أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حاتم الجوهرى - الدراسات الإنسانية بين اليقين الوصفي والاحتمال المستقبلي















المزيد.....

الدراسات الإنسانية بين اليقين الوصفي والاحتمال المستقبلي


حاتم الجوهرى
(Hatem Elgoharey)


الحوار المتمدن-العدد: 7289 - 2022 / 6 / 24 - 14:21
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


اعتادت الدراسات الأكاديمية العربية العاملة في المجال الإنساني والمجتمعي والسياسي وغيرهم؛ على فكرة اليقين والتقليدية، كان اليقين يأتي من أن معظم الدراسات العربية في المجال الإنساني أو النظري اعتادت على التحرك في منطقة المناهج الوصفية والتاريخية والإحصائية، أي أنها كانت حينما تعمل على ظاهرة أو ملف ما تنطلق من رصد تاريخ الظاهرة أو وصفها وفق واقعها أو القيام بعمليات إحصائية تجاهها، ومن هنا كانت فكرة اليقين لأنها كانت دراسات تقوم على مجرد الوصف أو التعليق على ما حدث في الماضي، فهي كانت تتحدث عن الدراسات الإنسانية بوصفها فعلا في الماضي! أو مقارنة مجردة بين مقاربات ومسارات نظرية في موضوع ما واردة من الغرب أساسا، دون اهتمام كبير بتطبيق هذه المسارات على الواقع العربي أو القيام بـ"دراسة حالة" خاصة به.
لنجد أن أزمة الدراسات الإنسانية العربية أنها لم تتعامل مع الظواهر الاجتماعية والإنسانية المتنوعة بوصفها حالة حية تجري أحداثها في الحاضر، وستستمر في الحدوث في المستقبل، من ثم في حقيقة الأمر فقدت الدراسات الإنسانية دورها في معظم المجتمعات العربية، وتزداد الأزمة في المنطق الذي يحكم النخب المسيطرة على تلك الدراسات العربية، باعتبارها في تصورهم دراسات تعتمد على اليقين القائم على وصف ما هو تاريخي والتعليق على ما حدث!!
فالحقيقة الصادمة التي قد يتحرج البعض من التصريح بها أحيانا لدعاة "اليقين الوصفي" أو الإحصائي في الدراسات الإنسانية؛ أن مخرجاتهم العلمية التاريخية هي أقرب للمادة الخام لدراسات أخرى تتحرك في منطقة "الاحتمال المستقبلي"، وهذا الاحتمال المستقبلي هو الهدف من الدراسات الإنسانية والنظرية أساسا، فهي دراسات تهدف إلى تحسين حياة الإنسان وجعل مستقبله أكثر جودة وموثوقية واعتمادية، أي أن الدراسات الإنسانية والمجتمعية عموما لابد أن تكون دراسات مستقبلية تهدف لتقديم عدة اختيارات، أو احتمالات أو فرص للتعامل مع ظاهرة ما كلية أو جزئية في المجتمع البشري أو في بلد ما أو في قطاع ما، ومن هنا تطرح مخرجاتها العلمية بوصفها "احتمالا مستقبليا" و"فرصة بديلة" ممكنة للمجتمع البشري لتطوير نفسه، إذا تبنى تلك المخرجات التي تطرحها أو على الأقل اختبر فاعليتها واحتمالها.
وهذه الدراسات المستقبلية كي تصل لأفضل شكل لموضوع "الاحتمال المستقبلي"، عليها أولا أن تتحرك من خلال دراسة "النمط التاريخي" للظاهرة التي تعمل عليها، وتقف بوضوح على "محددات حركته" والمؤثرات التي تتحكم فيه ويعمل عن طريقها، من ثم حينما تقف على هذا النمط التاريخي وتقف على محددات حركته أو منطقه في الحركة، يمكن بعدها أن تنطلق لتستشرف "الاحتمال المستقبلي" الخاص بها، فهي ليست دراسات ترجم بالغيب أو تطلق أحكاما أو احتمالات من عندياتها، بل هي من خلال رصد السلوك أو النمط التاريخي للظاهرة وتحديد محددات حركتها، تقدم ترجيحا لـ"احتمالات مستقبلية" استنادا لدراسة "النمط التاريخي".
فالدراسات الإنسانية بوصفها دراسات مستقبلية تقوم على هدف الوصول لـ"احتمالات وفرص مستقبلية"؛ ستعتمد على "حساسية خاصة" أو "قدرات معينة" عند بعض الباحثين، فليس كل باحث يستطيع بناء "نموذج معرفي" لظاهرة ما يقوم على دراسة "النمط التاريخي" الخاص بها والوصول إلى "المحددات الحاكمة" له، لكي يستخدمها بهدف الوصول لاستشراف "الاحتمال المستقبلي" الخاص بها وفرصه، من هنا تأتي أزمة "الفرز والتنخيب" في الأكاديمية العربية ومعظم المؤسسات ذات الصلة، لندرة الباحثين الذين يملكون مهارات العمل على الظواهر الإنسانية والمجتمعية والعالمية بهدف الوصول إلى "الاحتمال المستقبلي"، وركون معظمهم إلى "اليقين الوصفي" التقليدي.
الملكات البحثية الخاصة التي يجب أن يطورها العاملون في الدراسات الإنسانية بوصفها دراسات مستقبلية تأتي مع الزمن، وتعتمد على الموهبة وعلى الخبرات المتراكمة في العمل على ملفات وظواهر متداخلة ومتشابكة معا في لحظة تاريخية ما، يشبه عمل الدراسات الإنسانية هنا فكرة "التشخيص والعلاج" إلى حد كبير، "ملكة التشخيص" بمعنى تنزيل أو ربط ظاهرة أو حدث أو خبر أو حادثة ما، بالنمط التاريخي الخاص به، فالظواهر البشرية في عالم اليوم أصبحت شديدة التداخل والتراكب وتعد القدرة على تقديم "النموذج التفسيري" للحدث أو الظاهرة وربطه بـ"نمط تاريخي" معين، هي مهارة "التشخيص" الأساسية التي تعتمد على كم الخبرات والمعارف المتراكمة والنباهة الذاتية عند الباحث، يليها "ملكة العلاج" أو مهارة الاستجابة لذلك التشخيص وطرح "احتمال مستقبلي" للتعامل معه، يتفق مع "مجمل أهداف" أو "مستودع هوية" الجماعة البشرية التي ينتمي إليها الباحث في الدراسات الإنسانية.
فالتصور المستقبلي للدراسات الإنسانية يقوم على أنها دراسات شمولية ونسقية وكلية وفلسفية وثقافية، لابد للذي يعمل عليها من امتلاك قدرة على تصور الظاهرة البشرية بوصفها حالة "شمولية" متصلة يؤثر بعضها في بعضها، و"كلية" بمعنى أنها ليست أجزاء وظواهر منفصلة عنها بعضها، و"نسقية" بمعني أنها تتحرك وفق تواصل وتراسل كلي لمنظومة قيم أو أفكار مجتمعة، و"فلسفية" بمعنى أنه لا توجد أشياء تحدث صدفة وعشوائيا وأن لكل شيء فلسفة ظاهرة وبادية أو كامنة ومخفية تنتظر الكشف عنها، و"ثقافية" بمعنى أنها تنظر للإنسان بوصفه كلا متداخلا تحركه حزمة من المكتسبات والمعارف والداوفع المتداخلة والمتنازعة أحيانا.
والنقطة الحرجة في اللحظة التاريخية الراهنة هي أنه في حقيقة الأمر معظم سياسات الدول الحديثة المتقدمة وأبنيتها المؤسسية؛ تقوم على توصيف وظيفي يحقق الفعالية من أجل الوصول إلى "احتمالات مستقبلية" ناجحة، أقرب ما تكون للشكل الأمثل والتوظيف الأفضل للفرص الممكنة والمتاحة للمجتمعات البشرية (التوليفة الأفضل من التباديل والتوافيق لموارد المجتمع وتوظيفها في السياسات العامة والجزئية)، بما يفضي للقول إن هناك إشكالية كلية في بنية المؤسسات العربية تؤثر على مضمون المخرجات الموجودة بها.
بما يجعل الدراسات الإنسانية العربية تحتاج إلى مراجعة جذرية، من أجل إعادة تعريف نفسها وضبط معاييرها الانتقائية للأفراد أو الباحثين العاملين عليها، فلم تحقق الدراسات الإنسانية العربية الفعالية في خدمة المجتمعات العربية وفي استشراف "احتمالات مستقبلية" ناجعة وفعالة، وإلا لما كان ذلك ذلك حال البلدان العربية تقف تائهة في مفترق طرق عالم جديد يتشكل الآن بقوة وعلى حساب غياب مشروع عربي جامع.
دراسات "اليقين الوصفي" ليست سوى دراسات للتعليق على ما حدث، لكننا في حاجة لدراسات تستشرف ما سيحدث وتطرح "الاحتمالات المستقبلية" الممكنة لذلك، فلقد وصلت أزمة الذات العربية في العقد الثالث من القرن العشرين إلى الذروة وتفجرت معظم مكونات مستودعات الهوية المتداخلة معها، وذلك في المستودعات الإقليمية المحيطة على دوائر التماس معها، وذلك في مستودعات الهوية: الإيرانية والتركية و"الإسرائيلية" والأفريقية، ولم تطرح الدراسات العربية الإنسانية مقاربات ناجعة للتتعامل مع مستودعات الهوية العالمية، المتمثلة في صعود الأوراسية والحضور الصيني وتحول الهيمنة الناعمة الأمريكية إلى الحضور المباشر في "الاتفاقيات الإبراهيمية".
وختاما؛ إذا لم تهتم الدول العربية والمؤسسات العاملة بها بالتعامل مع الظاهرة البشرية والمجتمعات المعاصرة بوصفها موضعا لبحث أفضل السبل لـ"الاحتمالات المستقبلية" الممكنة، وتوقفت عن اعتبار الظاهرة الإنسانية والدراسات المتعلقة بها مجرد تعليق على ما حدث في دراسات تاريخية تقدم وهم "اليقين الوصفي"، فإن النتيجة ستكون محسومة مسبقا في غير صالح الذات العربية، ولا يمكن أن نلوم أحدا ساعتها سوى أنفسنا لأننا لم تكن بالقوة الكافية لنحدث التغيير الفارق ونتخذ الإجراءات المناسبة، لصالح شعوب قادت الخطوات الأولى للبشرية في التمدن والحضارة والعلوم والفنون.



#حاتم_الجوهرى (هاشتاغ)       Hatem_Elgoharey#          



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع المفكر اليساري عدنان الصباح حول دور واوضاع اليسار في المنطقة العربية عموما وفلسطين بشكل خاص
د. اشراقة مصطفى حامد الكاتبة والناشطة السودانية في حوار حول المراة في المهجر والاوضاع في السودان


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قمة السلام.. الصين في فضاء مصر الأفريقي
- بريطانيا والمسألة الأوربية بين التفكك وإعادة الإنتاج
- رؤية فكرية للحوار الوطني: الفرصة البديلة للتحول الطوعي لدولة ...
- حرب الأعلام: صراع الرمز مع صفقة القرن المعدلة
- ماكرون والمسألة الأوربية بين التفكك وإعادة الإنتاج
- اتفاقية نفاذ السلع.. مآلات تمرير صفقة القرن المعدلة
- مصر واجتماع النقب: الأوراسية ونسخة الديمقراطيين من صفقة القر ...
- فلسفة المشترك الثقافي: نحو مدرسة لدراسات ثقافية عربية مقارنة
- نحو مشروع ثقافي للقاهرة كعاصمة للثقافة الإسلامية
- الأوراسية الجديدة والثورات العربية: قرارات 25 أكتوبر بالسودا ...
- الجمهورية الجديدة بين البناء والإدارة والإنتاج والثقافة
- مصداقية الوزير التائهة بين رئيس العبور الجديدة والهيئة
- البيرسونا الافتراضية: ثورة المجتمع الافتراضي بانقطاع الفيس ب ...
- قاسم المحبشي بين الذات العارفة والتمثل المؤجل
- القانون وامتناع وزير الإسكان عن الرد على تظلم العبور الجديدة
- الأوراسية الجديدة وأثرها على مصر: عودة الخطاب الأثيوبي المتش ...
- ردا على تصريحات الوزارة وجهاز العبور الجديدة
- ما الدولة واللا دولة.. في العبور الجديدة
- مراد وهبة أسطوريا: خطاب الاستلاب فيما بعد صفقة القرن
- أفغانستان: فرضية التفكك والانسحاب للمسألة الأوربية ونقاط احت ...


المزيد.....




- -أنا هنا لقتل الملكة-.. محاكمة رجل اقتحم الأراضي الملكية الب ...
- إسرائيل تعلن استئناف العلاقات الدبلوماسية كاملة مع تركيا
- وزير الدفاع السوداني لـRT: العلاقة بين السودان وروسيا خاصة ج ...
- تركيا: لن نتخلى عن القضية الفلسطينية رغم استئناف العلاقات مع ...
- صحيفة تكشف مكان وجود توربين سيمنس المخصص لـ-السيل الشمالي-
- الأمن الأردني: اشتباك مسلح مع تجار مخدرات في الزرقاء وإصابة ...
- إستونيا تزيل نصبا تذكاريا لدبابة سوفيتية تي-34
- قد يقلب المعادلة.. هل سيؤثر غاز تركيا المكتشف حديثا في الانت ...
- لماذا يجب ألا تنشئ طفلا ذهبيا؟
- عاجل | ريا نوفوستي: تعيين قائد جديد لأسطول البحر الأسود الرو ...


المزيد.....

- هل يؤثر تغيير إتجاه القراءة على تكوين الذهن للمعاني؟ / المنصور جعفر
- لماذا نحتاج إلى فلسفة للعلوم الطبيعية / دلير زنكنة
- نقد العقل العراقي / باسم محمد حبيب
- عبء الاثبات في الحوار الفلسفي: الفصل الرابع: أنطوني فلو: افت ... / عادل عبدالله
- عِبءُ الإثباتِ في الحوار الفلسفي على أيٍّ من الطرفين يقعُ عب ... / عادل عبدالله
- الفئات الفقيرة الهشة بين استراتيجيات البقاء ومجتمع المخاطرة ... / وليد محمد عبدالحليم محمد عاشور
- إشكالية الصورة والخيال / سعود سالم
- الإنسان المتعثر في مثاليته . / سامى لبيب
- مقال في كتاب / علي سيف الرعيني
- قضايا وطن / علي سيف الرعيني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حاتم الجوهرى - الدراسات الإنسانية بين اليقين الوصفي والاحتمال المستقبلي