أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - خالد سالم - خصائص الشخصية العراقية والشخصية المصرية















المزيد.....


خصائص الشخصية العراقية والشخصية المصرية


خالد سالم
أستاذ جامعي

(Khaled Salem)


الحوار المتمدن-العدد: 7975 - 2024 / 5 / 12 - 10:11
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


"لكنها تدور يا ملوك الطوائف..."


خصائص الشخصية العراقية والشخصية المصرية

د.خالد سالم
الشخصية مرأة بيئة الإنسان وماضيه، بمكوناته الفكرية والعقائدية والطبيعة الحاضنة له على مدى التاريخ، أي المكان والزمان. يصنعه تاريخه فيصبغ أجيالًا تالية، تصهرها الطبيعة والمعتقدات لتتاقسم المجتمعات ما ورثته من الأسلاف. وعليه فإنه يرى نفسه في مرآة الماضي، والماضي كالمورّثات تشكل طبيعة الإنسان وهويته. وكلها عناصر تحدد هوية المجتمعات، فتجمع بين أعضائها وتميزها عن مجتمعات أخرى. إلا أن عناصر الطبيعة ربما هي الأكثر تأثيرًا على التكوين، الصيرورة، التشكيل، الشخصية.
كل هذا، إلى جانب قضايا أخرى فكرية، عسيرة على الهضم دون اجترار وتأنٍ، نجده مفصلاً في سٍفر "خصائص الشخصية العراقية والشخصية المصرية في التاريخ القديم. دراسة في التشكل والتماثل والاختلاف"، للدكتور مزهر الخفاجي، الأستاذ في جامعة بغداد. ويمكن تصنيفه ضمن الموسوعات الفكرية والتأريخية، إذ يقترب متنه من الستمائة صفحة، الذي يفيض علمًا وطروحات جديدة حول مجتمعين عربيين تجمعهما جذور وصفات أكثر من تلك التي تنسج الإختلاف، التمايز، تمتد إلى فجر التاريخ.
لئن حنت الطبيعة على بلد بمجارٍ مائية، ترفل أراضيه بالخصوبة، فمن شأنها أن تؤثر إيجابًا على سكانه، فتضمخ أخلاقهم ونفسيتهم، تجعلهم يتقاسمون عناصر تشكل شخصية جامعة. وفي ذات الوقت نجد طبيعة هذه المجاري المائية تؤثر سلبًا على بعض جوانب الشخصية. ولعل رافدي العراق ونيل مصر مثالان جليان على تأثير الأنهار في تشكيل الشخصية العراقية والشخصية المصرية.
كلتا الشخصيتين مستقرتان، لكن قوة وتوقيت فيضان هذه الأنهار، في كل حالة، أفسحت المجال أمام الاختلافات بينهما. فالفيضان في العراق يحدث في الربيع، ليؤثر سلبًا على المزروعات مع اقتراب موسم الحصاد، بينما يأتي النيل في الصيف، موسم الزراعة، استثمار ما حمل من مياه وطمي في زراعة الأرض ورسم مشاريع مستقبل الكتل الصغرى، العائلات، من المجتمع بعد الحصاد. وبقدر هدوء النيل وانسيابه فإن فيضان دجلة والفرات يجئ هادرًا، بين شهري أبريل/نيسان ويونيو/حزيران، يدمر الزرع قبل الحصاد بقليل، ما جعل العراقي متوجسًا من الطبيعة بينما المصري كان يتضرع إلى الآلهة أن تغدق عليه بمياه النيل التي كانت تشح في الشتاء. هذا إضافة إلى أن أن فيضان دجلة به عنفوان، بينما النيل أقل عنفًا في فيضانه، لكنه في الوقت نفسه كان متقلبًا بين الزيادة، في بعض المواسم، والنقصان، في مواسم أخرى، ما من شأنه أن يحدث تأثيرًا سلبيًا.

وهنا يحضرني رأي للدكتور علي النشمي، أستاذ التاريخ في الجامعة المستنصرية، إذ يتفق مع الدكتور الخفاجي في هذه القضايا، إلا أنه يبرز أن الفوارق بين الشخصية المصرية والشخصية العراقية تعود إلى اختلاف طبيعة البلدين، ولهذا نجد الشخصية المصرية "فرحة مرحة راقصة، بينما العراقية نجدها حزينة، خائفة، غاضبة وفي بعض الأحيان متفجرة. وهذا يعود إلى طبيعة فيضان الأنهار في البلدين، ففيضان النيل يعني خيرًا للمصري ، بسبب موعده وطبيعته، وكان المصريون يتضرعون إلى الآلهة كي تبعث لهم بالفيضان، وكانوا يرقصون لها، والرقص الشرقي كان دينيًا ويقدمون للنهر عروس النيل ويرقصون له، والرقص الشرقي في مصر اليوم امتداد للرقص للإله حابي، النيل! أما الفيضان في العراق فيأتي قبل الحصاد بقليل ما يترك آثارًا سليية.
هذه الطبيعة الهادئة للنيل وشح مياهه في الشتاء صبغت الشخصية المصرية بهدوء يميزها في الوطن العربي، وجعل المصري ينأى بنفسه عن المشكلات، يزهد الصراعات، يتحايل على نقص الموارد باللجوء إلى ماوراء الطبيعة، ويطالب بالسلام مع محيطه ومع الآخرين. وهذه الشخصية يعكسها مطلع قصيدة أبي الحسن الشُشتري الذي يقول فيه: "شويخْ مِن أرْضِ مِكْناس/وسْط الأسْواق يُغَنِّي.أشْ عَلَيَّا مِن النَّاس / وأشْ على النَّاسِ منِّي.أش عليّا يا صاحب/ مِن جمِيع الخَلايقْ.إِفْعَل الخيرَ تنْجُو/ واتبعْ أهلَ الحقائق".
من النقاط المفصلية في كتاب الدكتور الخفاجي مسألة الخلود بين الفكر العراقي والفكر المصري، إذ يعقد مقاربة فلسفية في جدوى الوجود فيهما. فموقف المصري القديم من مسألة الخلود جعله يؤمن بحياة ثانية، ما حمله على الاعتناء بمدافنه والحرص على أشيائه التي يضعها معه في القبر من طعام وشراب وملابس وحلي وعطور وأسلحة. واشترطت فكرة الخلود لدى المصري القديم الطهارة، النقاء من الدنس، والاعتراف بالذنب ثم الحساب. وهذا يحيلنا، في رأيي، إلى الفكرة التي جاءت بها لاحقًا الأديان السماوية.
وفي الفكر العراقي لم يولِ العراقي القديم أهمية لفكرة الخلود، فقد فطن إلى مصيره المحتوم، ومعه استحال الخلود، وهو ما كرسته "ملحمة كلكامش" التي تؤكد أن الآلهة أرادت للبشر الموت وقررت هذا الأمر وقدرته له منذ مولده. وقد كرر كلكامش معرفته بنهايته الحتمية، الموت، وعدمية الخلود. ويرى أن عدمية فكرة الخلود وعدم جدواه ربما ألقت بظلالها على الرغبة المستمرة للشخصية العراقية ورفضها لفكرة الموت، ولهذا فإن هذه الفرضية تتحقق في عشق الحياة وحبها ، والكراهية واليأس تجاه الموت، ما قاد العراقيين إلى التفتيش عن اللذات الدنيوية.
يشير الدكتور الخفاجي إلى أن حب الحياة لدى العراقيين ربما هو الذي انعكس إلى حد ما في فلسفتهم الدينية فجاءت مسربلة بفتور تجاه الحياة ما بعد الموت، يتخللها قلقل مشروع في نظرتهم لفلسفة الخلود. ويذهب إلى أن فكرة المجهول، الموت، مرهونة بقوى المجهول. ورغم أن الشعب كان يتوجه إليها بالصلاة والدعاء وتقديم القرابين والأضاحي فإنها ترتكز إلى فكرة كون المجهول أخذ الهبات، ولأن البشر يعلمون أن هذه القوى قد لا تصغي إليهم ولا تحقق أمانيهم ورغباتهم.
يخلص الكتاب الموسوعة، بخصوص هذه الفكرة، إلى أنها واضحة في الفكر الفلسفي والأسطوري المصري، بينما هي غير واضحة لدى العراقيين القدامى، رغم أنهم كانوا يرون أن الموت مقدر على البشر وأن الخلود صنو الآلهة فقط. هذا في مقابل رفض المصريين اقناط الإنسان بأن الموت نهاية، وهو انتقال إلى حياة أخرى.
ولهذا فإن الوصول إلى الخلود عند المصريين لا يكتمل إلا بعد عبور الصراط الذي يؤدي به إلى نعيم أوزوريس، إله البعث والخلود ورئيس محكمة يوم الحساب، ويذهب فورًا إلى مقر النعم وجنته وهناك سيجد شجرتين عظيمتين، إحداهما شجرة الحياة. وعالم الخلود عند المصريين متنفس مادي لكل الرغبات وبدا حلمًا جميلاً وأصيلاً. أما عند العراقيين فقد عملت فكرة الخلود فعلها في ذات الفرد، إذ ظل صوت المتعة يتجدد صداه عند ملوك العراقيين من كلكامش إلى أشور بانيبال ويؤكد على علو شأن المتعة في الحياة ورغبة الإنسان أن يعيش جنته الدنيوية على الأرض بعد يأس من الخلود بعد الموت.
لم يعدم العراقيون الخلود لكنه كان بمثابة دعوة للاستماع، وكان مرتبطًا بحالة الرضا من الآلهة ومرهونًا بالخلود في الحياة الإجتماعية، أي مقترن بعدد الأولاد والمركز الاجتماعي والطاعة وتقديم الصلوات والقرابين.
كلما غاص المتلقي في هذا الكتاب الموسوعة يكتشف مستجدات كثيرة. من أبرزها أن الدين لعب دورًا مهما في حياة المجتمعين المصري والعراقي، وكان متغلغلاً في نواحي الحياة رغم أن الديانة لم تكن قد اتخذت لها نظامًا لاهوتيًا، فإن الخوف كان الشعلة المضيئة التي أنارت طريق الإنسان نحو العقيدة وحقيقة الآلهة. وقد وصلا إلى ذلك عبر التأمل وطرح أسئلة، فكان المخرج عبر الدين أن التعبد لمساعدتهم في حل ألغاز لها عظيم الأثر في حياتهم كالحماية من الأخطار، سواء أكانت المعروفة أم المجهولة. كل هذا أدى بدوره إلى تصورات انفعالية الطابع، وبالتالي تجسدت هذه الانفعالات والخوف من الطبيعة إلى ولاء وطاعة للسماء بغية حماية الإنسان من الأخطار.
وتظهر النصوص القديمة لدى العراقيين والمصرين احتفاءهما بالخالق في طقوس العبادة. وكان للتقاليد دور في خلق صورة الآلهة ووظيفتها، ضرب مثالاً بالإلهة ماعت، المصرية القديمة، إذ كانت صفة مخلوقة كونتها التقاليد وجعلت منها فكرة للاستقرار، مي، وكان لها كلمة في بلاد الرافدين تعني الوجود أو القوى الإلهية التي تعني الوجود الإلهي الهيولي الميتة أو الحية بشكل أزلي. وكلتاهما، ماعت ومي، غير مشخصتين بجسد لكنهما وسيلة تتحكم من خلالها بأمور العالم.
تطلبت العلاقة بين الإنسان العابد والإله المعبود اقامة شعائر وطقوس دينية، فكان فرض واجبات متساوية، وقامت علاقة تناضح بينهما، فالإله يطلب من أتباعه المخلصين واجبات متساوية وأن يعملوا ويتعبدوا له في مقابل، أي حمايتهم والمحافظة عليهم. وقد وُضعت شروط للتعبد على رأسها الطهارة، بلا نجاسة، لتأخذهم قلوب المريدين الطاهرة إلى فيافي الرحمة وتقربهم من السماء، بعد أن يكونوا قد تطيبوا بأفضل الروائح والبخور وقدموا القرابين.
من النقاط الأخرى التي تجمع بين العراقي والمصري الأساطير الدينية القديمة، فقد اتسمت بقوة البصيرة واضاءة الطريق بغية تفسير الحقيقة، وتقديم رؤية استبطانية للأشياء، فهي رؤية حدسية لصور هذه الأشياء الرمزية. كما أن كليهما حاول تقديم تفسير للكثير من الظواهر عبر فكره الأسطوري.
ويذهب الدكتور الخفاجي إلى أن موضوعات الأساطير المصرية والعراقية تتميز بالجدية والشمول مثل أسطورة الخلق والخصب، والموت والخلود. ويرى أن من المميزات المهمة للنص العقائدي والأسطوري ثباته عبر فترة طويلة من الزمن، وتناقله بين الأجيال، ويضرب مثلاً على ذلك من خلال هبوط الإلهة إنانا، عشتار، إلى العالم الأسفل وأسطورة إيزيس وأوزوريس.
خص الخفاجي عقائد الخصب وطقوس الجنس عن المصريين والعراقيين بمقاربة أسطورية ثاقبة استخلص فيها أن كلا المجتمعين جسدا قوى الخصب، التي تسبب التكاثر، في آلهة الخصب والنباتات والماشية، ولهذا لم يقفوا عند الإيمان بالمعتقدات بل أقاموا احتفالات وطقوسًا دينية يعبدون أو يحاكون من خلالها ما صنعته الآلهة.
وفي هذا السياق نجد أن النص الأدبي، في حضارات بلاد الرافدين، سجل تداعيات العلاقة الجنسية كونها طقسًا إلهيًا يحاكي طقوس الطبيعة من خلال أسطورة الزواج المقدس. وكان من واجبات الملك الباعثة على السرور أن يتزوج من إلهة الخصب والإنجاب، ذات الشهوة الطاغية والعواطف الهائمة. والإلهة هنا تتحكم بانتاجية الأرض وخصوبة الرحم في الإنسان لكي تضمن السعادة والرفاه واستمرار الحياة. ولعل أسطورة تموز وإنانا نموذج واضح يعكس استمرار الحياة التي كانت نهايتها الزواج المقدس. كانت الحياة تتجلى بزواجهما وتنعدم بافتراقهما.
كان للنيل واهب الحياة في مصر إله، حابي، أي السعيد، وقد صوره في البداية على أنه يحمل ثنائية جنسية ذكرية وأنثوية، ثم ما لبث أن قصروا القدرة الإلهية الذكورية المنتجة عليه، إذ كان مصدر خصب ونماء. ثم تطورت الأساطير الجنسية ليصبح الإله المعبود، حائز علوم السماء والأرض، الذي يقدم الدرس الجنسي الأول. واقترنت فكرة الخصب عند المصريين بفكرة اقتران السماء والأرض دون معصية أوامر إله الشمس، رع. ومن هذا الاتحاد خرج العاشقان أوزوريس وإيزيس، لتجسد أسطورة إيزيس أرض وادي النيل الخصبة، وغدت بفضل اخصابها السنوي بلقاح أوزوريس موزعةً للغلال والمحاصيل.
خلص البحث الموسوعي إلى نقاط تماثل في النظرة إلى الجنس لدى المصريين والعراقيين. أبرزها يتمثل في التشابه بين أسطورتي تموز وإنانا العراقية وأسطورة أوزوريس وإيزيس المصرية، وخاصة في ذهاب كل منهما إلى العالم السفلي، ما يعني الانبعاث أو الحياة الأبدية. ارتبطت الأسطورتان بفكرة الخصب والنماء والتكاثر. وفي هذا المضمار يشير إلى نقطة أخرى تتمثل في اشتراك المجتمعين في شيوع نظام الزواج بعقد رسمي لضمان حقوق الزوجة، وكانت تتعامل على أنها سيدة البيت، مع الأخذ في الاعتبار احتمال زواج الرجل بأكثر من امرأة لكنها تبقى هي صاحبة الحظوة في الحياة الإجتماعية.
وهنا يحيل إلى نقطة أخرى، تتمثل في أن قدماء المصريين عرفوا الزواج من الأخت بينما لم يحبذها العراقيون. وعلى العكس في تعدد الزوجات، المحظيات، نجد أن العراقي فضلها بينما عزف عنها المصري القديم ولم يمارسها، وربما هذه العملية جعلت المرأة المصرية تحتل مركزًا سياسيًا مرموقًا في الحياة السياسية. وكان أمرًا مذمومًا رغم أن التشريعات والقوانين كانت تجيز تعدد الزوجات.
لا شك أن الطبيعة لعبت دورًا مؤثرًا في حياة أهل وادي النيل وبلاد الرافدين، فكان اشتراكهما في تأمل ظواهرها ومحاولة تفسيرها، فلجآ إلى غير المرئي، الماوراء الطبيعة، وعليه صبغ طبيعة الشخصيتين طابع التدين. وكان مرجع هذا التدين مرتبطًا بقوة أكبر من الإنسان ولا يريد أن يخالفها، لكن قوة الشخصية في الحالتين جعلتها تبتكر الألهة في البلدين.
وقد أفضت دراسة العقائد الدينية لدى الحضارتين إلى استنتجات ثاقبة من بينها أن الشخصيتين ساهمتا في صناعة العقل الديني لعدد كبير من الحضارات، ما جعلها قريبة من الديانات السماوية في موضوعة الخلق والحياة والموت. وهو تدين يدعو إلى الإيمان بوجود الإله وإشاعة روح الفضيلة وحب الطبيعة. كما أن هذا التدين كان يدعو إلى الوحدة الوطنية والاجتماعية.
كان لظاهرة التدين أثر ملحوظ على الحياة العراقية والمصرية تمثلت في أن وحدة الطقوس الدينية وسعت التجمع حول المعبد وبناء نسيج اجتماعي مستقر إلى حد كبير. كما أن التدين أدى إلى بث روح الاحترام بين النسيج الاجتماعي من خلال توحيد طقوس الزواج والطلاق ومعاملات البيع والشراء والتقاضي، فساهمت هذه العملية في ضبط أداء المجتمع. وأشاعت الحياة الدينية عند الناس نوعًا من الطمأنينة والهدوء والاستقرار، وبالتالي حقق التدين نوعًا من التوازن النفسي فصار نظامًا يضمن للفرد ضربًا من التوازن النفسي فصار نظامًا يضمن للفرد نوعًا من الاستقرار في ظل ظروف الفوضى والدمار في أزمنة الأزمات والصراعات والعدوان الخارجي.
وعن ظاهرة التدين تولد لدى الشخصيتين تأثير على الحياة الفكرية والأدبية، وشحذت الطقوس مخيال الإنسان ما أفضى إلى مكون نصوص أدبية جميلة، وأثرت على حياة الأفراد في المجتمعين، وساهمت النصوص الدينية في حفظ الكثير من تراث الآلهة.
كلا الشخصيتين تمجد البطولة، وهو ما تتبعه الباحث الحصيف د. مزهر الخفاجي من خلال عالم الأساطير والملاحم. وقد ساهم الخيال الأدبي العراقي في نسج أخبار الأبطال والتفنن في تصوير معاناتهم أكثر منه في الخيال الأدبي المصري. ويعزي المؤلف هذه الحالة المصرية إلى عزلة مصر الطبيعية والطبيعة المستقرة وندرة عناصر التهديد الأخرى من طبيعية وغزوات وعقائد دينية، جلعت الأدباء المصريين يميلون إلى تكريس بطل من نوع آخر، بطل تتحرك معانيه حول فكرة تمجيد البطل الأخلاقي أكثر مما يمجد البطل الإنفعالي الساعي إلى تحقيق ذات وليصبح بعدها هو محور الحدث، وليس كنسيج طبيعي من الحدث كما هو عند المصريين.
وخلص إلى أن البطل والبطولة في نموذجها التاريخي، وهو ما كرسته كتابات ملكية قدمت الملوك في الحضارتين كأبطال تقمصت شخصياتهم معاني البسالة والبطولة أو في القدرة على مقامة الأعداء والقدرة على ملاحقة الخارجين على القانون والمتربصين بالبلاد. وكان هذا المعنى الوطني في البطولة هو الذي دفع الأديب المصري ونظيره العراقي ليسجل انتصارات ملوكه، ثم أطلق عليهم صفة الملوك الأبطال أو الرجال الخالدين.
شغل الاحتفاء بالاخلاق جزءًا من الكتاب، فالتقت الشخصيتان على التأكيد على أن من الأخلاق العالية وجوب احترام الإله، وذلك لكون الإله هو الذي يجازي الأنقياء، فنقاء السجية مصدره نقاء أخلاق الفرد. ومن هذا المنطلق حمل الدرس الأخلاقي على احترام الحزن الأزلي الذي كرسته فلسفة نحو الموت، وهو ما أيقنه المصريون والعراقيون حتميته ما خلق شخصية طبعية ومتوسلة بهذه النهاية، وفي الوقت نفسه كانت توسلاتها وأعمالها وقرابينها في الاتجاه ذاته.
النقاط كثيرة التي تناولها الكتاب، لعل من أبرزها في الجزء الأخير الانصياع للنظام، من منطلق القواعد والنظام بالمعنى العام القائم على الترتيب الزماني والمكاني والتسلسل في العلل. ويؤكد المؤلف أن النظام صار للعراقيين والمصريين ثميل أسلوب حياة، إلا أنه يتضح في حضارة بلاد الرافدين أكثر عنه حضارة وادي النيل، ويضع تتويج الإله، العاهل، وحسب رأيه فإن هذا يتجلى في تتويج الملك حمورابي. فقد اعتقد العراقيون أن عملية تثبيت العدالة هي من أولى مهام اعتلاء الملك العرش.
هذا بينما انطلق النظام في مصر القديمة من فرضية أن الفوضى من صنع الشيطان وأن القانون يعمل في صفوف الملائكة. ومن خلال افتفاء أثر القوانين في البلدين خلص إلى أن جذور النظام المصري، أي القوانين في مصر، لم يجدها موثقة كثيرًا كما حدث في بلاد الرافدين إذ وجدها موثقة في الألواح،وهذا لا يعني أن الحالة المصرية نقيصة، بل ربما طبيعة البلاد، وكتابة القوانين المصرية على أوارق البردي، وكذلك شفاهية العقود والمكاتبات بين المواطنين، وكان يضمنها قسم المواطنين إلى أن أنشئت محاكم توثيق العقود وتسجيلها لضمان صحتها. وهناك مبرر آخر وهو أن الملك في وادي النيل ظل مسيطرًا على السلطتين التنفيذية والقضائية حتى الأسرة الثالثة، وقبلها كان الفرعون يتصرف في أي سلطة سياسية، وكان رب مصر وسيد مَنْ عليها وما عليها، فتمثل النظام في شخصه طول فترة طويلة من الحضارية المصرية القديمة.
لم يكتف الفرعون بهذا بل كان قمة هرم الملكية في المجتمع المصري، فكانت سلطته تضم كل المصريين وتوحد كل الطوائف المالكة في مجتمع كان قائمًا على أساس وجود طبقات. هذا بينما يرى أن التملك ذا الطابع المادي، الأراضي الزارعية، كانت تقع تحت سيطرة المعبد، ومقسمة إلى ثلاثة أقسام: قسم مستغل من قبل الأفراد مقابل خدمة معينة يقدمونها للمعبد، والثاني كان يؤجر للفلاحين لقاء أجر مقطوع، والأخير كان مستغلاً من قبل المشتغلين في المعبد لسد حاجات المعبد.
وفي سياقات كتلك كان ضروريًا أن يكون هناك وجود للعبودية في الحضارتين. كان الملك الإله، في وادي النيل، والملك الكاهن، في بلاد الرافدين، المالك الأوحد وظل حقبًا طويلةً مستوليًا على ملكية واقتصاد البلدين، وظلت الدولة تتبع نظام المركزية إلى أن تحولت إلى دولة لا مركزية في عصور لاحقة فبدأ استنشاق هواء التغيير في اقتصاد البلدين ما أدى إلى افساح المجال إلى الملكية الخاصة لتصبح جزءًا من خصائص المجتمعين.
يشمل هذه السِفر في متنه وتحليلاته واستنتاجاته الثرة قضايا أخرى كثيرة تتوزع بين التماثل والاختلاف في الخصاص الفردية للشخصيتين العراقية والمصرية. ومن بينها تجنب الخطيئة، القلق والخوف، النزوع إلى الشك، الإيمان بالاحلام والعرافة، الميل إلى الحزن، ممارسة السحر، موهبة الذكاء والحب. وهناك وصل إلى أن مخرج الميت المُشرك، العراقي القديم، الجنائن المعلقة، وهي كتابة عن الماء والتراب وخضرة الحياة، بينما أثر مخرج ونهاية الميت الموحد، المصري القديم، فهي الأهرامات، أي كتل عظيمة مهيبة من الصخر الصلد الذي لا حياة ولا ماء ولا تربة فيه.
ومن الملفت للنظر أن الحزن يمثل إحدى سمات الشخصية العراقية والمصرية، على عكس ما هو شائع اليوم. يشير الدكتور الخفاجي إلى إن حياة المصريين كانت مليئة بالعناء، وهذا العناء ألقى بظلاله على روح الفرد وعلى أدائه وخطابه الأدبي، فالكثير منها ملئ بالشكوى والتباكي من المظالم. وشكوى المصري مشابهة لشكوى شقيقه العراقي، فهي تراوحت بين خوفه الأدائي، الذي كان سببه ظلم الآلهة وتلويحها له بالعذاب وبين نهايته في الموت، التي تجعله يجنح للتمرد.
وفي مبحث آخر يجزم الخفاجي بأن العقل العراقي والمصري يتسمان بقدرتهما على الإلهام، وروح الإلهام تتمتع بها العقليتاين. وقد ساهمت في تكوين خاصية الذكاء قدرتهما على التعلم والتفكير المجرد وحله للمشكلات وتحديه لبيئته. كان هذا الزخم وراء شخصية استطاعت أن تُبدع منظومة من المعارف والمفاهيم والمبادئ والأفكار في شتى مجالات الحياة. وهي الخاصية نفسها هي التي حملتها على تنظيم حياتها والحفاظ على وجودها من الإنقراض فقدمت نموذجًا للحياة.
ويستنتج من بحثه أن المصريين بلغوا غاياتهم بفضل حبهم للحياة ونشاطهم الذي ما انفك يزيد نتيجة تمثلهم المتصلة المتجددة، وبفضل صحتهم وسناء شمسهم وما يسفر عنه فيضان النيل من رخاء. كان المصريون قومًا لهم هبات عقلية، وكانوا متوقدي العزيمة ومتيقظين، ونتج عن اتقادهم هذا حياة عقلية وعالم فكري يبحث فيما وراء الأشياء الدنيوية ودائرة الدين.
وبعيدًا عن النقاط الجامعة أو الفارقة بين الشخصيتين يجد القارئ أن ما قدمه الشعبان للمنطقة أكبر مما يتصور بعضنًا، لكن يظل عنصر الخوف من الوقوع في شَرَك الشِّرْك أو الاتهام بالإلحاد جعل من بيدهم الأمر لا يخوضوع في هذه الحقول الشائكة. لكن الرد على كل هذه الأمور هو أن الأديان السماوية نقلت عن حضارات المنطقة القديمة، في مصر والعراق وبلاد الشام، كان أمرًا ضروريّا كي تكون رسائلها السماوية قريبة من الفكر الساري بين شعوبها.
بعد الانتهاء من قراءة هذا السِّفر تذكرت صديقي العزيز وحيد داود، الذي خطفته الكورونا الوقحة، كمن اخترعوها. كانت تجمعنا لقاءات ثرة في مضمون نقاشاتها، إنسانية بين اخصائيين في مجالين مختلفين، تجمعهما الإنسانية دون النظر ولو للحظة إلى العقيدة. كنت أختار وقت ومكان اللقاء. كان ذلك دائمًا قبل الغروب بلحظات ليشمل الساعات الأولى من الليل، والمكان شرفة مطعم ترنو أهرامات الجيزة. اختصاصه في علم المصريات، عن حب وعمل، جعلني أستجوبه عن أشياء كثيرة من الديانة المسيحية وتأثرها بمصر القديمة وأنهل من معرفته في هذا المجال. وفي نهاية اللقاء كان يقف كالمارد، فخور بما خلفه الأجداد، ميشيرًا بذرعه صوب الهرم، قائلاً: كل الأديان السماوية غرفت من هذا المكان، أي الحضارة المصرية القديمة. تذكرته كثيرًا وأن أسبح بين صفحات هذا الكتاب، وكيف أن قدماء المصريين ومعهم العراقيين رسموا الخطوط العريضة لمعتقدات المنطقة والعالم الدينية قبل آلاف السنين. وهو ما يتجلى في مسائل جمة، لعل أبرزها الخلود والعالم الآخر والروح والثواب والعقاب.
لا شك أن ماضي الشعبين تعكسه مرآة الحاضر، لهذا أتمنى أن أقرأ كتابًا يعالج خصائص الشخصية المصرية والعراقية في زماننا، لكن عليه أن ينطلق من بيت الشاعر العراقي الفذ عبد الرزاق عبد الواحد : قَدْ يَأْكُلُون لِفَرْطِ الْجُوعِ أَنْفُسِهِمْ/لَكِنَّهُمْ مِنْ قُدُور الْغَيْرِ مَا أَكَلُوا!، من قصيدته "يا صبر أيوب". ومن أمنياتي غير الصعبة أن تصدر نسخة مصرية لهذا الكتاب، بعد أن يكتب مقدمته اخصائي في حضارتي البلدين، فمن المؤكد أنه سيثري المتلقي بأفكار تصب في الحاضر.



#خالد_سالم (هاشتاغ)       Khaled_Salem#          



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- خمسون عامًا على ثورة القرنفل في البرتغال
- الشاعر أُكتابيو باث في ذكراه:على العالم العربي أن يبحث له عن ...
- قصيدة إسبانية في رثاء المفكر الفلسطيني وائل زعيتر
- العربية محفوظة لكونها لغة القرِآن؟!
- كارمن رويث برابو المستعربة العربية
- اليوم العالمي للغة العربية والعرب اللاتينيون المنسيون
- الروائي لويس ماتيو ديث يفوز بجائزة ثربانتس نوبل آداب الإسبان ...
- حقوق الملكية الفكرية وتأثيرها على التنمية المستدامة: إسبانيً ...
- الأوهام الدينية بين هيكل سليمان وقصر الحمراء
- المقاومة بين نومانثيا الإسبانية وغزة الفلسطينية
- اليهود بين المتحف العراقي وطوفان الأقصى
- زُرت بلاد الرافدين
- ذكريات عن علاقة الروائي جمال الغيطاني بإسبانيا
- إسهامات العربية في الشبكة المعلوماتية بين -الرُّبع- العربية ...
- في وداع أنطونيو غالا آخر مبدعي إسبانيا العظام
- أدب الحدود بين القصة الموريسكية والمسرح الإسباني المعاصر
- رؤية المستعرب بدرو مارتينث مونتابث العالم العربي من خلال مصر ...
- حسن عطية ومسرح وسينما إسبانيا وأميركا اللاتينية
- الناقد الدكتور صلاح فضل ينهل من ينابيع إسبانيا الفكرية
- ولوج الشعر مفيض وسائل التواصل


المزيد.....




- -حزب الله-: استهدفنا مستوطنة تسوريال بشمال إسرائيل لأول مرة ...
- تحذير أممي من تحوّل العراق إلى محور إقليمي لتهريب المخدرات
- سقوط -جمهورية- حمدي ووفاء: حكم قضائي بإغلاق قناة كوبل شهير ف ...
- وسائل إعلام عبرية: سماع دوي انفجارات في مستوطنات بشمال إسرائ ...
- الرياض.. برنامج موهبة يحتفي بشباب العرب
- بايدن ليس أول من انسحب.. لكنه حقق رقما قياسيا! ما هو؟
- القادة العسكريون يؤكدون لنتنياهو أن الجيش قادر على الانسحاب ...
- إطلاق نار في ولاية ميسيسيبي الأمريكية يسفر عن مقتل 3 أشخاص و ...
- مع التقدم الروسي.. الناتو يغرق بأوكرانيا
- لماذا يختلف العراقيون حول 14 تموز؟


المزيد.....

- تاريخ البشرية القديم / مالك ابوعليا
- تراث بحزاني النسخة الاخيرة / ممتاز حسين خلو
- فى الأسطورة العرقية اليهودية / سعيد العليمى
- غورباتشوف والانهيار السوفيتي / دلير زنكنة
- الكيمياء الصوفيّة وصناعة الدُّعاة / نايف سلوم
- الشعر البدوي في مصر قراءة تأويلية / زينب محمد عبد الرحيم
- عبد الله العروي.. المفكر العربي المعاصر / أحمد رباص
- آراء سيبويه النحوية في شرح المكودي على ألفية ابن مالك - دراس ... / سجاد حسن عواد
- معرفة الله مفتاح تحقيق العبادة / حسني البشبيشي
- علم الآثار الإسلامي: البدايات والتبعات / محمود الصباغ


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - خالد سالم - خصائص الشخصية العراقية والشخصية المصرية