أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمود شقير - ظل آخر للمدينة37














المزيد.....

ظل آخر للمدينة37


محمود شقير

الحوار المتمدن-العدد: 7001 - 2021 / 8 / 27 - 17:25
المحور: الادب والفن
    


ولم أتمكن من حضور جنازة جدي الذي مات صيف العام 1961. كنت يومها في دمشق لتأدية امتحانات السنة الجامعية الأولى. وحينما عدت من السفر، وجدت الحزن يخيم على العائلة لفقده. حزنت، ورحت أتذكر علاقتي الطيبة بهذا الجد الذي ظل عطوفاً علي، رغم عصبيته، ورغم ما كان يعتريه من تجهم دائم في السنوات الأخيرة من عمره (مرة واحدة رأيت هذا الجد القوي يترنح تحت ضربات المرض، وكان علي وأنا على مقاعد الدراسة في القدس أن أصطحبه بعد انتهاء دوامي المدرسي، إلى عيادة الدكتور رشيد النشاشيبي في عمارة هندية بالقرب من باب العامود. انتظرني في حانوت العم عايد، أمسكت بيده ومضينا نحو العيادة. كان الضعف بادياً عليه، ولم أصدق أن هذا الجد الذي كان الرجال يهابونه ويخشون غضبه، يستسلم إلى هذا الحد لمشيئتي. أقوده، وهو مذعن تماماً، إلى الطبيب الذي فحصه، ثم وصف له دواء، تحسنت صحته بعد تناوله بساعات، فظل يحتفظ لي بمودة كبيرة جراء ذلك، ما جعلني أكثر شجاعة لدى مخاطبته أو التعامل معه).
وكنت أواصل تأمل ما تشهده الحياة في القدس من تطور هنا وآخر هناك.
بنيت فنادق جديدة في المدينة، وازدادت حركة السياح فيها (بعض أبناء قريتي اشتغلوا في الفنادق عمال نظافة وطهاة، وتحسنت لغتهم الانجليزية بفعل الاحتكاك اليومي بالسياح)، وانتشرت المقاهي والمطاعم والملاهي ومحلات المرطبات خارج السور، وظهرت سلع عديدة في المحلات، وأصبح البيع بالتقسيط سمة مألوفة، وانتشرت بعض الاستثمارات الفردية، وأصبح السعي وراء الربح هدفاً للعديدين ممن أخذ اليأس يصيبهم جراء سوء الأوضاع السياسية واشتداد القمع، خصوصاً بعد نجاح الانفصال بين سوريا ومصر. وبرزت إلى العيان الرغبة في السفر، إلى البرازيل والسعودية والكويت وبلدان أخرى من أجل العمل وتحصيل الرزق.
والمدينة بالرغم من ذلك، واصلت حياتها المألوفة، الباعة ينادون على بضائعهم بأصواتهم الممطوطة، القرويون يعودون إلى بيوتهم قبل حلول المساء، وأهل المدينة يتمشون في شوارعها، حتى ساعات ما بعد المساء، وأنا شديد الإقبال على الحياة أبحث في المدينة وفي القرية عن مادة جديدة لقصة أكتبها بعد عودتي من دوامي المدرسي، أو بعد عودتي من أداء الامتحان الجامعي. كانت الكتابة تهب حياتي أبعاداً جديدة لم تكن في البال.

***
حينما عدت من دمشق، ذهبت إلى قبر جدي، في مقبرة أحمد الساحوري، التي تقع على طرف القرية من جهة الشمال. مقبرة مثيرة للأسى بتربتها الجيرية وبصخور الحثّان فيها وبالأشواك البرية التي تنمو على مقربة من القبور وقريباً من حجارتها المتطامنة.
قال لي أبي فيما بعد: حينما كنا مقيمين في البرية، اعتدنا دفن موتانا في هذه المقبرة رغم بعدها عن مضارب العشيرة.
قال: كنا نحمل الميت على ظهر فرس، ونأتي به إلى المقبرة، بعضنا يأتي راكباً فرساً أو بغلة أو حماراً، وبعضنا يأتي ماشياً على قدميه.
وقال في تسليم واضح: كل نفس ذائقة الموت.
كنت أعرف أنه مع تقدمه في العمر أصبح يخشى الموت.
في زمن مبكر عرفت هذه المقبرة، وفي ذلك الزمن عرفت شيئاً عن الموت. لا أذكر بالضبط من هو الذي مات آنذاك، غير أنني أذكر أن أمي بكت وشقت ثوبها حتى بان جزء من صدرها ولطمت خديها، فعرفت أن أمراً صعباً قد وقع. غادرت أمي بيتنا ومعها نسوة أخريات، ولم تشأ أن تأخذني معها، غير أنني مشيت في أثرها، أنا وأختي الكبرى، وكان معنا أطفال آخرون.
وصلنا اشكارة الجامع، حولها كتل كبيرة من الصخور تحيط ببقعة أرض ذات تربة حمراء. وقفنا هناك وجلين ننظر من بعيد نحو المقبرة. سبقتنا أمي في سيرها الحثيث، ولم نجرؤ على مواصلة السير. كان الموت يربض هناك فوق التربة القاحلة، وثمة وحشة وخوف، وأناس يتحركون على أطراف المقبرة وفي داخلها، ويبدو أنهم كانوا وجهاً لوجه مع الموت، وإلا كيف أفسر حزن أمي وبكاءها!
حينما ماتت أختي أمينة، تأكدتُ إلى أي حد يربكني الموت. ماتت عام 1966، بعد أن أصيبت بحمّى النفاس، جراء قلة العناية والإهمال. وضعت طفلها الأول في مقر إقامتها مع زوجها في مدينة الزرقاء، ثم ساءت حالتها الصحية، فأحضرها أبي من هناك. كنت أقيم في مدينة رام الله. جاءني في الصباح التالي اثنان من أقاربي، فاتجهت معهما فوراً إلى جبل المكبر، وجدت أمينة مسجاة في ركن دارنا العتيقة، ومن حولها تتحلق نساء العشيرة. كانت تهذي، انحنيت وقبلت جبينها. شعرت بتأنيب ضمير، لأنني كنت أعرف حقيقة موقفها من زواجها الذي دفعناها إليه، غير أنني التزمت الصمت، بل إنني رحت أسوق المسوغات لهذا الزواج الذي اعتقدت أنه ضروري لتقوية أواصر العلاقة داخل العشيرة.
أسرعت إلى طبيب أجرى لها فحصاً، ثم أشار علي بنقلها إلى المستشفى، فأسرعنا بها إلى المستشفى، ولم تلبث أن ماتت، فعدنا بها إلى البيت، وأنا متألم جداً لفقدها.
يتبع..



#محمود_شقير (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب التونسي د. هشام القروي حول تعدد الاحزاب والديمقراطية في تونس والعالم العربي بشكل عام
حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ظل آخر للمدينة36
- ظل آخر للمدينة35
- ظل آخر للمدينة 34
- ظل آخر للمدينة33
- ظل آخر للمدينة32
- ظل آخر للمدينة31
- ظل آخر للمدينة30
- ظل آخر للمدينة29
- ظل آخر للمدينة28
- ظل آخر للمدينة27
- ظل آخر للمدينة26
- ظل آخر للمدينة25
- ظل آخر للمدينة24
- عن المثقف الفلسطيني ورهانات الحداثة
- عن القدس في كتاب نسب أديب حسين
- ظل آخر للمدينة23
- ظل آخر للمدينة22
- ظل آخر للمدينة21
- ظل آخر للمدينة20
- ظل آخر للمدينة19


المزيد.....




- توم هانكس يضيف وظيفة جديدة لسيرته الذاتية ويثير الجدل حول أف ...
- فنانة سورية تثير الجدل في مصر (فيديو)
- تضارب الروايات.. السلطات تؤكد موت مهسا أميني بنوبة قلبية وال ...
- فريق CNN يجرب تطبيق ممثل فيلم -ثور- لمدة شهر.. شاهد النتيجة ...
- هل تستولي الترجمة الآلية العصبية للغة العربية على وظائف المت ...
- بعروض غامرة.. مساحة في دبي تجمع الفنانين الرقميين
- بالفيديو.. مستوطنون يرقصون على وقع موسيقى صاخبة في المسجد ال ...
- معرض الرياض الدولي للكتاب.. ملتقى سعودي يبني جسورا ثقافية مع ...
- صدور ترجمة رواية «غبار» للكاتبة الألمانية سفنيا لايبر
- منشورات القاسميّ تصدر الرواية التاريخية -الجريئة-


المزيد.....

- مسرحية العالية والأمير العاشق / السيد حافظ
- " مسرحية: " يا لـه مـن عـالم مظلم متخبـط بــارد / السيد حافظ
- مسرحية كبرياء التفاهة في بلاد اللامعنى / السيد حافظ
- مسرحيــة ليـلة ليــــــلاء / السيد حافظ
- الفؤاد يكتب / فؤاد عايش
- رواية للفتيان البحث عن تيكي تيكيس الناس الصغار / طلال حسن عبد الرحمن
- هاجس الغربة والحنين للوطن في نصوص الشاعرة عبير خالد يحيى درا ... / عبير خالد يحيي
- ثلاث مسرحيات "حبيبتي أميرة السينما" / السيد حافظ
- مسرحية امرأتان / السيد حافظ
- مسرحية ليلة إختفاء الحاكم بأمر الله / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمود شقير - ظل آخر للمدينة37