أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الإستعمار وتجارب التحرّر الوطني - حاتم الجوهرى - لا لصفقة القرن المعدلة: مقاربة تسكين تناقضات الهوية العربية















المزيد.....


لا لصفقة القرن المعدلة: مقاربة تسكين تناقضات الهوية العربية


حاتم الجوهرى
(Hatem Elgoharey)


الحوار المتمدن-العدد: 7295 - 2022 / 6 / 30 - 14:40
المحور: الإستعمار وتجارب التحرّر الوطني
    


ما قبل زيارة بايدن المرتقبة وما بعدها
منذ "اجتماع النقب" الذي عقد في "إسرائيل" بأرضنا العربية الفلسطينية المحتلة -والذي خرج بعدة نتائج مصاحبة أو لاحقة بفترة قصيرة-؛ أصبحت تتردد عدة تكهنات في المشهد السياسي العربي بعضها يتحدث عن زيارة مرتقبة للرئيس الأمريكي جو بايدن، تضع النقاط على الحروف في سياسة أمريكية جديدة تجاه الشرق الأوسط والمنطقة العربية في نسخة ديمقراطية من "صفقة القرن" المعدلة، وبعض هذه التكهنات كانت تتحدث عن تحالف دفاعي/ عسكري تتوسطه دولة الاحتلال "إسرائيل" ويضم دولا عربية، وكما يعيد صف التحالفات في المنطقة لتواجه الحلف الروسي/ الصيني بعد غزو أوكرانيا.
ومؤخرا تم الإعلان عن موعد الزيارة المرتقبة (قمة جدة بالسعودية) لتكون في منتصف يوليو تقريبا؛ وتأتي الزيارة في توقيت حرج للغاية وسط جملة جديدة من المتغيرات والتعقيدات الإقليمية والدولية للدول العربية، لكن السؤال المطروح ماذا بعد زيارة بايدن والاحتمالات المستقبلية للدول العربية؟ هل سيقبل العرب -كلهم أو بعضهم- بما يتردد عن حلف ناتو شرق أوسطى ضد إيران بشكل أساسي! وهل هناك بديل عربي أو سياسة عربية يمكن تقديمها بدلا من الخضوع لصفقة القرن المعدلة والحلف المزعوم، لتصبح نقطة انطلاق يمكن البناء عليها لإحداث توزان سياسي وبناء موقف عربي؟
هذا ما سنطرحه في هذه الورقة وسنسمى هذا البديل بـ"مقاربة تسكين تناقضات الهوية العربية"، مؤكدين على أن ما تنفذه الإدارة الأمريكية أو السياسة الأمريكية عموما تجاه المنطقة يعتمد على تفجير تناقضات "مستودع الهوية" العربي، وإدارة هذه التناقضات بهدف تمرير الأهداف الأمريكية والصهيونية بالمنطقة.

الفرضية النظرية للبديل
حركة التاريخ كـ"نتاج للجغرافيا ومستودع الهوية"
لبيان تصورنا للبديل أو المقاربة العربية البديلة التي نطرحها، علينا أن نضع الإطار النظري أو النمط التاريخي لها، وهنا نقول إن المسيرة البشرية تقودنا لنتيجة منطقية تشي أن الجغرافيا هي أم التاريخ؛ إذ حيث تتواجد الطبيعة والموارد المناسبة يستقر الإنسان ويتكاثر ويبدأ في تكوين جماعة بشرية، ثم تكتسب هذه الجماعة شيئا فشيئا تقاليدا وعادات مميزة ومتوارثة لتصبح "مستودعا للهوية" يمنح الجماعات البشرية مذاقها الخاص وتنوعها.
ولكن هنا إذا كانت الجغرافيا هي أم التاريخ فإن الهوية ومستودعاتها ستصبح بمثابة الأب له، فإذا كان التاريخ في أصله ونشأته نتاجا للجغرافيا فإنه يمكن أن نقدم فرضا يقول بأن استمرار حركة التاريخ وتدافع الجماعات البشرية وتنافسها؛ هو نتاج لتدافع "مستودعات الهوية" عبر فك وإعادة تركيب مكوناتها من جديد لصالح الجماعات البشرية التي تتمدد ومستودعها، وعلى حساب مستودع الجماعة البشرية التي تتعرض للتراجع والتقهقر، فهنا يمكن تقديم فرضية واضحة تنص على أن: نشأة التاريخ واستقرار الجماعات كانت نتاجا للجغرافيا (الأم) والطبيعة وتوزع الموارد، في حين كانت حركة التاريخ وتدافعها هي حركة لـ"مستودع الهوية" (الأب) الخاص بالجماعات البشرية وتبدله.
وذلك لأن "مستودع الهوية" المشترك يقوم في بداياته على العرق والقبلية واللغة ونمط الحياة الذي تفرضه طبيعة الجغرافيا على تاريخ الجماعة البشرية بما يتراكم معه من عادات وتقاليد في الفرح وطقوس الحياة والاحتفال وخبرات الحياة التي تخرج في أمثال وقصص شعبية بطولية وأغنيات تعبر عنها، ومع الأديان السماوية اكتسب "مستودع الهوية" مكونا قويا إلى جوار العرق واللغة ونمط الحياة والتقاليد المرتبطة بها، وهو المكون الديني.
لكن كيف كان "مستودع الهوية" موضعا لحركة التاريخ وتبدلها! سنجد أن كل "مستودعات الهوية" في العالم مع مرور الوقت أصبحت تحمل داخلها التناقضات الكامنة، وأصبح وجودها عبارة عن اختيار من متعدد، بعض "مستودعات الهوية" البشرية تختار أن تُعلي من العرق ، وبعضها الآخر من اللغة، وبعضها الآخر من الدين، وبعضها الآخر يطور "حزمة مختارة" بمحض إرادته من "مستودع الهوية" الواسع، وفي فترات معينة تصبح الجغرافيا ذاتها محلا للصراع على الهوية، وذلك في فترات التبدل الحضاري وصعود واضمحلال الأمم، حيث يصبح الأمر جليا.
فالجماعات البشرية أو الدول التي في حالة تراجع تشهد جدلا واسعا وتفكيكا عنيفا لـ"مستودع الهوية" الخاص بها، لصالح "مستودع هوية" الجماعات أو الدول التي في حالة صعود وتمدد، ولكي تتم حركة التاريخ لابد من تشويه أو تفكيك "مستودع هوية" الجماعات المتراجعة أو تفجير التناقضات فيه، لكي يتم تقديم الآخر في صورة "الأعلى" و"الأفضل" و"الأحسن" و"الأقوى" وبالطبع يكون ذلك مصحوبا بالاستلاب لصالح "مستودع الهوية"" الخاص به.
وفي حقيقة الأمر ما صار يعرف في الثقافة الحديثة باسم "الجغرافيا السياسية"؛ ليس سوى التمثل الطبيعي لحركة التاريخ عند اضمحلال أمم وتراجعها وصعود أمم أخرى وتمددها، و"الجغرافيا السياسية" دائما ما تكون مصحوبة بـ"جغرافيا ثقافية" فتمدد جماعة بشرية ما في جغرافيا جماعة أخرى، لابد أن تصحبه "الجغرافيا الثقافية" للسيطرة على "مستودع الهوية" الخاص بالجماعة البشرية المتراجعة والقيام بتفكيكه لصالحها.

ما صفقة القرن ؟
وما تناقضات مستودع الهوية العربي!
وفقا للفرضية النظرية السابقة التي تعتبر حركة التاريخ تدافعا مستمرا في "مستودع الهوية" تمددا وتراجعا، وتفترض حتمية تفجر التناقضات فيه عند لحظات التدافع الحضاري وصعود أو تراجع الجماعات البشرية، يُطرح السؤال ما هي التناقضات التي يتم تفجيرها حاليا في "مستودع الهوية" العربي لصالح صعود الذات الصهيونية والذات الأوربية/ الأمريكية وتمرير هيمنتهما فيما يمكن تسميته بـ"صفقة القرن المعدلة" والتحالف العسكري المزعوم مع دولة الاحتلال "إسرائيل"؟
لكن ذلك يستتبع بداية أن نقدم تعريفا للصفقة القديمة.. في عهد دونالد ترامب كانت صفقة القرن تقوم بوضوح على تمدد جغرافي للصهيونية في فلسطين والمنطقة العربية، في مقابل حزمة من المساعدات الاقتصادية للفلسطينيين دون تحقيق لأي من المطالب السياسية المشروعة للشعب الفلسطيني (أوضاع ما قبل عدوان 1967م ومطالب مبادرة السلام العربية المطروحة عام 2002م)، وهذا التمدد الجغرافي والنفوذ (الجغرافيا السياسية) اعتمد على "جغرافيا ثقافية" لتفكيك "مستودع الهوية" العربي كانت هي "الاتفاقيات الإبراهيمية" -ومعها دعاة "الاستلاب للصهيونية" من العرب-، التي مررها ترامب عبر تفجيره للتناقضات العربية في كل الدول التي وقعت الاتفاقية أو اضطرت لتمريرها؛ في المغرب (الاعتراف بوجهة النظر المغربية في الصراع على الصحراء)، وفي السودان (ملف الرفع من قائمة الإرهاب والمساعدات المادية من الصندوق الإبراهيمي الذي مولته الإمارات)، وفي مصر عبر (الضغط من خلال ملف سد النهضة وإدارة تناقضاته)، ومع الإمارات والسعودية (بدافع طموحهما في التحول لمركز نفوذ عربي على حساب المراكز القديمة في مصر والعراق وغيرهما وتأجيج النبرة الذاتية).

نسخة الديمقراطيين من صفقة القرن المعدلة
واستمرار سياسة تفجير التناقضات
وفي بداية فترة بايدن ادعى أنه سيقوم بالتخلص من كل ما قام به ترامب في ملف صفقة القرن، لكن في الواقع لم يقدم بايدن دليلا على ذلك واستمرت محاولات التمدد الصهيونية في جغرافيا المسجد الأقصى، وبدأ بايدن يتحدث عن المشتركات الإبراهيمية وبدأت إدارة بايدن نفسها تتحدث عن تعزيز "الاتفاقيات الإبراهيمية" في نهاية عام 2021م، حيث "افادت صحيفة معاريف الاسرائيلية نقلا عن مسؤول في الادارة الامريكية قال إن الرئيس الامريكي جو بايدن يبدي اهتماما خاصا بما يجري في الشرق الاوسط وشمال افريقيا ويتابع عن كثب التطورات في المنطقة، وشدد على أن إدارة بايدن مستمرة على توسيع دائرة الدول الموقعة على الاتفاقيات الابراهيمية"(1)، الاختلاف الغريب الذي لم تقدم له إدارة بايدن شلا واقعيا أو آلية للتنفيذ على الأرض هو القول بحل الدولتين!
وليتأكد الأمر في عام 2022م ويأخذ وجهة واضحة بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، ويتبلور شكل لنسخة جديدة ومعدلة من صفقة القرن تخص بايدن والديمقراطيون بهدف واضح وهو ضبط تحالفات منطقة الشرق الأوسط لخدمة الصراع مع روسيا ومن خلفها الصين وضبط موارد الطاقة من المنطقة، وفي الوقت نفسه تأكيد تمدد "إسرائيل" وهيمنتها على المنطقة العربية، مع العمل مع خلال تفجير تناقض مركزي جديد في زيارة بايدن المرتقبة للمنطقة وهو تحويل إيران لعدو مشترك بين العرب و"إسرائيل"، وجس النبض لإقامة تحالف عسكري أو سمى بحلف ناتو شرق أوسطى يضم العرب و"إسرائيل" في مواجهة "إيران".

تفجير تناقض المكون الديني في "مستودع الهوية" العربي مع إيران
وهنا يكون التناقض الذي يتم تفجيره في مكونات "مستودع الهوية" العربي واضحا فإيران، تشترك مع الدول العربية في "مستودع الهوية" من خلال المكون الديني للإسلام، ويحدث الآن أمام أعيننا تكرار لما حدث في حرب العراق وإيران والتي أدت بإيعاز وتخطيط أمريكي خبيث، لتفكيك العراق البوابة الشرقية للعالم العربي التاريخية والعريقة، فأمريكا والصهيونية تريد تفجير التناقض القائم على الصراع المذهبي بين الشيعة والسنة لتتمدد هي على حساب هذا التناقض، بحجة أن "إسرائيل" وأمريكا حلفاء يهتمون بالمصالح العربية!
وطبعا على المستوى الواقعي توجد عدة أهداف لبايدن هو يريد الموارد العربية في مجال الطاقة كبديل للموارد الروسية التي تم حظرها، كما حدث مؤخرا في الاتفاقية بين مصر وبين الاتحاد الأوربي، وكما تريد واشنطن من الخليج العربي أن يزيد إنتاج النفط ليحقق معادلة في السعر وفي العرض، بالإضافة إلى إغواء السعودية لتتخلى عن المبادرة العربية للسلام التي قدمتها عام 2002م، وتنضم للاتفاقيات الإبراهيمية مدعومة بحجج السلام ومنطقة نيوم الاقتصادية والتحديث، وتجاهل الدور السياسي لاغتيال خاشقجي الذي تورط فيه ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، مع احتمال دعوة الفلسطينيين للجلوس إلى طاولة مفاوضات عبثية لحفظ ماء الوجه ليس إلا.

الناتو الشرق أوسطي
ذروة تفجير التناقض الديني في مستودع الهوية العربي
كما يدور الحديث حاليا عن تحالف دفاعي بين الدول العربية والدولة الصهيونية "إسرائيل" ضد "إيران" بالأساس؟ فيما يسميه البعض "الناتو الشرق أوسطى" أو الناتو العربي، وهي فكرة طرحت من قبل في ظل صفقة القرن الأولى مع ترامب في عام 2019، وقبلها بقليل في عام 2017م، والبعض يردها لقوة التدخل العربي السريع التي دعت لها مصر عام 2014م.
حقيقة تشهد المنطقة العربية حراكا سياسيا متصاعدا من عدة عواصم عربية للوصول لما يظنون أنه فيه تحقيق مصالحهم، الأردن من الدول التي تدافع عن مشروع الحلف الجديد، حيث "قال الملك الأردني عبد الله الثاني خلال مقابلة مع شبكة سي إن بي سي الأمريكية، إنه يدعم تشكيل تحالف عسكري في الشرق الأوسط على غرار حلف شمال الأطلسي، على أن "يتم ذلك مع الدول التي لديها التفكير نفسها"(2)، وربط الأمر بمستجدات الحرب الأوكرانية حين تابع: "بجانب التعاون الأمني والعسكري المحتمل، بدأت دول الشرق الأوسط العمل معاً لمواجهة التحديات التي نشأت عن الحرب في أوكرانيا".(3)، ويبدو أن تفجير التناقضات والصراع على السلطة داخل الأردن بين الملك عبد الله والأمير حمزه، قد جعلها تميل بقوة لمغازلة أمريكا والاستسلام لصفقة القرن المعدلة مع بايدن .
ولو قسمنا الدول العربية المستهدفة في الخطة الأمريكية سنجد أنها تتكون من دول الخليج ومصر والأردن وفي بعض التصورات العراق أيضا، وسنجد أن الإمارات بالطبع في مركز الاتفاقيات الإبراهيمية ومعها السعودية، لتبقى مصر وحدها في ظل ظروف سياسية واقتصادية تفجرت فيها كافة التناقضات الداخلية فيما بعد ثورة 25يناير وموجتها الثانية في 30 يونيو، لكن الوعي هنا بمسار التاريخ يجب أن يكون حاكما لتخرج مصر فخ الغواية لصفقة القرن المعدلة، وخزي أن تضع يدها في يد الصهاينة الملوثة دمائهم بيد المصريين والعرب بحجة مقاومة التفجر في مستودع الهوية العربي والتصدي للمد المذهبي الشيعي الإيراني.

الفرضية المضادة والمقاربة الحضارية البديلة
"تسكين تناقضات مستودع الهوية العربي"

الذي يصنع الفرق بين أطراف الحواضن التاريخية للجماعات البشرية عبر التاريخ وبين مراكزها؛ هو قدرة المراكز على تحمل المسئولية وعدم دفن رأسها في الرمال، من هنا يجب أن تتبنى مصر فرضية حضارية مضادة لإيقاف نزيف الذات العربية والدفاع عن مستودع هويتها، لأن القوى الخليجية الجديدة الصاعدة واقعة في فخ غواية الذاتية وحماسة الصعود الفردي لبناء نفوذ خاص بهم ولو على حساب الذات العربية ومستودع هويتها التاريخي..
وهذه الفرضية الحضارية والاستراتيجة البديلة لتفجير التناقضات في مستودع الهوية؛ هي بكل بساطة: تسكين كافة التناقضات في مستودع الهوية العربي واستعادة مهارات إدارة تلك التناقضات وضبط نقاطها الساخنة، في كافة بقاع الوطن العربي، داخليا وعربيا وعالميا.
فعلى المستوى الداخلي مفترض أن تدعو تلك الفرضية البديلة لتسكين التناقضات -التي يجب أن تتبناها مصر- إلى تهدئة كافة التناقضات الداخلية في البلدان العربية والعمل لضبط معظم السياسات الخارجية والداخلية وفق هذه الفرضية، في السودان الدعوة لتسكين تناقضات مستودع الهوية هناك بين المكون الأفريقي (البان أفريقانيزم وتحوله للأفروسنتريزم) والمكون العربي، وفي المغرب العربي الدعوة لتسكين تناقض مستودع الهوية بين المكون الأمازيغي والمكون العربي، وكذلك في الصراع بين المغرب والجزائر ومنطقة الصحراء، وفي العراق تهدئة التناقض السني/ الشيعي/ الكردي، وفي اليمن تهدئة التناقض بين تيار الأقيال والحوثيين.. إلخ.
والأمل كل الأمل أن تتصالح مصر مع خطاب الثورات العربية وتجاوز دولة ما بعد الاستعمار ليتحول ذلك الخطاب إلى "مشترك ثقافي" عربي جامع، يعيد اللحمة لـ"مستودع الهوية" العربي ويقود مسيرته للمستقبل.
وعلى المستوى الأقليمي لابد لمصر من أن تكتسب مهارة "إدراة التناقضات" في مستودع الهوية العربي، وتدافعه مع المكون التركي والإيراني والصهيوني كذلك وتضبط أولوياتها، لأن خطورة الاستسلام لتفجير التناقضات العربية من جانب الآخرين؛ سيكون أن الشعوب العربية ستتحين الفرصة لتقوم بعملية "تصحيح حضاري" قوية وجذرية وعنيفة، تستعيد بها ذاتها والتأكيد على مكونات "مستودع هويتها".. لكن هذا يتطلب أن تتجاوز مصر من الأساس تناقضاتها الداخلية التي تعمل كمكبح يعوق استعادتها لماكنتها التاريخية كحاضنة للذات العربية ومركز للدفاع عن "مستودع هويتها".

ضرورة تبنى مصر لاستراتيجية تجاوز التناقضات الداخلية
ولكن لكي تتبنى مصر الفرضية الحضارية البديلة وتسكين التناقضات في مستودع الهوية العربي؛ يجب أن تقدم هي النموذج في ذلك وتتجاوز التناقضات التي تفجرت في مستودع الهوية الداخلي في مصر، إن السبب المركزي الذي أوقع مصر في مرحلة التراجع الحضاري في اللحظة الراهنة، يرجع لعاملين أحدهما عامل تاريخي مركزي والآخر عامل حالي وآني، العامل التاريخي الذي أدى بمصر لحالة الهزيمة الحضارية هو تخلي السادات عن الدفاع عن "مستودع الهوية" العربي في اتفاق سلام مشوه وضعيف وغير متوازن حضاريا (كامب دافيد)، حيث أدى انسحاب مصر من التزامها التاريخي بالدفاع عن مستودع هويتها إلى تفكيك كافة المراكز التاريخية الناعمة لها، وتحولت إلى شكل تاريخي بل معنى في الحاضر، تحولت إلى مبنى قائم بلا معنى أو مضمون يدل عليه، تحولت إلى مادة خام فقدت خواصها الطبيعية التي منحها لها الله، فماتت موتا سريريا وتعيش على "الإفاقة الاصطناعية".
أما العامل الآني لحالة التناقضات التي تعيشها مصر؛ هو تفجر تناقضات المستودع المصري سياسيا وأديولوجيا واجتماعيا عقب ثورة 25 يناير، واستقرار "التراتب الاجتماعي" للجماعة المصرية برمتها سلطة ومعارضة على هذا التناقض، هذا التناقض كان فاتورته أن السياسات الداخلية المصرية برمتها كانت رد فعل له، ورد فعل لمحاولة التشويه التي يقوم بها احد أقطاب التناقض (فصيل الإخوان وفرق الدين السياسي المتعاطفة معها سرا أو علنا)، وفي الوقت نفسه احتراق ممثلي القطب الآخر (فصائل اليسار والليبرالية الذين شاركوا في دستور لجنة الخمسين ولم يقدموا ضمانة للمستقبل)، وكانت النتيجة أن سياسات مصر الداخلية أصبحت عقبة أمام طرح سياسات خارجية تتجاوز الاستقطاب الداخلي، وظلت قاطرة السياسات الداخلية تقود قاطرة السياسات الخارجية في ظل تفجر تناقضات مستودع الهوية المصري، حتى وصلنا لمرحلة الانسداد الحالية، خاصة مع صعود المتطرفين للمشهد من اليمين وفرق الدين السياسي ومن اليسار والليبراليين على السواء.
حقيقة لا نجاة لمصر –وبنسبة كبيرة للحاضنة العربية كلها- طالما لم تتجاوز تفجر تناقضات مستودع الهوية الداخلي؛ سوى ذلك سوف نكون كمن يدفن رأسه في الرمل ويخرج من أزمة إلى أخرى ومن انسداد إلى انسداد آخر، ولا سبيل لمصر لتجاوز الاستقطاب الداخلي وتفجر مستودع الهوية؛ سوى خطاب ما بعد المسألة الأوربية الذي يقوم على تجاوز النخب التاريخية يمينا ويسارا رد الفعل له على المستوى الفكري والأيديولوجي، ويقوم على التصالح مع خطاب الثورات العربية وتجاوز دولة ما بعد الاستقلال.
حقيقة هي دعوة ولا هدف من ورائها سوى نجاة الدول العربية ومعها مصر من الاضمحلال الحضاري؛ فإذا لم يكن يخرج العلم والمعرفة بمخرجات ونتائج ونماذج قابلة للتطبيق؛ فلا فائدة منه ويعد ترفا فكريا ورطانة لا غير..
تذويب الأمم وتفكيك مستودعات هوياتها يتم عبر تفجير التناقضات، ولكن هناك فرضية مضادة وبديلة يمكن من خلال الوعي بها أن نخلق "نقطة تحول" في النموذج الجاري في المنطقة العربية والشرق الأوسط، وهي فرضية أو مقاربة "تسكين تناقضات مستودع الهوية العربي".

خاتمة: من أجل المستقبل
طرحت هذه الورقة تفسيرا نظريا لحركة التاريخ وفلسفته باعتبارها نتاجا لمحصلة الجغرافيا (الأم) والهوية المكتسبة (الأب)، وقدمت فرضية رئيسية ترى أنه في فترات التدافع الحضاري وتراجع أمم وصعود أخرى؛ يحدث عملية تفجير للتناقضات في مستودع هوية الأمم المتراجعة، لصالح مستودع هوية الأمم التي تسعى للتمدد، ومن ثم طرحت نمطا استشرافيا بديلا للمستقبل يقوم على التدخل بمقاربة "تسكين تناقضات مستودع الهوية" لإيقاف عملية التقهقر الحضاري.
وبتطبيق الفرضية النظرية على الحالة العربية الراهنة اعتبرت الورقة أن عملية التمدد الحضاري التي تقوم بها الصهيونية وأمريكا في الظرفية الحالية، تستند لتفجير التناقضات في مستودع الهوية العربي من خلال المكون الديني الطائفي ضد إيران، والدعوة لإقامة "حلف ناتو شرق أوسطى" وطرح بدائل للهوية العربية تتمثل في دعم "الاتفاقيات الإبراهيمة" ونسخة معدلة من "صفقة القرن"..
ورأت الورقة أهمية التدخل بمقاربة "تسكين تناقضات مستودع الهوية العربي" لإيقاف عملية التقهقر والتراجع الحضاري، واعتبرت هذه المقاربة طرحا بديلا يجب على مصر تبنيه في هذه اللحظة التاريخية العالمية شديدة التدافع، ومن ثم وقفت على التناقضات داخل مستودع الهوية المصري الداخلي نفسه في مستواه التاريخي والراهن، وطرحت ضرورة تجاوز التناقضات التاريخية (تبعات كامب دافيد) والراهنة (استقطابات ما بعد 25 يناير)، بوصف تجاوز التناقضات الداخلية شرطا لتحقيق النموذج الحضاري، وتحول مصر إلى قلب رافع للحاضنة العربية برمتها..
وفي الوقت نفسه يمكن لمصر أن تقدم نموذجا حضاريا جديدا للعالم، يتجاوز أيضا إعادة إنتاج "المسألة الأوربية" مع مشروعي الأوراسية الجديدة وطريق الحرير الجديد، من خلال التصالح مع خطاب الثورات العربية المستقل بتجاوز شعارات المسألة الأوربية يمينا ويسارا.




هوامش:

1- موقع آي 21 نيوز الإخباري بتاريخ 19/12/2021 على الرابط
https://www.i24news.tv/ar
2- موقع العين الإخبارية بتاريخ 24/6/2022م
https://al-ain.com/article/jordan-king-middle-nato-conditions
3- المصدر نفسه



#حاتم_الجوهرى (هاشتاغ)       Hatem_Elgoharey#          



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر
الموقف من الدين والاسلام السياسي، حوار مع د. صادق إطيمش حول الاوضاع السياسية والاجتماعية في العراق


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مبعوثة بريطانيا.. وخطورة تدويل القرن الأفريقي على مصر
- الدراسات الإنسانية بين اليقين الوصفي والاحتمال المستقبلي
- قمة السلام.. الصين في فضاء مصر الأفريقي
- بريطانيا والمسألة الأوربية بين التفكك وإعادة الإنتاج
- رؤية فكرية للحوار الوطني: الفرصة البديلة للتحول الطوعي لدولة ...
- حرب الأعلام: صراع الرمز مع صفقة القرن المعدلة
- ماكرون والمسألة الأوربية بين التفكك وإعادة الإنتاج
- اتفاقية نفاذ السلع.. مآلات تمرير صفقة القرن المعدلة
- مصر واجتماع النقب: الأوراسية ونسخة الديمقراطيين من صفقة القر ...
- فلسفة المشترك الثقافي: نحو مدرسة لدراسات ثقافية عربية مقارنة
- نحو مشروع ثقافي للقاهرة كعاصمة للثقافة الإسلامية
- الأوراسية الجديدة والثورات العربية: قرارات 25 أكتوبر بالسودا ...
- الجمهورية الجديدة بين البناء والإدارة والإنتاج والثقافة
- مصداقية الوزير التائهة بين رئيس العبور الجديدة والهيئة
- البيرسونا الافتراضية: ثورة المجتمع الافتراضي بانقطاع الفيس ب ...
- قاسم المحبشي بين الذات العارفة والتمثل المؤجل
- القانون وامتناع وزير الإسكان عن الرد على تظلم العبور الجديدة
- الأوراسية الجديدة وأثرها على مصر: عودة الخطاب الأثيوبي المتش ...
- ردا على تصريحات الوزارة وجهاز العبور الجديدة
- ما الدولة واللا دولة.. في العبور الجديدة


المزيد.....




- السعودية.. تفاعل على مقال مشترك لنجلي سعد الجبري وسلمان العو ...
- تفاعل على فيديو ردة فعل زوجة بايدن على تصرف من الرئيس وصف بـ ...
- السعودية.. المغامسي يثير تفاعلا بانتقاد -الاتكاء فقط على أصو ...
- السعودية.. تفاعل على مقال مشترك لنجلي سعد الجبري وسلمان العو ...
- السعودية.. المغامسي يثير تفاعلا بانتقاد -الاتكاء فقط على أصو ...
- على الغرب مساعدة أوكرانيا للانتصار في حرب المعلومات أيضا - ف ...
- شركات نفط عملاقة تخفي كميات هائلة من الانبعاثات الغازية السا ...
- أغلقت 23 مسجدا في عامين.. الداخلية الفرنسية بصدد إغلاق مسجد ...
- هاريس في كوريا الجنوبية لتأكيد التحالف وجارتها الشمالية تجري ...
- تحول إلى إعصار من الفئة الرابعة.. إيان يضرب ولاية فلوريدا ال ...


المزيد.....

- روايات ما بعد الاستعمار وشتات جزر الكاريبي/ جزر الهند الغربي ... / أشرف إبراهيم زيدان
- روايات المهاجرين من جنوب آسيا إلي انجلترا في زمن ما بعد الاس ... / أشرف إبراهيم زيدان
- انتفاضة أفريل 1938 في تونس ضدّ الاحتلال الفرنسي / فاروق الصيّاحي
- بين التحرر من الاستعمار والتحرر من الاستبداد. بحث في المصطلح / محمد علي مقلد
- حرب التحرير في البانيا / محمد شيخو
- التدخل الأوربي بإفريقيا جنوب الصحراء / خالد الكزولي
- عن حدتو واليسار والحركة الوطنية بمصر / أحمد القصير
- الأممية الثانية و المستعمرات .هنري لوزراي ترجمة معز الراجحي / معز الراجحي
- البلشفية وقضايا الثورة الصينية / ستالين
- السودان - الاقتصاد والجغرافيا والتاريخ - / محمد عادل زكى


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الإستعمار وتجارب التحرّر الوطني - حاتم الجوهرى - لا لصفقة القرن المعدلة: مقاربة تسكين تناقضات الهوية العربية