أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر على الرابط البديل ادناه
https://www.ahewar.net/debat/show.art.asp?aid=755450

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - باسم عبدالله - خرافة الجنة والنار في الأديان الإبراهيمية















المزيد.....

خرافة الجنة والنار في الأديان الإبراهيمية


باسم عبدالله
كاتب، صحفي ومترجم

(Basim Abdulla)


الحوار المتمدن-العدد: 7242 - 2022 / 5 / 8 - 15:06
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


خرافة الجنة والنار
في الأديان الإبراهيمية

باسم عبدالله

طوّر الفكر الديني جذور تراثه الغيبي عبر آلاف السنين معتقد العقاب والثواب، بما يقابل الجنة والنار، مستغلاً في ذلك جهل المجتمعات البدائية وانعدام معرفتهم العلمية، فصاغ التراث المثيولوجي للقصص والأساطير بما يتناسب مع العقلية الطوباوية في عصور الجهل والظلام. فلقد قسّمت الجنة بحسب درجة الصالح في دنياه، فمن استشهد دفاعاً عن مبدأ ديني او في معركة عادلة سيدخل من افضل ابوابها. الجنة وصفت انها في السماء السابعة لها ارض ومياه واشجار مستقلة، انهار وحور العيون، لا عين رأت ولا اذن سمعت، بل الجنة درجات واجمل ما فيهن جنة الفردوس، فوق هذه الجنة عرش الرحمن. في هذا الوصف الخيالي الهب عقول المؤمنين ان يضحوا بحياتهم وتثار غرائزهم كي يفوزا بالجنة وينالوا نصيب النكاح مع الحور العين والخلود حيث الغلمان المخلدون، في حديث ابي هريرة ” اذا دخل أهل الجنة الجنة ينادي مناد: ان لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا، وان لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا, وان لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا، وان لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدا ” وقد زخرت الأحاديث النبوية بوصف اهوال النار ومغريات اصحاب الجنة، فهذا التهويل بالوعيد في النار وصفته الاحاديث النبوية لتصور بشاعة الإله الذي لا همّ له إلا انتظار يوم القيامة ” إن اهون اهل النار عذاباً يوم القيامة لرجل يوضع في اخمص قدميه جمرتان يغلي بها دماغه ” .
الفراعنة هم اول الشعوب التي آمنت بالحياة بعد الموت، فكان الأستعداد للقاء الآخرة يتم بتحنيط الميت ووضع مقتنياته معه ظناً لحاجته استعمالها في الحياة الأخرى، لذا كانوا اول الحضارات التي ابدعت في تحنيط الميت بهدف الاحتفاظ بأجسادهم كما هي، والذهاب للميت بعد 40 يوماً هذا العزاء في المجتمعات العربية كمصر والعراق مأخوذة عن الفراعنه، النار سميت عند الفراعنة ” سج ” والجنة ” يارو ” فهذا يدلل على تاريخ الإتقياد الوثني السابق للأديان الإبراهيمية لعقيدة الجنة والنار وقد اخذت اليهودية والمسيحية والإسلام منها عقيدة الجنة والنار. يعتبر القبر اول منازل الآخرة بشكله الخرافي وحياة الميت الحقيقية تبدأ بعد دخوله قبره وهي الحياة الخالدة اما في الجنة او النار. لكن بعد قيام الساعة اذ ينتقل خلالها الى مرحلة الحساب، فيه عرض افعال الميت التي تحسم نتائج اعماله التي كانت في الحياة الدنيا، حتى ان هناك تفسيرات وتحليلات كثيرة تدور حول حياة الميت في قبره.
عقاب النار في الأديان الإبراهيمية تطور بما يناسب ردع الإنسان واثارة الرعب في نفسه فهذه النار تأكل جلود العصاة والكافرين كلما نضجت جلودهم استبدلت بجلود اخرى، من الطبيعي علينا ان ندرك تلك الصلة التاريخية بين معتقدات الأساطير التي طورت عقيدة الجنة والنار كأسطورة الجنة السومرية في ارض دلمون، كذلك نرى ان المعابد الفرعونية برسومها على الجدران مزينة بالصور والتخيلات الفرعونية عن البعث والخلود، فكرة الجنة والنار طورت مفهوم العدل الإلهي لتنشأ من خلاله الأديان الإبراهيمية وتقيم نظاماً لاهوتياً. تاريخ مصر القديم وصف لنا حياة الآخرة في الجنة والنار فلقد كانت الأساطير توضح طبيعة العلاقة وايمان المصري بتراثه الفرعوني في سعيه من اجل كسب رضى الآلهة عنه، فالفرعون كان يعبد كجزء من الآلهة الوثنية فهو ضمن السلالة الإلهية وريث الإله القادر على كل شي، حتى ان بناء القبور التذكارية تشكل رمز بقاء الميت لحفظ جسده، لكن التطور الإعتقادي عبر التاريخ جعل مكانة الوثنية تتراجع كما كان الحال عن ال‘ الشمس والإله آمون وايزيس، والإله مردوخ، فكانت اول ظهور عبادات التوحيد بشكلها الرمزي الوقتي في الملك اخناتون لكن بقي فعله الإعتقادي ضعيفاً الى دخول عقيدة التوحيد المسيحية ارض مصر.
عقيدة البعث سبقت ظهور الديانات الإبراهيمية حتى تم بناء الإهرامات وهي شواهد على علاقة المصري وايمانه الشديد بانتظار العالم الآخر بعد الموت. فهناك جنة الإبرار ونار الاشرار على ان تجري محاكمة إلهية فاصلة لدخول احدهما فكانت اللغة المصرية القديمة تكتب على المقابر ” دي عنخ جت جح ” بمعنى “ معطي الحياة ، معطي الابدية ” كما نقرأ في كتاب الموتى الفرعوني عن بردية آني بالمتحف البريطاني للكاتب برت ام هرو، ترجمة الى العربية د. فيليب عطية، ص 8 ” التحية يا كل آلهة معبد الروح الذين يزنون الارض والسماء في الميزان ويمنحون بسخاء وجبات الطعام في الضريح .. خالق البشر .. لتأت مهللا ” لرع ” سيد السماء، أمير الحياة .. عدوك الثعبان قد القي الى النيران .. ” فهذا النداء الروحاني يمنحون وجبات الطعام الى الضريح .. يدلل ان الضريح جزء مستمر للحياة بعد موت الجسد، فهي مناجاة للحياة الروحانية التي كان يعيشها العقل البدائي، فكما كان الثعبان رمز الشر في جنة عدن، هي كذلك في العقيدة الفرعونية رمز الشر، حتى ان هذا الثعبان قد القي في النيران. في الصفحة 20 تتضح الصورة اكثر ذلك ان ” الموكب الجنائزي يتقدم الى المقبرة .. على مائدة القرابين يقف كاهنان .. في اليد الاخرى اداة لفتح الفم على هيئة سهم .. يتمكن من خلالها المتوفي من الحصول على قدرة تناول الطعام والشراب والحديث في العالم الآخر .. تحتهما مائدة قرابين بها الإعشاب والبقول والفواكه ” على ان حمل صفات الله في الأديان الإبراهيمية تطورت عن طريق الدين المصري القديم والعقيدة الدينية للفراعنة، ففي ص 30 ” يا من تبدو جميلا في الصباح والمساء انت الرب الكائن الحي الدائم .. لهذا ” الشيطان ” الخبيث ” سيبو “ قد هوى إلى الارض .. قطعت ذراعاه ويداه والسكين قد مزقت مفاصل جسده ” هذا يعطي الدليل على قدم عقيدة الشيطان كمصدر للشر، حتى هبوطه للأرض اقتباس مباشر لعقيدة الشيطان في الجنة وطرده ثم نزوله للأرض. الجنة عند عقائد مصر القديمة موجودة تحت الأرض وبسبب ذلك تم دفن الموتى تحت الأرض ففيها الجنة والانهار. رسخت العقيدة الفرعونية عقيدة الجنة تحت الأرض غير عقيدة الاديان الإبراهيمية التي حولت الجنة والنار الى السماء، ففي كتاب الموتى العويذة 17 تم وصف الفراعنة للنار باللون الأحمر حيث يتم حرق اجساد الاشرار، فيها سور اسود تحيطه عدة ثعابين هي الصورة التخيلية لعقيدة الفراعنه في النار اشبه برؤيا يوحنا في تخيله ليوم القيامة تحيط الثعابين والوحوش بشكل يجعل صورة النار والقيامة تتكرر كما تم وصفه في العقائد القديمة. فحرق الآثمين في بحيرة النار مقيدة اذرعهم او معلقين بشكل مقلوب، يعيد الينا الخيال الدرامي البشع لطريق تعذيب الكفار في العقيدة الإسلامية فلقد ورد في سورة النساء ”إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا إِلا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدا وكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا ”
إن الخلود في النار موروث ديني انتقل من المعتقدات والاساطير الوثنية القديمة الى الأديان الإبراهيمية. نقرأ في سورة الغاشية حيث الترهيب الإسلامي ” لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِن جُوعٍ .. ” الضريع شوك بأرض الحجاز، استعمل النص الإلهي المفردات القرآنية من ارض الجزيرة العربية كمصدر للخيال الديني. في سورة الحاقة يتعمق العنف الإلهي في رسم الصورة المرعبة لغير المؤمن ” خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ، إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ، وَلا طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ لا يَأْكُلُهُ إِلاَّ الْخَاطِؤُونَ .. ” فكم سيكون طول الإنسان ليسلكوا فيه سلسلة الحديد والنار على جسده؟ لم ينس الوصف القرآني طعام اصحاب النار ” الزقوم ” هي شجرة خلقت من نار ” ان شجرة الزقزم طعام الأثيم ” الغسلين صديد اهل النار. لقد صرّح التلمود اليهودي، بالنعيم والجحيم، فالجنة مأوى الأرواح الطيبة لا يدخلها إلا اليهود، والجحيم مأوى الكفار، ولا حياة لهم إلا الظلام والعفونة والطين، وأن الجحيم أوسع من النعيم ستين مرّة.
اقتبس القرآن كلمة ” جهنم ” من اليهود التي تسمى ” جي هنم “ كما وردت في سفر يشوع، بمعنى [ وادي هنوم ] واد خارج القدس استعملته المسيحية كرمز للعذاب الجسدي، لكن الكنعانيين كانوا يقدموا فيه الذبائح البشرية من اطفال دون الثالثة من اعمارهم للآلهة الكنعانية ومن اهم الآلهة التي عبدها الكنعانيون بعل وكانت عادة الكنعانيين تقديم تلك الذبائح على طبق من نار وقد مارس بعض اليهود ذات التقاليد قبل السبي البابلي عليهم. تضحية الكنعانيين للإله مالوخ بحرق اولادهم في النار، لكن كما يبدو ان كتبة الاسفار المنحولة خلال السبي البابلي لليهود في ارض الامبراطورية الرومانية قد اغضب مشاعرهم فأطلقوا على اصحاب تلك الأفعال بالأشرار، لهذا ارتبط عمل الشر بالنار وتحول الى عقيدة دينية عبر الأجيال. كان الوادي يسمى كذلك وادي الموت حيث كان اليهود يلقون فيه النفايات وجثث الموتى من المجرمين وكذلك محرقة للاطفال الذين يقدمون كقرابين للاله مولوخ في أيام ملوك إسرائيل القدماء، لكن لم يستعمل للعذاب الجسدي للخارجين عن التقاليد من العصاة والاشرار. يذهب بنا المقال الى اروقة المثيولوجيا السومرية في وصف الجنة وهي حياة النعيم بعد الموت، اخبرتنا اسطورة دلمون بأنها مكان طاهر فيه يعيش انكي إله الماء وزوجته ننخرساج، سقى انكي ارض زوجته فتحولت دلمون الى جنة خضراء امتلأ الفردوس حقولاً، بالأشجار والثمار، هذه الصورة الخيالية في وصف جنة دلمون، ففي سورة البقرة وصف لهذا التشابه ” وَبَشّرِ الّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ أَنّ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ كُلّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رّزْقاً قَالُواْ هَـَذَا الّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ مّطَهّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ .. ” فهي الثمار والجنان من تحتها الأنهار ولم ينس انهم خالدون فيها. تنص سورة الزخرف ” وتِلْكَ الْجَنّةُ الّتِيَ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مّنْهَا تَأْكُلُونَ ” استغرق الوصف الإسلامي للجنة في اثارة المشاعر الحسية حتى صارت النساء من الحور العين هدف العلاقة الجنسية ضمن المتع الحسية في الجنة.
عقيدة الجحيم السومري استلهمت خيالها في العالم السفلي فجميع الارواح تجتمع كل الصالحين والأشرار، فعالم الموتى يحرسه اشداء فيه سبعة جدران وسبعة ابواب محصّنة وكل انسان يتقرر مصيره ويمثل امام الآلهة عارياً. تتشابه الصورة التخيلية لعالم الجحيم الإسلامي فجميع من في الأرض يقفون عراة وهم امام ابواب الجحيم السبعة، تذكر سورة الحجر ” لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِّكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ .. ” تاريخ العقيدة الهندوسية في الموروث الديني يختلف عن الأديان الإبراهيمية ففيها الجنة والنار حالة انتقال وقتية، الجنة مرحلة انتقال قبل الدخول لعالم الخلد المتمثل في التناسخ، النار تجسد المرحلة الانتقالية حيث يتعرض الشرير الى العذاب الجسدي ثم يرتدي الجسد الجديد فالروح تحل في جسد شخص آخر والعودة للحياة في جسد جديد، هذا الانتقال المؤقت الى ان تتم حالة الصفاء في النهاية تعود الى الله ومن ثم تتحد به.
لم تختلف اليهودية في لاهوتها بخصوص الجنة فتوراة موسى ذكرت كذلك ان جنة عدن في سفر التكوين 9 انبت الرب فيها من كل شجرة شهية للنظر وجيدة للأكل وشجرة الحياة في وسط الجنة. فجنة عدن في الارض وقد اكد سفر التكوين 15 ان آدم سكن الجنة التي اعدت له في الأرض. على ان جنة عدن ودلمون وكل الاساطير التي رسمت الخيال الأسطوري للجنة تشابهت كثيراً في النقل الحسي لوصفها في الأساطير والأديان الإبراهيمية. ان الأمر الذي اختلف في جنة عدن انها رمزت لشجرة الحياة في الجنة انها شجرة معرفة الخير والشر، فهذا النوع من الإستدلال المنطقي قد يؤسس الفكر الديني ميزان العدل بين الخير والشر ويضع الشيطان على درجة المسؤولية. فلم يختلف وصف القرآن عن التوراة في طرد آدم من الجنة ففي سورة الأعراف القرآنية وسفر التكوين 24 يشبه التصور اللاهوتي لعقيدة الجنة وتحميل آدم مسؤولية ذنبه.
فسّرت المسيحية نعيم الجنة، الحياة في الجنة ” في القيامة لا يزوّجون ولا يتزوجون بل يكونوا كملائكة الله في السماء، بمعنى ان المسيحية اضفت الطابع الروحاني ان اجسادهم ليست مادية كي يتم اشباعها فليس هناك كما وصفتها سورة الواقعة ” وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ ” فلا اكل ولا حور عين، لا طيور بل ارواح نورانية، مسيحياً فقياس الخلود في دار الآخرة متعلق بمدى تطبيق كلام يسوع المسيح كي ينال الحياة الأبدية فالمؤمنون به يحيون معه الحياة الأبدية، لهذا لا تشبه العقيدة المسيحية، بما ورد من معتقد الآخرة الإسلامية بخصوص الجنة والنار.
ان الفكر الفلسفي قد انكر وجود الجنة والنار واعتبرهما امثال للعبرة ولردع الإنسان عن عمل الشر حتى ان ابن سينا لم يؤمن بوجود الجنة والنار بل اعتبرهما وجود روحاني هو السعي وراء هدف الإنسان من اجل نيل الكمال فلا وجود لبعث الأجساد ولا وجود للجنة والنار فالروح جوهر الإنسان وهي مستقلة عن الجسد، تتمتع بالنعيم او بالعذاب.
لعل عقيدة الجنة والنار المنطلق الأساس لكل المعتقدات الغيبية وهي موجودة في اقدم النصوص التاريخية، وكما اشار جورج بنوا بكتابه تاريخ جهنم، ص 11 ” من المستحيل ان نحدد منشأ جهنم او الجحيم، ان عصر ما قبل التاريخ لم تغب عن باله هذه الفكرة لقد ظهرت ممارسات تحنيط الجثث حوالي 50 الف سنة ق.م. قد صاحبه اعتقاد باستمرارية الحياة بعد الموت، اي ”جهنم” .. ولم ترافق اية فكرة عن الثواب والعقاب في غياب محتمل للقانون الأخلاقي ..” فملامح المعتقدات القديمة للحضارات البعيدة في الزمان والمكان احدثت الكثير من جهنمات كثيرة الشبه، اي اننا امام بناء لاهوتي كبير ضارب في قدم التاريخ، انتج معتقد العقاب والثواب بمراحل بعد نضوج فكرة جهنم. فمكان جهنم المعتم الخطير انتقل الى تراث ديني عريق في الأديان الإبراهيمية باستثناء المسيحية التي قللت من شأن جهنم واعطت الأمل في نيل الحياة الأبدية بعيداً عن نار جهنم. تطوّر مفهوم جهنم في الديانات الكبرى فصار مكان للتعذيب تقوم به قوى تعمل على تنفيذ إرادة الإله لقد ارفقت هذه الأديان الشيطان وحملته سبب ومسؤولية تعذيب البشر في نار السعير، ففي سفر دانيال تحدث عن جهنم ابدية ” وكثيرون من الراقدين في تراب الأرض يستيقضون بعضهم للحياة الأبدية وبعضهم للعار والرعب الأبدي ” فهذا الانتقال لنيل الحياة الأبدية خالدين فيها بنار جهنم تطور لاهوتي انتقل للإسلام بشكل اكثر درامية مما جعل سيناريو العذاب الجسدي يشكل جزءا كبير في السور القرآنية ذلك الوصف المتقن في اشاعة الرعب وتحويل العلاقة بين الخالق والمخلوق تأسّس اصلا على مبدأ الخوف من جبروت الله وكراهية الشيطان.
اننا امام عقيدة دينية صارمة اسست بهدف ردع الانسان في الحياة الدنيا حيث امامه فروض والتزامات دينية، هذه الإلتزامات تراقب وعليها ملائكة اشداء تسجل عليه حركاته وسكناته، فصارت عقيدة جهنم العلاقة الردعية التي تربط الإنسان بخالقه، يقول الله في القرآن ” وما خلقت الإنس والجن إلا ليعبدون ” شرط الرضى الإلهي فلا يقوم العدل إلا على اساس تبعية الإنسان وردعه، لكن ليس بشكل طوعي انما لخوف مسبق من نار السعير. صار مفهوم الجنة الخالي من الغرائز والرغبات في جنة دلمون، هي في جنة عدن فرصة لكبح الرغبات الجنسية في خيالاتها مع الحور العين، انها مقايضة ان تعبد ينال الرجال المتعة الحسية، فيطوف عليهم ولدان مخلدون كاللؤلؤ المنثور.. الولاء للعبادة يقابله ” إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا عُرُبًا أَتْرَابًا.. ” اي اعادهن للشباب بعد ان كنّ عجائزاً حتى صرن ابكاراً.
لقد تبدل مفهوم الجحيم عندما انتقلت العقيدة المسيحية لجهنم فصارت هدفاً للتعديل في اللاهوت الكاثوليكي صار الموت الابدي للطغاة والزناة مقابل المؤمنين بيسوع المسيح لنيل الحياة الأبدية، هذا ما ذهبت اليه عقيدة شهود يهوه المسيحية، حيث أنكرت الجحيم وجعلت الموت الأبدي للكافرين والحياة الأبدية للودعاء الذين يرثون الأرض. لكن الجحيم الإسلامي ودار النعيم بقيا بلا تعديل في البنية اللاهوتية، بقي الفكر الديني معتصماً داخل النص يتحدى الزمن بلا تغيير في العلاقة بين العابد والمعبود فليس هناك مجال للإجتهاد الفقهي، مما جعل الحداثة لم تنل فرصتها امام حركة المجتمعات، فصورة الإله السمحاء تتراجع في نفوس المؤمنين، فالتحدي العقائدي للاهوت الإسلامي باق لم يتغير، قابعاً بمكانه لم يؤمن بالزمن.



#باسم_عبدالله (هاشتاغ)       Basim_Abdulla#          



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع المفكر العراقي ضياء الشكرجي حول العلمانية والدين والاحزاب الاسلامية في العراق والشرق الاوسط
حول الانتخابات في البرازيل مع عالم الاجتماع والفيلسوف الماركسي ميكائيل لووي - اضواء على احداث ساخنة


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الوحي الإلهي حقيقة ام خرافة؟
- الجذور التاريخية لسورة الفيل
- الجذور الوثنية لقصة خلق آدم وحواء
- طوفان نوح تاريخ خرافي ام وثيقة ايمانية؟
- عقيدة الوهم في اصحاب الكهف
- قراءة نقدية في عقيدة العصمة
- معجزات المسيح - بين الخرافة والتضليل -
- التطرف الديني في مواجهة الدولة المدنية - العراق نموذجاً -
- عبور موسى البحر الأحمر، خرافة ام حقيقة؟
- الشيطان في التراث الديني
- خطاب العنف في سفر يشوع
- خطاب العنف في النص القرآني
- الاسراء والمعراج، بين المعتقد والخرافة
- الروح بين الفكر الديني والعلماني


المزيد.....




- توب 5: علاقة روسيا بأمريكا -في حالة يرثى لها-.. وبكاء بابا ا ...
- انهار أمام الحضور.. شاهد لحظة بكاء بابا الفاتيكان في صلاة من ...
- شاهد.. حديث الشيخ مولوي مع ممثل قائد الثورة الاسلامية قبل اي ...
- شاهد.. بن غفير يدعو الصهاينة لاقتحام المسجد الاقصى
- 65 ألف مصلِ يؤدون صلاة الجمعة في باحات المسجد الأقصى
- اسلامي: سنعود إلى إلتزامات الإتفاق النووي اذا رفع الحظر
- آخر أباطرة المغول.. بهادر شاه الملك الذي انتهت بوفاته 8 قرون ...
- آلاف الفلسطينيين يؤدون صلاة الفجر في المسجد الإبراهيمي الشري ...
- وزارة الخارجية الروسية: الولايات المتحدة لا تملك الحق الأخلا ...
- بايدن يفتح نقاشا بشأنه.. يهود أميركا يشتكون من تصاعد العداء ...


المزيد.....

- كتاب ( عن حرب الرّدّة ) / أحمد صبحى منصور
- فلسفة الوجود المصرية / سيد القمني
- رب الثورة: أوزيريس وعقيدة الخلود في مصر القديمة / سيد القمني
- دراسة منهجية للقرآن - الفصل الأخير - كشكول قرآني / كامل النجار
- دراسة منهجية للقرآن - الفصل الثاني عشر - الناسخ والمنسوخ وال ... / كامل النجار
- دراسة منهجية للقرآن - الفصل العاشر - قصص القرآن / كامل النجار
- دراسة منهجية للقرآن - الفصل الثالث - الأخطاء العلمية / كامل النجار
- دراسة منهجية للقرآن - الفصل الثاني، منطق القرآن / كامل النجار
- جدل التنوير / هيثم مناع
- كتاب ألرائيلية محاولة للتزاوج بين ألدين وألعلم / كامل علي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - باسم عبدالله - خرافة الجنة والنار في الأديان الإبراهيمية