أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أحمد أغ أبو اليسر - مَنَّا / الجفاف.. قصة قصيرة















المزيد.....

مَنَّا / الجفاف.. قصة قصيرة


أحمد أغ أبو اليسر
(Ahmed Ag Aboulyousri)


الحوار المتمدن-العدد: 7141 - 2022 / 1 / 20 - 15:11
المحور: الادب والفن
    


الشيء الذي لفت انتباهه وهو يمشي ويدحرج الأحجار بحذائه الجلدي هو رعد زغرَدَ من الناحية الشمالية، ثم رقص جيدا عندما مر بوسط السماء حتى هز الأرض من تحته، فواصل راقصا مزغرِدا يهز السماء هزا حتى خرس في الجنوب.. تبعه برق مجنون، أزرق اللون، لمع في أسفل السماء جنوبا حيث سكت الرعد، ثم تلوَّى كالثعبان في كل الجهات الأربع متلاعبا ببصره حتى ابتلعه امتداد السماء شرقا فكاد يخطف النور من عينيه.. تجمد آخْمادْ أوتوماتيكيا في مكانه من هول المفاجأة السماوية، ومن هول الفزع أيضا..
الله الله..! مطر..! حقا ؟ مطر حقا..! ما أرحمك يا رب..! لكن بعد أن هلكت جميع المواشي غير قليل..! حمدا لله في كل الأحوال.. رفع يديه نحو القبلة مبتهلا بالشكر لرب المطر وهو ما زال متجمدا في مكانه، لكن العاصفة التي بدأت تحمرُّ في تلك الجهة تحديدا لم تسمح له بالابتهال طويلا، فقد بدأت تنشر في السماء من الأسفل إلى الوسط ذيولا حمراء عريضة، ومشبَّعة بالحمرة حتى كأنها مشحونة بالدماء.. استغرب كثيرا من سرعة تكوين المطر من سماء عارية قبل قليل حتى من الأتربة التي تصعد من الأرض إليها، لكن الله على كل شيء قدير.. هكذا قال الفقيه آنسلم، وقال أيضا : "رحمة الله وسعت كل شيء" لا بد لرحمة الله التي نبحث عنها أن نجدها يوما.. هكذا قال الفقيه أيضا.. الفقيه دائما يصدق.. فقدتُ أغلب ما لدي من المواشي بسبب الجفاف الذي اكتسح الصحراء كلها منذ ثلاث سنوات، لكن ما بقي لي الآن سيرعى المروج وينمو سريعا.. حمدا لله.. حمدا لله..! صدق الفقيه..! ثم هش شياهه الأربعة المتبقية له بعد أن قضى الجفاف على الستة والخمسين منها.. هرول نحو بيته.. هش الأغنام بسرعة كي لا تدركه العاصفة قبل الوصول إلى بيته، وهو عبارة عن هشيمٍ يابس مسنَدا على ستة قوائم خشبية مصقولة، يأوي إليه هو وزوجته، وأمه، وثمانية من أولاده؛ إثنان منها ذكورا، وستة إناثا قبيحات كلهن، ولا أحد يرغب في الزواج من إحداهن.. هرول بشدة، لكن الشياه الهزيلات التي تكاد عظامها أن تخرق جلودها من شدة الجوع لا تطيق الهرولة.. أطلق الصفير لها وهي تتحرك ببطئ أمامه نحو البيت القريب فلم تُغير مشيتها.. أدرك العبثية وتضييع الوقت وراء محاولة إيصالها للبيت قبل العاصفة فتركها، وجرى نحو البيت المفتوح من كل الجهات ليغلق أبوابه قبل أن تطير به العاصفة..
عَبَر أخدودا رمليا ضيقا يفضي إلى بيته، لكن العاصفة بدأت تنشر ألوانها الحمراء على العراء أمامه، وتنفث نسيما باردا معبئا برائحة المطر.. إنها رحمة حقيقية، بل أكبر رحمة على الإطلاق بالنسبة لطارقي مثله.. رفع لثامه السفلي إلى ما دون العينين ليقاوم به الأتربة، لكن العاصفة بدأت تشتد، بدأت تجذبه نحو الخلف، فجرى بجنون حتى دخل البيت، وهو فارغ سوى من أمه العجوز العمياء، وتَنْفَا؛ ابنته الكبرى وهي نائمة على بساط في زاوية البيت الغربية. ركلها بقدمه فصرخ عليها :
_أتنامين والبيت تطير به العاصفة ؟ وأين مشت أمك ؟ إخوتك ؟ أخواتك؟ أين ذهب الجميع ؟. بدأت الرعود تُزمجر، وبدأت العاصفة تهز البيت، والبروق تلمع بشدة وتلتوي كالأفاعي في السماء، حتى حوّلت وقت الغروب إلى منتصف الليل. ارتفع الجزأ الشرقي الذي تدخل به العاصفة من البيت، فجرى إليه، وأمه جالسة القرفصاء على سجادة جلدية هناك، وهي تستعد لصلاة المغرب دون أن تأبه لأمر العاصفة التي لا تراها أصلا. قطع من أسفل عمامته القديمة المتسخة قطعة عقَد بها أبواب البيت الشمالية على الأعمدة.. ربطها جيدا، ثم أسرع إلى الأبواب الشمالية (وابنته ما تزال جالسة على البساط وتفرك عينيها الناعستين) فقطع من عمامته قطعة أخرى، ربط بها الأبواب جيدا على الأعمدة، لكن العاصفة جن جنونها فبدأت ترفع سقف البيت على ركائزه.. بدأ المطر يتساقط قطرة قطرة، وذرات العاصفة تبلع قطراته، والرياح يشتد جنونها.. جلس آخماد جنب أمه، واستقبل الباب الغربي الذي بقي مفتوحا، ليشاهد رحمة السماء تنزل أخيرا، وابنته ما تزال تفرك عينيها القبيحتين متجمدة في مكانها :
_ قلت لك أين ذهبت أمك ولم تجيبي ؟
_ لا أعرف
_ أخواتك ؟ إخوتك أين ذهبوا ؟
_ لا أعرف.. لكن إجابتها الأخيرة تاهت في ضجيج العاصفة وشخير المطر، فلم تصل إليه.
زمجر رعد كاسر ناحية الشمال، فانسالت الماء بغزارة حتى بدأ السيل يطيح بالبيت، دون أن يتوقف جنون الرياح حتى ذهبت بالأبواب، وارتفع البيت من الداخل، وبدأ الهشيم يتساقط، والمطر يدخل، ويعبث بأمتعة البيت البسيطة..
صرخت ابنته بفزع :
_ يا ربااااه، فملأت الأتربة منخاريها، وقفزت إلى الركائز لتصمد عليها لكن سقف البيت كله طار حتى سقط على شجرة أمام البيت فسقطت الشجرة أيضا، فبقوا في العراء يلفهم المطر، وتطير بهم العاصفة.. عربد السيل وتسكع بين أمتعة البيت البسيطة حتى جمعها في جعبته ثم سال بها نحو المجهول..
بعد ساعات طويلة من الصراع المحموم هدأ الجنون. عقلت السماء، وأمسكت مياهها أخيرا.. هدأت حتى كأنها لم تمطر يوما.. سأل آخماد أخيرا :
_ هل الجميع بخير ؟
أجابته أمه التي مرَّغتْها العاصفة في البلل :
_ نعم كلنا بخير.. السماء لا تأتي إلا بخير، فاحتجت عليها تنفا قائلة :
_ لكن المطر ذهب بكل ما لدينا من أمتعة البيت، وما إن أكملت تعليقها على جدتها حتى تذكر آخماد قطعانه الأربعة التي تركها عند الأخدود، فوثب من مكانه بسرعة متجها إليه ليجد المفاجأة : شياهه جمعتها المياه في مكان واحد، ثم سالت بها نحو نهاية الأخدود..
إنها كلها ماتت.. ما تركه له عذاب الجفاف قتلتْه له رحمة الأمطار.. ها هو قد تحرر أخيرا من كل ما يملك في الدنيا، حتى الأغنام الأربعة، حتى أمتعة البيت البسيطة، حتى هشيم البيت.. لم يبق له في الدنيا أي شيء غير عيال ثقيل لا يعرف كيف يعيله بعد المجزرة التي ارتكبتها رحمة المطر بعنزاته الأربع.. أهذه رحمة ؟ هذا المطر الذي انتظرته طويلا هو الذي نزع مني آخر كل ما جمعته في الدنيا بعرق جبيني وبعد سنوات طوال أيضا.. أين أمشي لأجد ما أعيل به هذه العائلة التي أنجبتُها دون تفكير ؟ الجميع في الصحراء عانى مما عانيت منه فأين أمشي لأجد الرزق ؟ إنني الآن لا أملك في الدنيا غير هذا الجلباب الوسخ المبلل، وهذه الأحذية الجلدية التي أنتعلها، وهذه العمامة التي فسدتُّها بسبب المطر أيضا. ربما قد تفيد عيالي إذا تركتها لها، ومشيت طلبا للرحمة الكبرى.. بدأ ينزع ملابسه وهو واقف عند طرف الأخدود الذي يعربد فيه سيل كاشر، وتصدح فيه الضفادع معلِنة عن مجيء الرحمة.. تحرر من ملابسه أيضا.. هذا هو الحل الأخير لديه، فعلام يعيش في دنيا العذاب وهناك رحمة في دنيا النعمة الأخرى ؟ ألم يقل له الفقيه أنه هناك رحمة كبرى تحت الظلمة ؟ نعم.. نعم.. هكذا ما قال وأنا مؤمن بما قال..فأسقط نفسه في السيل بحثا عن الرحمة الأخيرة..!



#أحمد_أغ_أبو_اليسر (هاشتاغ)       Ahmed_Ag_Aboulyousri#          



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- انتماء
- الموتى - الأحياء - الحب:
- العدمية وسواد الحياة:
- إبراهيم الكوني في فخ التقليد
- لعبة البقاء / قصة قصيرة
- سرد الصحراء بين وحشة الفضاء، وأُلفة الرمز
- الثقافة الإسفيرية وتشتيت وعي الطوارق:
- الثاقة الإسفيرية وتشتيت وعي الطوارق
- أهازيج في رثاء توماست / قصة قصيرة
- إلى أين يتجه الموت البشري؟
- فردوس الكبار / قصة سخيفة
- لماذا فشل الطوارق في إقامة دولة؟


المزيد.....




- هتستمتع بمسلسلات و أفلام و برامج هتخليك تنبسط من أول ما تشوف ...
- وفاة الفنان المصري المعروف صلاح السعدني عن عمر ناهز 81 عاما ...
- تعدد الروايات حول ما حدث في أصفهان
- انطلاق الدورة الـ38 لمعرض تونس الدولي للكتاب
- الثقافة الفلسطينية: 32 مؤسسة ثقافية تضررت جزئيا أو كليا في ح ...
- في وداع صلاح السعدني.. فنانون ينعون عمدة الدراما المصرية
- وفاة -عمدة الدراما المصرية- الممثل صلاح السعدني عن عمر ناهز ...
- موسكو.. افتتاح معرض عن العملية العسكرية الخاصة في أوكرانيا
- فنان مصري يكشف سبب وفاة صلاح السعدني ولحظاته الأخيرة
- بنتُ السراب


المزيد.....

- صغار لكن.. / سليمان جبران
- لا ميّةُ العراق / نزار ماضي
- تمائم الحياة-من ملكوت الطب النفسي / لمى محمد
- علي السوري -الحب بالأزرق- / لمى محمد
- صلاح عمر العلي: تراويح المراجعة وامتحانات اليقين (7 حلقات وإ ... / عبد الحسين شعبان
- غابة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- اسبوع الآلام "عشر روايات قصار / محمود شاهين
- أهمية مرحلة الاكتشاف في عملية الاخراج المسرحي / بدري حسون فريد
- أعلام سيريالية: بانوراما وعرض للأعمال الرئيسية للفنان والكات ... / عبدالرؤوف بطيخ
- مسرحية الكراسي وجلجامش: العبث بين الجلالة والسخرية / علي ماجد شبو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أحمد أغ أبو اليسر - مَنَّا / الجفاف.. قصة قصيرة