي كادت الحياة أن تهزمها، صارت نموذجًا للصمود والتحدي. كانت تعلم أن الحياة لن تكون سهلة، لكنها كانت على يقين أن الحب والأمل والعمل قادرون على فتح أبواب جديدة في وجه كل الصعاب.



#علي_دريوسي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حلم أخضر
- حماة الوطن
- كيفما تكونوا يولى عليكم
- أرض جديدة
- بردى
- ممزّق بين امرأتين
- ماركس وإليانور: بين التنصل والفخر
- هذا كل ما كتبته منذ لحظة سقوط الوحش 5 والأخيرة.
- هذا كل ما كتبته منذ لحظة سقوط الوحش ـ4ـ
- هذا كل ما كتبته منذ لحظة سقوط الوحش 3
- هذا كل ما كتبته منذ لحظة سقوط الوحش ـ2ـ
- هذا كل ما كتبته منذ لحظة سقوط الوحش ـ1ـ
- الطيور والنمل
- أطفال للبيع
- المبادرة التصويبية الثورية لمحاربة الجوع السوري
- حكاية الولد الذي بال على قبر العائلة
- الزمن العكسي
- المجداف والجولاني
- أعشاب جولانية لمعالجة البطالة المقنعة
- الرئيس الذي لم ير المسرح


المزيد.....




- التحقيق في مصرع منتج سينمائي مصري بطريقة مأساوية
- الثقافة المركزية السودانية.. إرث تاريخي أم ورقة تفاوض سياسي؟ ...
- موسكو تُعيد إحياء منزل -المعلّم- من رواية -المعلّم ومارغريتا ...
- اختبار اللغة السويدية للحصول علي الجنسية قد يتأجل مجددا
- مصر.. مصرع منتج سينمائي غرقا
- إعلام لبناني: إخلاء سبيل فضل شاكر في 3 ملفات وترجيح حسم الرا ...
- في الذكرى الـ 250 للاستقلال، كيف أعادت أمريكا اختراع اللغة ا ...
- أعقاب سجائر ومفتاح مكرر يكشفان سارقي منزل الفنانة منى واصف
- -خطوة صبيانية-.. سخرية واسعة على منصة -إكس- من نواب بريطانيي ...
- فنانو اليمن بين الحرب والجوع.. حين تُباع اللوحات لتبقى الحيا ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي دريوسي - نبض الحياة