أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمود شقير - ظل آخر للمدينة44














المزيد.....

ظل آخر للمدينة44


محمود شقير

الحوار المتمدن-العدد: 7098 - 2021 / 12 / 6 - 13:46
المحور: الادب والفن
    


في زمان الهزيمة، أكثرت أنا والأصدقاء، من الجلوس في المقاهي، وفي محلات المرطبات، وذلك لطرد السأم، وللاستمرار في تقليد درج عليه أبناء الطبقة الوسطى منذ سنوات. وكنا ننطلق بين الحين والآخر نحو الجزء الغربي من المدينة، نسير في شارع يافا، أو نذهب إلى حي الطالبية، أو حي القطمون، حيث سكن الموسرون من الفلسطينيين قبل نكبة 1948، ثم اضطروا إلى مغادرة بيوتهم تحت وطأة القصف، ليسكنها من بعدهم يهود قادمون من مختلف بقاع الدنيا (سأذهب إلى حي القطمون في القدس الغربية صحبة فريق تصوير تلفزيوني، نبحث في الحي عن بيت خليل السكاكيني الذي بناه أواخر الثلاثينيات من القرن الماضي، لكي يستقر فيه هو وزوجته سلطانة بعد سنوات من التعب والشقاء. تموت الزوجة بعد سنتين من الإقامة في البيت، ثم تقع النكبة الفلسطينية ولا يعود خليل السكاكيني أو أي أحد من أفراد أسرته قادراً على الوصول إلى البيت. نصل البيت بعد أكثر من سبعين عاماً من تشييده. نجد في الطابق الأرضي أسرة يهودية مكونة من رجل عجوز وامرأة، وفي الطابق العلوي روضة للأطفال الإسرائيليين. تقوم المصورة بتصوير البيت من الداخل والخارج، وتقوم بتصويري وأنا أتحدث عن حياة خليل السكاكيني وحبه الشديد لزوجته، وعن دوره في إثراء الثقافة الوطنية الفلسطينية بأفكاره ذات البعد العلماني التنويري).
ونعود إلى البلدة القديمة ممتلئين كدراً، بسبب النظرات المتعالية التي يمارسها علينا الجنود الإسرائيليون، ونزداد كدراً حينما نرى كثرة من أبناء مدينتنا وقد تحولوا إلى تجار بسطات، يبيعون للإسرائيليين المنتشرين في المدينة، كل ما يخطر وما لا يخطر على البال من سلع خفيفة: ملاعق، صحون، مزهريات، أمشاط، مرايا، كؤوس، عقود من لؤلؤ رخيص، قلائد من خرز ملون، جواعد، بسط مشغولة باليد، مخدات وشراشف، شلحات للنساء وحمّالات لصدورهن وسراويل داخلية وجرابات، وأشياء أخرى كثيرة.
كثيرون من الناس فقدوا أعمالهم ووظائفهم، فتحولوا إلى باعة لتدبير لقمة العيش، حتى إن أناساً اضطروا إلى المتاجرة ببعض ما تحتويه بيوتهم من أثاث قديم نادر، أو مقتنيات شعبية، فأقبل المنتصرون على ارتياد أسواق المدينة لشراء ما يروقهم من سلع بأرخص الأسعار.
تتحكم غريزة البقاء في الجموع الهائمة على وجوهها في الأسابيع الأولى للهزيمة، ويصبح التفكير في أمر الوطن مؤجلاً إلى حين. تهيمن أخلاقيات القطيع على المشهد المنكسر، ويلذّ للمنتصرين أن يسمعوا مفردات لغتهم وهي تتردد بمثل هذه السرعة على أفواه المهزومين: بكشاه أدوني (تفضل يا سيدي)، بكشاه جفيرت (تفضلي يا سيدة)، بليرة، بليرة أحات أدوني (بليرة، بليرة واحدة يا سيدي).
وبسبب هذا الوضع غير الطبيعي، تعطلت الحياة الثقافية في المدينة، فاحتجبت صحيفة القدس عن الظهور. وأصبحت صحيفة الاتحاد الحيفاوية توزع في القدس العربية، بعد إعلان ضمها إلى إسرائيل، واعتبارها عاصمتها إلى الأبد! كانت لغة الجريدة المؤيدة لحقوق الشعب الفلسطيني، ورفضها للاحتلال، تمدنا ببعض العزاء. كتبت قصتي الأولى بعد الاحتلال، وهي بعنوان "البلدة القديمة" أتحدث فيها عن معاناة بطلها فرج الحافي الذي قرر الذهاب من قريته إلى القدس لأداء الصلاة في مسجدها، ثم إنه تعرض للأذى على أيدي جنود الاحتلال. وكي لا أتعرض بدوري للأذى، وقّعت القصة عندما نشرتها في الاتحاد، باسم مستعار هو "ربحي حافظ". وحينما عادت صحيفة القدس للظهور أوائل العام 1968، قابلنا عودتها بفتور، معتبرين أنها محاولة لتطبيع حياتنا مع الاحتلال، فنظمنا مقاطعة لها، فلم نحرز نجاحاً يذكر ربما بسبب حاجة الناس إلى صحيفة يومية. وفيما بعد أوقفنا المقاطعة، ثم نشرت فيها عدة مقالات حول أوضاعنا السياسية والمهمات المطلوبة منا، ووقعتها باسم مستعار هو "فارس أبو بكر".
وأخذ زميلي أيام الدراسة في المدرسة الثانوية، عمر القاسم، يتحرك على أكثر من صعيد. ثم تطوع للعمل في اللجنة القيادية السرية لمنطقة القدس التابعة لاتحاد المعلمين. كان طاهر النمري وأنا وآخرون أعضاء في هذه اللجنة، غير أن عمر أصبح مطلوباً لسلطات الاحتلال، ما اضطره بعد فترة اختفاء في القدس، إلى التسلل شرقاً، والالتحاق بإحدى منظمات العمل المسلح (الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين)، ثم عبر النهر في دورية فدائية، اصطدمت مع قوات الاحتلال، فوقع في الأسر، وأمضى أكثر من عشرين عاماً في السجون الإسرائيلية، دون أن يضعف أو تهبط روحه المعنوية، حتى مات في سجنه تحت وطأة المرض العام 1989.
ومع مرور الوقت، تتسع آفاق العمل الوطني، ويستيقظ الناس من هول الصدمة. يأتي نعيم الأشهب إلى القدس، بعد أن قضى سنوات عدة في العمل السري أيام الحكم الأردني، ثم ألقي القبض عليه العام 1966، فأودع زنزانة في بناية المخابرات في عمان، لم يغادرها إلا حينما وقعت الهزيمة. عاد متسللاً إلى المدينة لكي يتولى الإشراف على النشاط الحزبي فيها، يساعده سليمان الحنا، الذي خرج من سجن الجفر الصحراوي العام 1965. صرت أتردد على بيت نعيم الأشهب في وادي الجوز، لتلقي التعليمات الحزبية، وعلى بيت سليمان الحنا في الطور لاستلام المنشورات التي أقوم بنقلها إلى القرى المحيطة بالقدس.
يتبع



#محمود_شقير (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر
الموقف من الدين والاسلام السياسي، حوار مع د. صادق إطيمش حول الاوضاع السياسية والاجتماعية في العراق


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ظل آخر للمدينة43
- ظل آخر للمدينة42
- ظل آخر للمدينة41
- ظل آخر للمدينة40
- ظل آخر للمدينة39
- ظل آخر للمدينة38
- ظل آخر للمدينة37
- ظل آخر للمدينة36
- ظل آخر للمدينة35
- ظل آخر للمدينة 34
- ظل آخر للمدينة33
- ظل آخر للمدينة32
- ظل آخر للمدينة31
- ظل آخر للمدينة30
- ظل آخر للمدينة29
- ظل آخر للمدينة28
- ظل آخر للمدينة27
- ظل آخر للمدينة26
- ظل آخر للمدينة25
- ظل آخر للمدينة24


المزيد.....




- الكرملين: الرواية بأن روسيا تقف وراء أضرار -السيل الشمالي- غ ...
- الرئاسة الفلسطينية: إسرائيل تستخف بحياة أبناء الشعب الفلسطين ...
- مصر,فعاليات أدبية الاسكندرية (قصرثقافة الأنفوشى) يحتفى شعرىا ...
- زلاتان إبراهيموفيتش يقتحم عالم السينما بفيلم كوميدي (فيديو) ...
- النمسا تعيد رفات سكان أصليين إلى نيوزيلندا
- علاء ولى الدين ظاهرة سينمائية ببصمة شريف عرفة
- مصر.. التحقيق مع فنان مشهور بعد إساءته للفنان سعيد صالح على ...
- كيف تحولت التصاميم الهندسية للفن الإسلامي إلى مصدر إلهام لكا ...
- المغني البلجيكي ذو الأصول المصرية تامينو يركّز على العود -آل ...
- الإعلان عن الفائزين بمسابقة -أندريه ستينين-2022- للتصوير الص ...


المزيد.....

- لا أفتح بابي إلّا للمطر / أندري بريتون- ترجمة: مبارك وساط
- مسرحية "سيمفونية المواقف" / السيد حافظ
- مسرحية " قمر النيل عاشق " / السيد حافظ
- مسرحية "ليلة إختفاء أخناتون" / السيد حافظ
- مسرحية " بوابة الميناء / السيد حافظ
- قميص السعادة - مسرحية للأطفال - نسخة محدثة / السيد حافظ
- الأميرة حب الرمان و خيزران - مسرحية للأطفال / السيد حافظ
- الفارة يويو والقطة نونو - مسرحية للأطفال / السيد حافظ
- قطر الندى - مسرحية للأطفال / السيد حافظ
- علي بابا. مسرحية أطفال / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمود شقير - ظل آخر للمدينة44