|
أبله فضيلة … صوتٌ صنع طفولتَنا
فاطمة ناعوت
الحوار المتمدن-العدد: 7565 - 2023 / 3 / 29 - 11:38
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
وداعًا للصوت الخالد الذي كان أكسجين الصباح لجميع أطفال جيلي في مصر والوطن العربي. كان صوتُها الدافئ ينسابُ إلى داخل أرواحنا وعقولنا مع نسمات الصبح، ننتظره بشغف، وتحرصُ أمهاتُنا عليه مثلنا، لأنهن يدركن أن ذلك الصوت لا يحكي حدوتة مُسلّية تتبعها أغنيةٌ موحيةٌ وفقط، بل يمنحُ أطفالَهن درسًا تربويًّا وأخلاقيًّا، سوف يساهم في العملية التربوية، ويترك أثره الطيبَ في نفوس الصغار، على نحو أعمق من تعليمات الأبوين الحاسمة والنصائح المشددة. رحل قبل أيام أهذا الصوتُ العذبُ الذي صنع طفولتنا ورسّخ داخلنا العديد من القيم النبيلة التي اختصرت مع الأمهات والآباء طريق التربية الشاقّ الطويل. وداعًا "أبله فضيلة"، صاحبة أشهر برامج الأطفال الإذاعية "غنوة وحدوتة"، التي كتب كلمات أغنياتها عملاقُ الكلمة "صلاح جاهين"، ولحّن موسيقاها "سيد مكاوي"، ورددها أطفالُ جيلي. “يا ولاد يا ولاد/ تعالوا معانا/ عشان نسمع أبله فضيلة/ راح تحكي لنا حكاية جميلة/ وتسليّنا وتهنينا/ وتذيع لينا كمان أسامينا/ أبله أبله فضيلة”. ثم يتبع ذلك صوتُها الآسرُ تستهلّ به الحدوتة قائلة: “حبايبي الحلوين". الإعلامية الكبيرة "فضيلة توفيق عبد العزيز"، التي رفضت أن تمنح نفسها لقب "ماما"، على عادة ما يفعل مقدمو برامج الأطفال؛ إذ كانت ترى أن الأبَ والأمَّ مفردان فريدان، لا ينال مكانيهما أحدٌ، وفضّلت أن تكون "الأخت الكبرى"، التي تحكي الحواديت لأشقائها الصغار فيُقال لها: “أبله"؛ وهي كلمة تركية توارثناها نحن المصريين وتعني: “المعلمة"، أو "الأخت الكبرى". وُلِدت فى٤ أبريل ١٩٢٩ لأب مصري وأم تركية، هي الشقيقة الكبرى للفنانة الجميلة "محسنة توفيق"، وعاشت طفولتها في شارع الملكة نازلي، رمسيس حاليًّا، وتلّقت علومها في "مدرسة الأميرة فريال"، وجاورتها على مقاعد الدرس الطفلة التي سوف تغدو مع الأيام سيدة الشاشة "فاتن حمامة". نشأ شغفُها بالقصص منذ طفولتها حين كانت والدتها تجمعها مع أشقائها لتحكي لهم الحواديت الفلكلورية، وكذلك كان يفعل جدها. التحقت بكلية الحقوق جامعة القاهرة، وبعد تخرجها عملت في مكتب محاماة. وفي يومها الأول بالعمل غلبها شغفُها بالقيم وروح السلام، فحاولت الصلح بين الخصوم فى إحدى القضايا التي وردت للمكتب. فقال لها مديرها إن مهنة المحاماة تعتمد على الخلافات، وإنها بهذا لا تصلح للعمل بتلك المهنة. وقدمت أوراقها للإذاعة وتم تعيينها مذيعةً لنشرة الأخبار، وتدربت على يد الإذاعي الكبير "حسنى الحديدي"، أحد أشهر مذيعي نشرة الأخبار بالإذاعة المصرية. وكانت نقطة التحول في حياتها حين التقت بالإذاعي "محمد محمود شعبان"، الشهير بـ"بابا شارو" الذي كان يقدم برنامجًا شهيرًا للأطفال حتى منتصف الخمسينيات، وأخبرته عن حلمها بتقديم برنامج للأطفال مثله. ومع بدايات البث التلفزيوني وانتقال "بابا شارو" للعمل به في بداية الستينيات، اختارها لتحل محله في تقديم برنامج إذاعي للأطفال، فكان ميلاد برنامجها الأشهر: "غنوة وحدوتة". وكانت الأسرة المصرية والعربية تنتظر بشغف هذا البرنامج التربوي التثقيفي الترفيهي اليومي، الذي استضافت فيه أسماء بارزة ورموزًا مصرية خالدة مثل: العالم "فاروق الباز"، الأديب “نجيب محفوظ"، الموسيقار "محمد عبد الوهاب"، الكاتب "أنيس منصور"، الشاعر "كامل الشناوي"، الموسيقار "سيد مكاوي"، الفنان "عبد الحليم حافظ"، والدكتور "يحيى الرخاوي"، وغيرهم، ومن خلال البرنامج والأغنيات قدمت مجموعة من الأطفال الموهوبين الذين صاروا نجومًا في دنيا الغناء مثل: “هاني شاكر"، "مدحت صالح"، "صفاء أبو السعود”. تولت مناصبَ رفيعةً ومهامّ دقيقة خلال مشوارها الإذاعي، منها: مراقبة برامج الأطفال خلال الستينيات الماضية، ثم مديرًا عامًّا لبرامج الأطفال في السبعينيات، ثم نائبًا لرئيس الشبكة التجارية في الثمانينيات، وقدمت على مدار مشوارها الإذاعي عدة برامج إذاعية منها: “س، وج”، "مستقبلي"، ولكن يظلُّ "غنوة وحدوتة" درّة عقدها الأشهر. ومن أشهر الحواديت والحكايا التي مازلتُ أذكرها لا تبرح ذاكرتي: "الفلاح الفقير"، "الأرنب الطماع"، “بنت الفلاحة”، "الكتكوت الصغير"، "أرنب وتعلب"، "المقشة الصغيرة"، "أبيض وأسود"، "شغل بابا"، "كراسة الرسم"، "القطة مشمشة"، “ياللا نسمع كلام ماما”، "كوب اللبن"، وغيرها مما هو عصيٌّ على الحصر، والنسيان. حصدت أبله فضيلة العديد من الأوسمة والتكريمات باعتبارها صاحبة إحدى أجمل وأخلد وأشهر الرسالات التربوية المسموعة في عالم الطفولة منها: "وسام الاستحقاق من رئيس الجمهورية"، وشهادات تقدير من الاتحاد السوفيتي، ونقابة الصحفيين المصريين، والمركز الكاثوليكي للسينما. كما اختيرت "الأم المثالية للإعلاميين"، وضيفة الشرف في معرض القاهرة الدولي للكتاب عام ٢٠١٦. تزوجت "أبله فضيلة" من كبير مهندسي الإذاعة المصرية "إبراهيم أبو سريع"، وأنجبت ابنتهما الوحيدة "ريم"، التي عاشت معها سنواتها الأخيرة في كندا، حتى رحلت عن عالمنا قبل أيام، لنردد معها: “توتة توتة، حلوة جدًّا كانت الحدوتة".
***
#فاطمة_ناعوت (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
في رمضان … نصومُ معًا!
-
أيها الكبارُ … لن أحتفل ب عيد الأم
-
مشروع الفُلك حدوتة مصرية
-
هاني شنودة ... صانعُ الصِّبا والفرح
-
زوجةٌ عظيمة ... لزوجٍ عظيم
-
الله يسامحك! … السِّحرُ كلُّه
-
واحد اتنين …. سرجي مرجي
-
عيد ميلاد عمر ... خارج الشرنقة
-
ذكرى مذبحة الأقباط في ليبيا
-
تشارلي ... الصامتُ إذا تكلّم!
-
أضيئوا بالحبِّ قلوبَكم
-
أخبرني الخيميائي … عن الماكياج
-
المتواضعُ العظيم … السنبلةُ الثقيلة
-
إقبال بركة … الجميلةُ التي أقبلت
-
بقلم: البروفيسور أحمد عكاشة
-
كيف تقتلُ الأدبَ؟
-
معرض الكتاب … على اسم مصر .. وذكرياتي
-
سلاح التلميذ ... وكتابي الجديد
-
سؤالٌ مُفخَّخ … في امتحان!
-
مع عمر… أعيشُ طفولتي!
المزيد.....
-
محافظة القدس: إسرائيل تدمر آثارا إسلامية أسفل المسجد الأقصى
...
-
محافظة القدس: إسرائيل تدمر آثارا إسلامية أسفل المسجد الأقصى
...
-
فرنسا: نصب تذكاري للمحرقة اليهودية يتعرض للتشويه بعبارة -الح
...
-
محافظة القدس: الاحتلال يدمّر آثارا إسلامية أموية أسفل المسجد
...
-
حرس الثورة الاسلامية: اليمن سيوجّه ردّا قاسيا للصهاينة
-
“نحن أبناء الأرض”.. مسيحيو غزة يرفضون التهجير
-
مسيحيو غزة: باقون في الأرض رغم القصف والتهجير
-
رئيس الوكالة اليهودية يلغي زيارته لجنوب إفريقيا خشية اعتقاله
...
-
إسرائيل تمنح وسام الرئاسة لزعيم الطائفة الدرزية
-
خطط اسرائيلية غيرمعلنة حول مستقبل المسجد الاقصي
المزيد.....
-
القرآن عمل جماعي مِن كلام العرب ... وجذوره في تراث الشرق الق
...
/ مُؤْمِن عقلاني حر مستقل
-
علي قتل فاطمة الزهراء , جريمة في يترب
/ حسين العراقي
-
المثقف العربي بين النظام و بنية النظام
/ أحمد التاوتي
-
السلطة والاستغلال السياسى للدين
/ سعيد العليمى
-
نشأة الديانات الابراهيمية -قراءة عقلانية
/ د. لبيب سلطان
-
شهداء الحرف والكلمة في الإسلام
/ المستنير الحازمي
-
مأساة العرب: من حزب البعث العربي إلى حزب الله الإسلامي
/ حميد زناز
-
العنف والحرية في الإسلام
/ محمد الهلالي وحنان قصبي
-
هذه حياة لا تليق بالبشر .. تحرروا
/ محمد حسين يونس
-
المرحومة نهى محمود سالم: لماذا خلعت الحجاب؟ لأنه لا يوجد جبر
...
/ سامي الذيب
المزيد.....
|