أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - باسم عبدالله - الوحي الإلهي حقيقة ام خرافة؟















المزيد.....

الوحي الإلهي حقيقة ام خرافة؟


باسم عبدالله
كاتب، صحفي ومترجم

(Basim Abdulla)


الحوار المتمدن-العدد: 7238 - 2022 / 5 / 4 - 03:09
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


البحث في عقيدة الوحي الإلهي من اصعب البحوث لأنها تقتصر في العلاقة بين طرفين لا ثالث لهما، بين الوحي والرسول او النبي او المتلقي حالة استنارة الروح او العقل في كيانه الشخصي، ذلك ان المستنير لم ير الذي ارسل الوحي لتبليغه الأمر الإلهي. بل ان النبي انكفأ على ذاته فعاش الحالة الوجدانية بكل ما تحمله شفافية الوجدان من انطلاقة روحانية تجتاز الافق وانفتاحه في تلقي الخيال الديني. إن المعضلة التي تواجه المؤمن بعقيدة الوحي غير تلك التي يوجهها المفكر العلماني، ذلك ان المؤمن لا اشكالية عنده في تلقي الغيب والإيمان به عبر قنواته السرية التي امتلك اسرارها النبي او المرسل عبر تعاليم الوحي. لهذا حصل الإنقطاع بين عقلية المؤمن وغيره من المطالبين بيقينية اعمق بهدف جعل العقل مطواعاً لما تفتق في الق الخيال من ايمان توصد ابوابه الشفافية، لكن في الجانب الإيماني تسلق عبر الخيال الديني من هم اعمق في ايمانهم باتجاه التقديس والغوص في الذات الإلهية اي على سبيل المثال ينطلق العقل المؤمن بدل الاستغراق في عقيدة الوحي والتخبط في متاهات اسرارها الى الذات الإلهية فليس هناك وسيط بين الله والمتلقي في عوالم الوله، فالتجربة الصوفية تجربة ذاتية يعيشها المؤمن في محنة توحد الروح في خياله الديني المتعطش الى استحضار ذاتية المصدر الروحاني، هو بذلك يزج العقل في متاهات الظن العنيد كي يستشف من خلال روافد الإيمان الأعمق فتراه يعيش اليقين الإيماني في احتراق الذات في اعماق الغيب المجهول.
على ان تجربة متصوف آخر تختلف جوهرياً بأدواتها وتأثيرها عليه، لهذا تكون التجربة متغيرة ومغايرة للمعنى الظني والإيماني الى حد التناقض في طريقة الاستحضار الروحانية للذات الإلهية. رغم ان المتصوف يريد الإتحاد بالذات الإلهية وكان يفترض ان تكون تجربة الذات هي نفسها، بيد ان اي متصوف عاش التجربة الروحانية على اعتبار ان المصدر في عوالمه الروحانية التي بحثت عن الذات الإلهية نفسها، اختلاف التجربة يعني زج العقل ودفعه عنوة في ان ما يريده المتصوف يجب ان يجعل عقله تابع بما اراده ايمانه. التجربة هنا اقحام العقل في متاهات الإيمان لهذا نرى اختلاف التجربة الشخصية، هذا الإختلاف لم يكن بسبب تبدل الطبيعة الإلهية انما الغوص في متاهات المتصوف العقلية كي يأتي ايمانه لما توحي له دوافعه الشخصية التشبث بعالم ليس فيه منفذ لليقين الشخصي بما يجعله صار قريبا من الذات الإلهية بل يعني غاص بعقله في متاهات الوهم واستخرج من ظلماته ما جعل تجربته الذاتية اقرب لليقين مما كان يشتهي ويتمنى. إن زج العقل في متاهات الخيال الديني تجعل انفصام الذات عن واقعها اشبه بالجنون العقلي المترف بخيال الإيمان تماما كسراب يحسبه الظمآن ماءً. لقد سقطت التجارب الصوفية وانهارت وتحولت الى هوس ذاتي مريض لم تقدم الدليل على ذاتية الإله المتحصن في الغيب المجهول. هكذا نرى التشابه الكبير بين التجارب الصوفية في محاولة استحضار الذات الإلهية والتجارب الذاتية للأنبياء عبر عقولهم المستنيرة في ايجاد الوسيط الروحاني بينهم وبين الله.
على مدى التاريخ الديني الذي امتد قرابة 14000 عاماً تطورت فيه المعتقدات الروحانية للشعوب حتى بلغت آلاف الأديان والطوائف، انتقلت من التعدد الوثني إلى الإله الواحد غير المرئي، فترة طويلة دفعت فيها البشرية صراعات التراث الديني دفعت فيها البشرية عشرات الملايين من قتلى المعتقد على مدى التاريخ التي كانت ومازالت تعاني محنة السر الغامض في الوحي الإلهي. تلك التحولات الإعتقادية تركزت في الأديان الأكثر تطوراً في المؤسسة الدينية، حين استلهمت وجودها لهذا السر المحكم في جدلية الوحي اذ تفردت فيه الأديان الإبراهيمية وجعلته سراً لا يخترقه العقل الإنساني مهما بلغ مراحل زج الذات في العقل الواعي والغائب في عالم التصوف.
اتسمت الديانة اليهودية عبر تاريخها الطويل بتبلور عقيدة الوحي واتساع مداها وتأثيرها فاندمجت عقيدة الوحي بالنبوة، لما للنبوة من تأثير على مسار الشعب اليهودي الجريح عبر تاريخه القاسي وفقدان هويته القومية داخل الامبراطورية الرومانية، فلقد اثر السبي البابلي في تفتق الخيال الديني فتم استحضار الوحي الإلهي كعزاء للهزيمة والتشبث بالأمل في عودة مجد اليهود، لذا كان الوحي متنفس الذات في انكسارها عبر المحن المريرة التي عاشها. حتى بات الإلهام اسلوب وخطاب الوحى من الله فزاد عدد الذين يزعمون ان لهم قناة اتصال من خلال وحيه الإلهي، لكن تاريخ الوحي الإلهي عند هؤلاء ليس دائماً دليل الزعامة الدينية انما تم انكشاف امر الكثير منهم في اوهام اتصالهم بالغيب. نقلت المسيحية عالم الغيب والاتصال بالوحي الى شخص المسيح، حتى صار المسيح الوحي المباشر لله والذات الإلهية التي ارتدت الطبيعة البشرية. لم توجد عقيدة الوحي فاندمج الوحي والإله في شخص المسيح حتى حلت فيه الذات الإلهية وصار الاقنوم الثاني في عقيدة الثالوث. اختزلت المسيحية عقيدة الوحي في شخص المسيح، اي انها استدركت على انبياء بني اسرائيل عقيدة الوحي الإلهي وكان هذا احد اسباب صلبه.
اسلامياً تناقضت عقيدة الوحي بمفهومها اللاهوتي، اذ تعددت اشكال الوحي فربما تكون على شكل رؤيا كما في منام ابراهيم او بكلام من وراء حجاب كما اخبرنا موسى، او اللقاء المباشر بالوحي عن طريق جبرائيل او عن طريق الإلهام بأن يعيش المؤمن احساس الغيب بمشاعر تلقي الوحي ” واوحينا الى ام موسى ان ارضعيه فاذا خفت عليه فألقيه في اليم .. ” واوحى الى النحل ” وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا .. ” “ اذ يوحي ربك الى الملائكة اني معكم .. ” تتوسع عقيدة الوحي بالأفكار اي ان النبي قد تلقى كلمات يصوغها باسلوبه الخاص بما يناسب المعنى الذي اراده الله. آمن الكثير بنظرية الوحي الإملائي اي ان الله استخدم كتبة الأسفار التوراتية مجرد ادوات كتابة تسجل ما اراده بلا ان تكون لهم عقول تميز صحيح القول من فاسده. هذا المبدأ في مفهوم الوحي لا يفسر لنا سبب الاختلاف بين اسلوب موسى عن غيره من كتبة الأسفار المقدسة ان كانت حقاً صادرة عن الله. على ان الوحي الإلهي قد يكون الله نفسه من يوحي ” يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ” . يبين النص ان مفهوم الوحي يختلف من حالة لحالة، ولا يفترض فيه ان يكون شخصاً مستقلاً بل الكثير من الرسائل الرمزية توحي عن طريق الإلهام او المنام. تبقى نظرية الوحي الطبيعية تتجسد في انها بصيرة سامية لدى الإنسان اي انها حس ديني تكـوّن مع ولادة الإنسان ومن خلاله يدله هذا الحس الى طريق الحق، فالوحي هنا بمعنى جزء من ذاتية الإنسان وليس هناك كيان روحاني خارج عنه. الوحي على هذا الاساس نوع من الإلهام الطبيعي الذاتي يعتري الإنسان كما يتعرض الإنسان الى حالات الإلهام في كتابة القصائد الشعرية او الكتابات وبتوراد الافكار والخواطر. اما الحالة الروحانية فالوحي لا يتعدى دوره التبليغ عن الأمر الإلهي اذ ليس دور الوحي نقل النبي في عوالم خارج حدود رسالته الأخلاقية لقومه، اما نقل النبي للسماء كما حصل لمحمد، اخنوخ، ايليا، المسيح، ملكي صادق، ويونان “ يونس ” في جوف الحوت، وسفينة نوح، وقصة ايوب، فهي قصص خيالية لا علاقة لها بعمل الوحي، ذلك ان طريقة انتقال النبي من الحالة الوجدانية والالهام الى حالة السيطرة على الطبيعة تخرج كونه نبياً وتبعده عن هدفه الأخلاقي والروحاني للمجتمع. وقد حاول القمص حلمي يعقوب في سلسلة كتب مدارس النقد والتشكيك والدفاع عن نظرية الوحي الإلهي، والرد على النقد الكتابي في الكتاب المقدس بجزأيه العهد القديم والجديد، لكن دفاعه لم يخرج عن تغليب المنطق الروحاني لدعم الإيمان بعقيدة الوحي بلا دليل منطقي وعقلي.
الفلسفة الهندية القديمة كانت منافس قوي للبوذية كانت ترى ان من المستحيل الحصول على معرفة من خلال الطبيعة الميتافيزيقية، هذا بمعنى ان العقل الواعي للنبي لا يتلقى المعرفة الحسية في الإطار الروحاني للوحي، كون نظرية المعرفة اذا كان الايمان فيها يحمل الحقيقة كما اشار افلاطون ” ان الإعتقاد حامل الحقيقة الاكثر شيوعاً” . لكن الإعتقاد بوجود الوحي الإلهي شي والتجربة الشخصية في متلقي خبر الوحي شي آخر. إن تاريخ الشعوب في موروثها الديني اكسبها الى حد بعيد عقيدة الإيمان بالغيب اذ ان ايمانها بالكتابات الدينية او كلام الله ليس للمؤمنين اي منفذ على الوحي الا من خلالها، كما اشار ذلك محمد اركون في كتابه الفكر الإسلامي نقد واجتهاد ص 77-88 ، هكذا صار التفاعل الإنساني مع الكتب المقدسة قد نزع عنها صفة القداسة وجعلها منغرسة في التاريخ والواقع، اي ان النص الديني من خلال تدوين المقدس عندما استند على الواقعية التاريخية ازال تقريباً سر الوحي الإلهي وجعله ضمن التقليد الإجتماعي اذ ان فعل الوحي انعكاس للواقع العقلي للنبي في صلته المباشرة مع احداث قومه.
كذلك نرى ان الوحي منغرس في التاريخ لا يتجاوز شأنه الى افق ميتافيزيقي غير منظور، وكما اشار علي احمد سعيد في كتابه الثابت والمتحول ج 1 ص 37 ، ان عبّر ادونيس عن الطابع التاريخي للوحي إذا افترضنا أن الدين خاتمة المعرفة ونهاية الكمال فذلك يعني أنه لا يمكن أن ينشأ في المستقبل ما لم يكن متضمنا فيه؛ فالوحي تأسيس للزمن والتاريخ أو هو الزمن والتاريخ، وهو الزمان كله ماضيه وحاضره ومستقبله، وبهذا المعنى يستحيل أن يكشف المستقبل عما يتجاوز الوحي، بل هو مجرد حفظ واسترجاع ، كما نرى يتقلص دور الوحي وتتراجع روحانيته لانه يصب في اطار حركة التاريخ التي يفرضها الوعي الذاتي للنبي ولا حاجة له محاولة زج الغيب في الإطار الذي ليس فيه منفعة حقيقية للشعوب في احتماليات المستقبل الذي يمكن ان تتكهن فيه اي عقلية غير متدينة. اذا كان شخص المسيح هو الاندماج الصارم بين الذات الإلهية والوحي الإلهي قد تحدث مع قومه باللغة الآرامية، هي اليوم لا وجود واقعي لها، فكيف ازال الله لغته ثم انتقل الى خطاب اليهود باللغة العبرية؟ تماماً كما فعل مع موسى وغيره من انبياء بني اسرائيل، وكيف انقلب الوحي الإلهي في الاسلام من مؤيد لشعب الله المختار الى معاد لهم؟ فهذه واقعية تاريخية امتزج فيها المعتقد مع المصلحة القومية ولا علاقة لها بالوحي الإلهي.
إسلامياً ان عقيدة الوحي اندرجت في الحالة النفسية، العقلية والوجدانية للنبي نفسه عند تلقيه الوحي، كذلك لقد اظهرت روايات واحاديث المراجع الدينية تناقض النص الديني، والقراءات السبعة وتداخل العديد من المفردات غير العربية، وعدم واقعية النص في الآيات التي اثبتت عدم صحتها علمياً، تاريخياً ولغوياً، فلقد كان النبي يتفصد عرقاً يسيل من جبهته وجبينه في اليوم الشديد البرد، ففي حديث نبوي ” إِنَّ رُوحَ القُدُسِ نَفَثَ في رُوعي أَنّه لَنْ تَمُوتَ نَفْسٌ حَتَّى تَسْتكْمِلَ رِزْقَهَا ” اي ان حالة الوحي عنده حالة يعيشها قلبه، ونفسه ووجدانه، من غير ان يراه ويسمعه كما ورد ذلك في كتاب فيض القدير ج 2 ص 571 ، فحالة الإنفصام الذاتي حالة عقلية لا علاقة لها بحقيقة التعامل مع الوحي. وفي حديث رواه البخاري 2 ومسلم 2333 ” أَحْيَانًا يَأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ فَيُفْصَمُ عَنِّي.. ” فهذه الإنفصام حالة عقلية، لا يمكن فيها تعامل العقل في حالة تلقي الوحي، قالت عائشة : " وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ فِي الْيَوْمِ الشَّدِيدِ الْبَرْدِ فَيَفْصِمُ عَنْهُ وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا ” وفي رواية مسلم 2334 يتغير وجه النبي ثم يحمر يتغير البياض الى سواد. فهل هذه حالات تلقي الوحي؟ تعاملت مريم ام المسيح في النص الديني عند هبوط الوحي بعقلانية مستقلة بلا اعراض انفصالية، وكذلك لم تظهر سيرة موسى عن حالات انفصالية عندما اعتكف لوحده مع الهام الوحي.
ان التعامل مع الوحي خارج سلطة النبي او المؤمن ففي الحديث ان ام سلمة قالت ” لا اسمع الله ذكر النساء في الهجرة بشيء ” فنزلت آية ” فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض” وفي رواية عن عمر بن الخطاب قال : يا رسول الله إني أردت من أهلي البارحة ما يريد الرجل من أهله ؛ فقالت : إنها قد نامت فظننتها تعتل فواقعتها، فجاء النص” أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم ” فنحن امام حالة وحي حسب الطلب لتحقق رغبة الناس وكسب رضاهم. لعل كتبة الوحي خير دليل على صحة كتابة النص وحياً، فهذا عبدالله بن ابي السرح، لقد ارتد ونزلت في شأنه آية ” ومن أظلم ممن إفترى على الله كذبا أو قال أوحي إليّ ولم يوحى إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله ” فهذه الآية كانت تتحدث عن دعوة محمد لعبدالله بن ابي سرح عندما بلغ النبي للآية ” ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم انشأناه خلقاً أخر... ” حتى قال عبدالله ” تبارك الله احسن الخالقين ” فقال محمد ” هكذا نزلت علي ” فشك عبدالله وارتد عن الإسلام. في خطأ تقدير الوحي للواقع ما يلغي احتمال العلاقة الروحانية بين الوحي والنبي تمثل ذلك في شأن العديد من الآيات القرآنية، والتي اثبتت عدم حقيقتها للواقع ولتناقض احكامها ونسخها مباشرة لتحل آية اخرى محلها فهذا التعديل في النص بين الناسخ والمنسوخ اضر بمصداقية علاقة الوحي بالنبي، فعلى سبيل المثال في سورة الانفال 65 تناقضها الآية 66 وتجعل الله لا علم له بالغيب، يندم ويتراجع عن ذكره للفقرة 65، هكذا هيمنت آيات الناسخ والمنسوخ في القرآن الى حالة شمولية اثبتت بشرية كاتب النص. ” وَإِنْ تُبْدُوا مَا في أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ” لكنه تراجع ” لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ” فكيف نفسر النص ونقيضه، هل على اساس عبقرية الوحي ام قصور فكر النبي كحالة بشرية تصيب وتخطأ؟ الرؤية الدينية للوحي تصطدم في الكثير من المعوقات العقلية والدينية للمسلم المعاصر اذ يريد الإيمان بالنص على اساس ميزان العقل وليس النقل حتى بات التدين على حساب العقل وهذه هي محنة الفكر الديني الذي افرط في النص المتناقض وتحول لميول شخصية لا علاقة له بالقيم الروحانية. يجب تطوير النص الذي يعارض العقل بما يخدم المعتقد المعاصر للدين وليس بحسب الإطار الشكلي والتراثي للنص، لان تلك النصوص لم تثبت واقعيتها كنصوص أتى بها الوحي للنبي.
هناك روايتان تقدحان في مصداقية نزول الوحي الإلهي على النبي محمد، تتعارضان وتجعلان امر الوحي امراً مستبعداً فلقد ذكر علي احمد الواحدي في كتابه اسباب نزول القرآن، طبعة 2 ص 446 ، ان محمداً اعتزل في غار حراء مدة شهر، فإذا به يسمع صوتا يناديه، فالتفّ من حوله ونظر عن يمينه وعن شماله فلم يرَ أحداً، ثـمّ سمع الصوت يناديه مرة أخرى، فما أن رفع رأسه إلاّ وقد رأى جبريل على العرش في الهواء. ثم هناك رواية عائشة، التي ذكرت وجود النبي في غار حراء ولم يبرح مكانه عندما نزل عليه الوحي وقرأ له سورة القلم. رغم ان عائشة لم يكن عمرها يزيد عن 5 سنين. إلا انها نقلت حديثاً وكأنها شاهد اثبات لأهم عقيدة في تاريخ الإسلام.
إن وجود الله والطابع الشمولي لكيانه والاتصال به يتم من خلال الطبيعة والضمير، لا عن طريق الوحي، كذلك يقر المسيحيون بوجود وحي خاص هو التواصل مع الله من خلال الكتاب المقدس ويسوع المسيح. عرض افلاطون القيم الروحانية للوجود ومهّد الطريق لقيام المسيحية كعقيدة دينية عندما ربط الذات بالجوهر، فالذات عالم الطبيعة المادي والجوهر يعني الفكر، الجوهر يكمن فيه العالم الروحاني، يمكن للجوهر ان يحل محل الذات، يحل في كل مكان بالوجود. بهذا يكون قد اعطي التبرير الفلسفي بحلول الله ” الجوهر ” في كل مكان، لقد انكر وجود الوحي الإلهي واعتبره حالة الجوهر، فالجوهر الكيان الروحاني غير مرئي للوجود اما ايجاد وحي مستقل يمثل كيان الجوهر او ينوب عنه فهذا من مجهودات العقل التي تضرب في اعماق الخيال لا ثمرة فيه ولا استنتاج لعقيدة. تنادي العديد من الأديان بالوحي الإلهي من اجل تبرير معتقداتهم المميزة عن الله، لكن الطابع العملي لهذا الوحي طابع معرفي، اي تزويد المتصوف او النبي حالات احساس الخروج عن الذات ليعيش حالة الإحتراق فيستنير عقله في انفصاله عن الذات وهذا ما وقع لمحمد، فمحمد لم يبرهن بوجود الوحي لكنه برهن ان عقله احترق داخل كيانه في البحث عنه.
الوحي كان ومازال مركز بحث علم اللاهوت، فهذا امر فلسفي اكثر من كونه حالة لاهوتية يمكن الإيمان بها والدفاع عنها لانها حالة عقلية ليس اكثر، فتبرير الإدعاء بتلقي الوحي انما يجسد الحالة العقلية للمؤمن في مدى قدرته على حرق ذاته حتى يعيش في خيال عقله قد زج فيه بأنوار الملأ الأعلى، ان هذا المجهود العقلي لا يمكن للعقل اختباره ذلك ان العقل وعاء مادي ومفهوم الوعي حالة عقلية هدفها اقناع الذات ان صاحب المعتقد قد استنار في العالم الروحاني، الأمر يتميز فيه المؤمن بخوارق النفس في عوالم الخيال. يبقى مفهوم الوحي يلغي دوره النص القرآني : ” وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ .. ” ” وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ .. ” فما اهمية الوحي اذا كان الله قريباً لعباده بهذا القرب الشديد؟ اننا امام حالة دينية ومعتقد راسخ في العقول ” عقيدة الوحي” فهل تمثل حقيقة في التراث الديني؟ ان المؤسسة الدينية كلها معتقد غيبي، وعقيدة الوحي دخلت لجعل الزعامة الدينية لتبقى اطول مدى لم تثبت حقيقة وجودها بل تم اثبات عدم مصداقية وجودها. تبقى الحالة الذاتية للنبي في تلقيه خبر الوحي، يستحيل زج الذات الشخصية في النص الصادر عن الوحي الإلهي، فهذا امر لم يتفق مع رسالة الوحي في العقيدة الإسلامية اذ تضمنت العديد من الآيات القرآنية مخصصة للنبي وشأنه العائلي، فلقد احل لذاته الكثير مما لا يحل لغيره فهذا امر لا علاقة له بالعقيدة الدينية للوحي. استنتاجاً ان حالة الوحي تعكس مدى انتشار عقيدة الغيب للشعوب، ان زادت، زاد معها الإيمان بالوحي الإلهي وان كانت مجتمعاتنا واقعية تجعل للعقل مكانة في النقد والتحليل فسيبقى الوحي الخيال الجميل في تاريخنا لا يزيد عن كونه واحداً من اجمل قصص التراث الخرافية.



#باسم_عبدالله (هاشتاغ)       Basim_Abdulla#          



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
إلهامي الميرغني كاتب وباحث يساري في حوار حول الوضع المصري ودور وافاق الحركة اليسارية والعمالية
سلامة ابو زعيتر باحث وناشط نقابي ومجتمعي في حوار حول افاق ودور الحركة النقابية والعمالية في فلسطين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الجذور التاريخية لسورة الفيل
- الجذور الوثنية لقصة خلق آدم وحواء
- طوفان نوح تاريخ خرافي ام وثيقة ايمانية؟
- عقيدة الوهم في اصحاب الكهف
- قراءة نقدية في عقيدة العصمة
- معجزات المسيح - بين الخرافة والتضليل -
- التطرف الديني في مواجهة الدولة المدنية - العراق نموذجاً -
- عبور موسى البحر الأحمر، خرافة ام حقيقة؟
- الشيطان في التراث الديني
- خطاب العنف في سفر يشوع
- خطاب العنف في النص القرآني
- الاسراء والمعراج، بين المعتقد والخرافة
- الروح بين الفكر الديني والعلماني


المزيد.....




- إقبال بركة تكتب:خليل عبدالكريم..علماء الإسلام والمرأة
- ما وراء تصريحات بابا الفاتيكان عن أوكرانيا؟
- مهرجان كان: -صبي من الجنة-... الشرطة السياسية المصرية في دها ...
- قوات الاحتلال تقتحم مصلى قبة الصخرة في المسجد الأقصى المبارك ...
- جبهة العمل الاسلامي في ذكرى التحرير: ستبقى شعلة المقاومة وهّ ...
- فصائل المقاومة الفلسطينية: سماح حكومة الاحتلال للجماعات الصه ...
- المكتب السياسي لحركة أنصارالله باليمن: ندين بشدة جريمة اغتيا ...
- الرئيس الأسد يستقبل راعي الكنيسة الأرمنية في بيت كيليكيا الك ...
- مصادر فلسطينية : قوات الاحتلال تقتحم مصلى قبة الصخرة في المس ...
- بعد شطبها من لائحة الإرهاب الأميركية.. تساؤلات حول مستقبل ال ...


المزيد.....

- لماذا كمسلم أؤيد الحرية والعلمانية والفنون / سامح عسكر
- ميثولوجيا الشيطان - دراسة موازنة في الفكر الديني / حميدة الأعرجي
- الشورى والديمقراطية من الدولة الدينية إلى الدولة الإسلامية / سيد القمني
- الدولة الإسلامية والخراب العاجل - اللاعنف والخراب العاجل / سيد القمني
- كتاب صُنِع في الجحيم(19) / ناصر بن رجب
- التحليل الحداثي للخطاب القرآني (آلياته ومرتكزاته النظرية ) / ميلود كاس
- الثالوث، إله حقيقي ام عقيدة مزيفة؟ / باسم عبدالله
- The False Trinity / basim Abdulla
- نقد الفكر الديني بين النص والواقع / باسم عبدالله
- خرافة قيامة المسيح / باسم عبدالله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - باسم عبدالله - الوحي الإلهي حقيقة ام خرافة؟