أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الإستعمار وتجارب التحرّر الوطني - محمد رياض اسماعيل - القضية الكوردية من الرؤية الاستراتيجية للدول العظمى















المزيد.....



القضية الكوردية من الرؤية الاستراتيجية للدول العظمى


محمد رياض اسماعيل
باحث

(Mohammed Reyadh Ismail Sabir)


الحوار المتمدن-العدد: 7094 - 2021 / 12 / 2 - 19:27
المحور: الإستعمار وتجارب التحرّر الوطني
    


المقدمة:
نشطت ما تسمى حركات التحرر في الشرق الاوسط على مدار القرن المنصرم، بدافع جوهري يهدف اخراج غالبية دول الشرق الأوسط من حضيرة الدولة العثمانية واستعمارها من قبل الغرب، وأظهرت ملامح مساعيها بالمفاهيم الحضارية شكلاً، كالحرية والعدالة والمساواة، غُلفت بها جوهر الغاية، فاتخذت اسلوب اثاره الدوافع العرقية والطائفية، للتحرر من التبعية العثمانية وادخالها تحت ادارتها الاستعمارية المباشرة.. فظهرت في الساحة السياسية مفاهيم القومية ثم تلتها الوطنية التي تذود عن حدود القبيلة، وتسترخص من اجلها الارواح والأموال، في الوقت الذي كان اجداد هذه الدول القابعة تحت الحكم العثماني قد حاربوا تحت لواء الاسلام. اصبحت هذه الاقاليم والولايات تعرف فيما بعد بالممالك والمشيخات، ودول ذات حكومات تقوم على هياكل اداريه تعاصر متطلبات المرحلة من المنظور الغربي. لقد أصبح لزاما على المواطن ان يدافع عن وطنه الفتي وأصبح من واجب الساسة ان ينظموا العلاقة بين الشعب والمُحرٍر لحين تمكن الثاني من النهوض به للاستقلال المزعوم.
تشكلت المملكة العراقية من الولايات العثمانية الثلاث الموصل والبصرة وبغداد، والعراق تاريخيا هو ما كان يعرف ببلاد ما بين النهرين. تتميز كوردستان العراق بأراضيها الجبلية وسهولها الخصبة ووفرة مياهها، وتوجد فيها أضخم حقل نفطي في العالم مما جعل المنطقة تخضع الى حسابات سياسية خاصه.
رسمت الخارطة السياسية للولايات والاقاليم المنسلخة من الإمبراطورية العثمانية، وتقسيمها بين نفوذ الدول الغربية المستعمرة، لقد أصبح العامل الاقتصادي واستراتيجية المناطق عسكريا، من المعايير الأساسية للاستعمار الغربي للشرق الاوسط، كما لا يفوتنا ذكر تأثير القوى الخارجية الكبرى وايديولوجياتها على مسيرة وحصيلة توازن مناطق النفوذ.
كان ذلك الامر حتميا لان الحضارة الغربية كانت في مرحله نهوضها، والشرق في قاع دورتها. ان الدول التي تأسست بعد الحرب العالمية الاولى والثانية، قد حددت اطرها وفق المعايير الاستراتيجية السائدة لتسهل تقسيمها الى مناطق نفوذ استعماريه. ان الشعب الكوردي هو الشعب الوحيد الذي خرج من القرن الماضي بدون وطن قومي.. نسلط الضوء في هذا المبحث على تداعيات القضية الكوردية وفق هذا المنظور والمعايير الاستعمارية.
لمحه تاريخيه على الاكتشافات النفطية في كوردستان العراق:
لقد عرف النفط في كوردستان عموما وفي كركوك خصوصا، منذ الاف السنين وكان الغاز يحترق في بابا كركر ولم يزل. وفي التاريخ المعاصر بدأت الجولات الاستكشافية في القرن التاسع عشر، حين بدا الالمان يجوبون المنطقة ويدلون ملاحظاتهم لوالي الموصل الذي انشأ مصفى (قصير الحياه) في خانقين في العقد الاخير من القرن التاسع عشر. تم تعميق الحفر في منطقه (جاون) في القيارة لجمع النفط اللزج يوميا ثم تقطيره. وكانت مناطق النضوحات في بابا كركر وطوز خورماتو تتدفق باستمرار.
رصدت هذه الظواهر والمؤشرات من قبل الأجانب، وربطت بالجيولوجيا العامة للمنطقة، وثبتت في تقارير مورجان 1892 وستاهل 1893 والكولونيل مونسل 1897 واوبنهايم 1899.
في بداية القرن العشرين بدا الحفر في منطقه النضوحات في (جياسرخ) وتقع 30 كيلومتر شمال خانقين، ظهرت شواهد هيدروكربونيه على عمق 500 متر، ثم دفعة النفط في صيف عام 1904. البئر الثانية في (ناو دومان) على نفس العمق، انتجت نفط بمعدل 180 برميل في اليوم.
خلال الحرب العالمية الأولى، استغلت نضوحات طوزخورماتو وكركوك وحظيت نضوحات زاخو باهتمام اقل وللأغراض العسكرية. في عام 1917 شرع في حفر التحدب الصغير في منطقه نفط خانه، وقد سجلت انتاج بكميات تجاريه من كلس الكالهور على عمق 670 متر، مما حدا لتأسيس شركه نفط خانقين عام 1925.
استقدم اول بعثة جيولوجية برئاسة البروفيسور دوبوخ تجول في العراق، حيث بدأت اعمال حفر الابار في منطقه (بولخانه) ثم في (اينجانا) على جبال حمرين ثم في جمبور التابعة لناحيه داقوق. وفي عام 1927 بوشر بحفر بئر كركوك الاول وانفجر في 15/ /10 1927 وهو بداية تباشير الثروة الاقتصادية للعراق. ان وجود حقل هائل الامكانات من تحدب ضيق بطول 97 كيلومتر، من مكمن الكلس، جيد المسامية ومتشقق، اوليكوسين عمراً، والتركيب ذا ثلاث قبب (بابا كركر، افانه، وخورماله). ان الثروة الاقتصادية لهذا الحقل وامتداداته وضغوطه وسهولة الاستخراج منه، جعلت الإدارة الحقلية تنتقل من طوز الى كركوك. وتحول اسم شركه النفط التركية الى شركه نفط العراق عام 1929.
في عام 1935 افتتح الملك غازي خط انبوب التصدير الاول للنفط 12 عقدة، من كركوك الى حيفا وطرابلس على البحر المتوسط بطول الف كيلو متر. وفي اوائل عام 1930 استكشف تركيب متحدب في جمجمال، وفي 1931 في حقل (كورمور) في ناحية سنكاو، ثم في (خانوكه) و(قصب) جنوب القياره. بلغ مجموع انتاج النفط من حقول كركوك وحده من عام 1927 الى عام 1934 مليونان ومائه وعشرون ألف برميل.
توالت الاكتشافات في (مخمور، باطمه، زومار، قليعان، هنجيره، قوشقايه، قوطان، جبل بور، باي حسن، سارالو، سرباشاخ، قره جوق، شيراوه، طق طق، كوير، وجبل قند)، في خريف عام 1953 كان مجموع ما انتجته حقول كركوك 100 مليون طن.
كردستان في ميزان متغيرات السياسة العالمية:
من ملاحظه تطور الاستكشافات النفطية واستثمار الثروة النفطية من قبل الإدارة البريطانية، تتوضح توجهات السياسة البريطانية في كل مرحله تاريخيه والتي نراها فيما يأتي:
1. اكتشاف المخزون الهائل من النفط في بداية القرن المنصرم (بترخيص من الدولة العثمانية)، واستراتيجية موقع مدينة البصرة عسكرياً، وجهت السياسة البريطانية لاحتواء ولايات الموصل (بضمنها كوردستان) وبغداد والبصرة، وضمها الى مناطق نفوذهم. وكانت الإدارة الكوردية ضعيفة وتابعه لولاية الموصل وتشعر في جذورها بالمرارة لما اصاب سيف الاسلام من انكسار!
2. عندما اعلنت هدنه موندوس عام 1918، أبرق والي الموصل الى الشيخ محمود الحفيد زعيم الكورد في السليمانية، طلب منه ان يحكم السليمانية باسم الدولة العثمانية، ووضع تحت تصرفه المال والعتاد. وقد سلم الشيخ محمود الحامية الى السلطات البريطانية بدون قيد او اشتراط. رحبت بريطانيا بهذا الموقف المخلص، واوفد الحاكم البريطاني العام ويلسون (المعروف بنزعته الدينية المتطرفة) من خلال الكولونيل لجمن، واثنين من خيرة قوادها لمقابله الشيخ محمود. لم تترك المقابلة انطباعا جيدا لديهم، بسبب مصافحه الشيخ محمود الوفد بالمنديل (خشية تنجسه)، وقد قررت الحكومة البريطانية تعيينه حكمدار للسليمانية براتب 15000 روبية وعين له مستشارين انجليزيين، مدني وعسكري، اساءا بتقاريرهم للقضية الكورديه.
3. اتبع الانجليز في العراق سياسة السير روبرتس ساندمان في بلوجستان عام 1875، بان يختاروا في كل منطقه شيخا، ويدعمونه بالمال والنفوذ والسلاح عند الحاجة ويساندوه ضد معارضيه، ويخففون عنه عبأ الضرائب، لكي يكون مسؤولا عن الامن والنظام في تلك المنطقة ويؤمن مصالحهم وينفذ اوامرهم. وقد كانت الإدارة البريطانية تنظر لكوردستان من منظور معاهده بروكسل والأصولية الإسلامية المهيمنة على قياداتها الدينيه، التي كانت تعتبرها الغرب مشاركه في مذابح الارمن... اضافه الى افتقارها للكفاءات الإدارية، واسباب أخرى خارجة عن نطاق البحث. فلم تشأ ان تدخل مع الدولة العثمانية في حرب جديده بعد ترسيم الحدود معها عام 1920، في مشروع سيفر. كما لم تشأ ان تعكر صفو علاقتها مع إيران بعد ترسيم الحدود معها عام 1991، وتوقيعها البروتوكول المؤرخ في 1/11/ 1913.
4. في مؤتمر القاهرة نصت الفقرة الرابعة من محضر الجلسات، استقر الراي على قيام محاوله للتوثق من مدى رغبه الكورد في الاندماج في المملكة العراقية او الانفصال عنها.
5. يتضح لدينا بان اكتشاف المخزون الهائل من النفط في كوردستان في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، رسمت الخارطة السياسية لمنطقه النفوذ البريطاني، وحددت استراتيجياتها وفق ذلك. علما بان الكرد كانوا يفضلون الحكم التركي في حاله عدم منحهم الضمانات للحكم المحلي (مذكرات لجنه عصبه الامم لحل مشكله الموصل) .... ويعكس ذلك ضعف الرؤية السياسية وقله الخبرة الدبلوماسية للكورد في تلك المرحلة، التي كانت بسبب الحيف والقهر والاهمال الذي لحق به لفترات طويله، بعكس ما كانت تنعم بها حكام بغداد من يقظة للوعي السياسي..
6. صك الانتداب البريطاني على العراق (المادة 16) عام 1920 نصت على ما يلي (لا شيء يمنع المنتدب من تأسيس حكومة مستقله اداريا في المقاطعات الكوردية كما يلوح له)، وهذا يفسر لنا رفض المندوب السامي الاستجابة لقرار مجلس الوزراء العراقي في شباط 1920 حول اعتبار السليمانية لواءا عراقيا.
7. نصت المعاهدة العراقية البريطانية الاولى (المادة 8) عام 1922 على (عدم التنازل عن اراضي في العراق او تأجيرها الى اي دوله اجنبيه). استخدمت السياسة البريطانية الورقة الكورديه الى ان وقعت تركيا معاهده لوزان في عام 1923، وبموجبها اصبحت ولاية الموصل تابعه للعراق. وتم تناسي القضية الكورديه في هذه المعاهدة والمعاهدات اللاحقة.
8. في العام 1927 ارسلت الحكومة العراقية الفتية جيوشها بمساعدة الإنكليز واحتلت بنجوين، عندما رفض الشيخ محمود الاذعان لجواب المعتمد السامي البريطاني بخصوص المسائل المتعلقة بمطالب الكورد وحقوقهم السياسية المشروعة. سلم الشيخ محمود نفسه الى الحكومة في مايس من العام 1931 ونفي الى الجنوب.
من سياق ما ورد في علاه نرى بان استراتيجية السياسة البريطانية وضعت على اساس طبوغرافية المنطقة ومخزون الثروة النفطية الهائلة فيها، ووضعت خطتها لضمان الاستثمار المطلق والتسيد التام فيها على مرحلتين، المرحلة الاولى من نهاية القرن التاسع عشر الى عام 1923 (معاهده لوزان)، وتركزت السياسة البريطانية فيها على ترسيم الحدود مع ايران وتركيا، واستخدمت المسألة الكورديه فيه كورقه ضغط، وبعكسه فإنها تضطر الى الاعتراف في كوردستان الكبرى (حسب المعاهدات الدولية التي كانت نافذه) و تستقطع منهما ثلث مساحه كل دوله، او ان تقبل. اما المرحلة الثانية فبدأت عام 1923 وصعودا، وفيها استخدمت بريطانيا المسألة الكورديه كورقه ضغط للاحتفاظ على حق التدخل في الشؤون الداخلية للحكومة العراقية الفتيه متى شاءت، وبعكس ذلك فان لدى بريطانيا الورقة الجاهزة لإدخال العراق في حرب استنزاف طويله تضعف طرفيها (العراقي والكوردي)، وتقف هي كحمامه سلام بينهما، لتؤمن شرهما (إذا جاز التعبير)، لإدامة سلطتها ومصالحها في ظل هذا الضعف، ولا سيما انها كانت تدرك جيداً طموحات الكورد في نيل الاستقلال واستعدادها للتضحية بالنفس والنفيس. حافظت بريطانيا في موقفها في اسناد الحكومة العراقية التي تشكلت كما ارادت، بإدارة المستشارين الإنكليز في كل مفاصل الدولة المتشكلة، واستمالت الشيوخ والمنتفعين من الوجهاء الكورد بالمال لتأمين الامن والاستقرار، وتحركت قواتها الجوية لقصف الكورد الاحرار بين الفينة والأخرى، دون إيقاع الهزيمة بها والقضاء عليها، لتوازن الصراع بين الحكومة العراقية والكورد، كما انها أبقت على الحركات الكوردية لردع أطماع تركيا وإيران. كانت بريطانيا تخشى من التمرد في العراق برغم المعاهدات النافذة، في ظل عالم غير مستقر واطماع سوفيتية وامريكية في المنطقة بالإضافة الى التنافس مع الدول الغربية الكبرى، فحين يتوحد الطرفين في العراق، او يقوى أحد الطرفين بما يمكنه من القضاء على الطرف الاخر (بفعل اللاعبين الدوليين)، قد تكون سابقة للتمردعلى بريطانيا في النهاية وتهدد مصالحها في ثروة العراق. وهذا فعلا ما حصل في وثبة مايس عام 1941، عندما تحالف الزعماء الأربعة مع الالمان، وكادت ان تعرض كل مصالح بريطانيا في المنطقة الى الانهيار، وكذلك حركات بارزان التحررية، التي لو كتب لها النجاح لكانت تعرض المصالح البريطانية الى خطر، بإشعال الدول المجاورة للعراق، وادخالها في حروب اقليميه واسعه تؤدي في الحصيلة الى تعرض المصالح البريطانية للخطر والانهيار ايضا.
الكورد والعالم الثالث في المنظور السياسي العالمي:
انتقل العراق ابان الخمسينيات من القرن المنصرم الى مرحله التبعية الانجلو أمريكية، وخضعت الى سياسة مشتركه تحاول في احدى جوانبها الاستفادة من المتغيرات السياسية لتدعيم المصالح البريطانية، وفي الجانب الاخر تصبح ميدانا لسياسة الحرب المحدودة للاحتواء التي انتهجتها امريكا الى السبعينات اثناء الحرب الباردة مع الكتل الشيوعية..
في هذه الفترة كان الكورد منقسمه فيما بينها الى فصيلين، فصيل مسلح متمرد مؤمن بقضيته العادلة يسانده معظم الشعب الكوردي، وفريق منتفع تأتمر بتوجيهات الحكومة العراقية ومن ورائها الاستخبارات البريطانية، توظفها كواجهة إعلامية كلما اقتظت الحاجة.
جاء حزب البعث الى سده الحكم عام 1963 بقطار امريكي كما صرح رئيس وزراءه (احمد صالح السعدي) كاشفا الأجندة السرية للحزب الذي عاد الى الحكم مرة ثانية عام 1968..
الصفحة 20 من وثائق الإدارة الأمريكية لعام 71 عنوان (البناء من اجل السلم)، يُظهر السيد نيكسون سياسة الولايات المتحدة الأمريكية التي تتلخص في خفض القوات الأمريكية في اسيا، والبدء بمرحله دبلوماسية جديده لدعم وتقويه النظم الموالية لأمريكا، لتخفيف العبء عنها وتقديم المساعدات الاقتصادية والأسلحة حسبما تتطلب التزاماتها واحلافها الدولية والضرورة.
من الخصائص السلبية لهذه السياسة، تسببت في سقوط الكثير من التقدير للحركات التحررية في العالم الثالث، واختزالها الى مجرد فورات وانفعالات طفوليه لا مسؤوله.
وبهذه السياسة ارادت احتواء العالم ثروةً وموقعاً وسكاناً ومستقبلاً، لتكريس استعلائها على طريق استغلال ما تدعيه من مسؤوليه حضارية تمنحها الشرعية، للحيلولة دون نخر الاقزام للصرح الحضاري الراهن. امتد ذلك الى العالم الاسلامي لأنها تنتسب الى العالم الثالث، والنظر الى الاسلام من خلال العنف واللامسوؤلية الدولية والحضارية والانسان. وهو جزء من تخطيط عالمي بعيد المدى لتوظيف الورقة الدينيه بشكل مضاد للقومية، والتي بدا برجنسكي بلعبها، ومهدت اداره كارتر فيما بعد بشعار الدفاع عن الحقوق المدنية، ثم شعار ادارة ريجن مكافحه العنف والارهاب الدولي، لإتمام مرحله استخدام الورقة الدينيه بالفعل.
وقد لعبت دول العالم الثالث ادوارها الدينية والقومية بكل دقه وهذا خارج مبحثنا.. اما القضية الكورديه فإنها اصبحت ضحية الدور المناط بالنظام الحاكم في العراق ضمن هذا البرنامج.
دور الحكومة العراقية في ظل السياسة الامريكية:
ان مظاهر سياسة الاحتواء والتمييز العنصري بحق الاثنيات العرقية في العراق، ابان حكمي البعث تحت مظلة المخابرات الامريكية، وخصوصا اضطهاد الشعب الكوردي، كثيرة وصولا الى محاولات قلعها من الوجود، او ما يعرف بالمفهوم السياسي المعاصر بالتطهير العرقي، ولا يتحمل الشعب العربي العراقي الذي يرزح في نير الطغاة المأجورين وظلم وكبت الدكتاتوريات المتعاقبة، ايه مسؤوليه أخلاقية تاريخيه عن تلك الجريمة. ربما يشعر جميع مكونات الشعب العراقي بالظلم والحيف ابان ذلك الحكم، لذلك ترددت في سرد هذا الموضوع، لان الكورد تعرضوا الى الإبادة الجماعية، ولا اقلل من شأن تضحيات الاثنيات الأخرى اطلاقا، ولكن هناك فرق بين المجروح والميت. وتذكرني بالطريفة التي تصف ارتطام سيارة باثنين من المارة يجرح الاول وهو لا يكف عن الصراخ ويموت الثاني، فيما يأتي أحد المارة ويؤنب المجروح لصراخه، ويقول له (ما بالك تصرخ ولم يصبك الا جرح بسيط، وصاحبك قد مات ولا يصرخ!).
سوف احاول وضع القضية الكورديه وتاريخها جانبا لأتناول سياسة الحكومات العراقية المتعاقبة مع الكوردستانيين. ففي العهد الملكي، ابان الوصاية البريطانية على العراق، كان مجلس الامة او برلمان المملكة ممثلة بنواب من كافة الوية المملكة العراقية. وتسند الحقائب الوزارية والمناصب الحساسة على أساس الكفاءة المهنية في الغالب. اخذ الكورد واليهود والشيعة والمسيحيين والسنه والتركمان وباقي المكونات يمارسون ادوارهم في إدارة شؤون البلاد عند بداية قيام المملكة، وبدؤا يطورون مهاراتهم في فن إدارة الوزارات والمؤسسات والنهوض بها، بمساعدة المستشارين الإنكليز. تغير هذا النهج في منتصف الثلاثينات، بعد وفاة الملك فيصل الأول، واصبحت السلطة الإجرائية المتمثلة في رئيس الوزراء ووزرائه يتحكمون على القضاء والبرلمان معا، واختزلت دور الملك في شتى المجالات، كونه يسود ولا يحكم. واصبحت مجالس الامة منابر للخطباء يتغنون فيها بالملك المفدى (كرمز للمملكة) والنفاق السياسي، ويتعين النواب برضا الوزراء، اثبتت السلطات القضائية فشلها، عندما تحولت لرحمة السلطة التنفيذية بعد غياب دور الملك والبرلمان من المسرح السياسي والإداري. استمرت فصائل الشعب تعيش فراغا سياسيا طوال الفترة من منتصف الثلاثينات الى ثوره 1958.
ان ظهور سياسة تصفيه الخصوم بسبب المنافسة بل الاقتتال من اجل الوصول للسلطة، كانت اولى مظاهر العنف السياسي، زادت الهوة بين حكام بغداد المتمرسين وفصائل الشعب ومنهم بشكل خاص الكورد، التي كانت متوغلة في الفقر والمرض والجهل والتخلف، وتعسف الحكام في استخدام الحق مع الكورد، زاد هذا التعسف متأثراً بالمناخ الإقليمي العربي، وقيام دولة إسرائيل في الأراضي الفلسطينية نهاية الاربعينيات..
بعد انقلاب 1958 ظهرت للساحة السياسية تيارات واحزاب عروبية عنصريه خطيره، توالت مرتين في تسلم السلطة بمساعدة الامريكان، لم تكشف عن نواياها الحقيقية، ولكن تأثرت جميع مفاصل الدولة ومكوناتها البشرية بالسياسة القطبية، فأضرت الشعب في الصميم وراح ضحية تعسفهم الاف الابرياء من فصائل الشعب.. جاء حزب البعث مؤجره فحسب... ومهما يكن من الحال سأورد غيض من فيض انتهاكاتها العنصرية في كوردستان موضوع البحث.
اختصر اجندة البعث، الشعب العراقي على العنصر العربي وبالتحديد العربي البعثي، ولم تعر اية أهمية للقوميات الاخرى، او ان تنظر اليها كميزة ايجابية في الواقع الحضاري. فألغى ثقافاتها وتراثها وتجاهلت وجودها، وكان لورود اسمائها صورية، مثلها مثل المؤسسات الدولة الدستورية الأخرى تستخدم كواجهة للدعاية الحضارية، اما خلفياتها فقد كانت اقليميه قبلية. نشطت سياسة التعريب في كوردستان (خصوصا في كركوك)، خلال انشاء لجنه تنظيم شؤون الشمال واسندت الى صدام حسين، واعطيت له صلاحيات واسعه فوق سلطة مجلس قياده الثورة، قامت بدءاً بترحيل سكان الاهوار واسكانهم في كركوك بهدف تعريبها ...
كما قامت بتغيير اسماء القصبات والمدن واسماء الحقول النفطية، التي هي موروث تاريخي من صنع المجتمع المتواجد عليها، وقد ادى ذلك الى الخلط والالتباس عند الناس بدون مبرر، ازالت من الوجود العشرات من القرى والنواحي... ثم عملت لجنه شؤون الشمال على ترحيل الكورد القاطنين في كركوك، وبدأت بالمواطنين والموظفين، ثم منعت التحدث في الدوائر الرسمية باللغات المحلية غير العربية، ثم سحبت من الكورد والتركمان والاثوريين الحقوق الثقافية، تلك الورقة التي منحت لهم في موقف ضعف، حين كان التواجد العربي في مدينة كركوك لا يتعدى 10% من سكان المدينة، وأصبحت تلعب بهذه الورقة ضد الكورد في بداية سبعينات القرن المنصرم. وراح ضحية ذلك القرار عشرات الشباب التي انتفضت ضد القرار، وتم دهم البيوت وسرقه اموال وممتلكات الالاف، ولما لم تجد في سعيها ما يشبع غيها في عمليه التطهير، اصدرت قرارا بالترحيل القسري للكورد والتركمان من محافظه كركوك التي سميت محافظة التأميم، ومحاوله ايوائهم في وسط وجنوب العراق. أرجئ تطبيق القرار ابان حرب الخليج الأولى، وانتهز البعث هذه الفرصة لسوقهم الى اتون الحرب قسراً وفي الخطوط الامامية للمعارك. فحرق اكباد الالاف من العوائل بدافع الدفاع عن الوطن.
وتوغل حكومة البعث في سياسة التمييز العنصري بعد الحرب، فهجرت القرى والنواحي، وغيرت ديموغرافية كركوك من خلال الحاق الأقضية والنواحي التي كانت تابعه لها الى المحافظات المجاورة ومنها محافظه صلاح الدين المستحدثة من قبل النظام، بهدف تمييع نسب القوميات غير العربية في كركوك الى الحد الادنى. ثم بدأت بتخريب البنية التحتية لسكان كركوك الميسورين بمنع استثماراتها واحالة العقود للعرب حصراً، ومنع القوميات غير العربية من شراء العقارات، فيما كانت تدفع المليارات للوافدين من العرب مع قطع الأراضي لإسكانهم في كركوك. سحبت حكومة البعث إدارة الدوائر والمديريات السيادية من القوميات غير العربية وحصرتها بالعرب البعثيين، وحجبت عنهم الدراسات العليا، وإدارات الامن والشرطة والجيش، والدوائر الحساسة، وكل ما يتعلق بشؤون المواطنين. كما منعت الحكومة على المواطنين (غير العرب الوافد) تأجير المحال التجارية الحكومية، او حتى تسميه ابنائهم بأسماء غير عربيه، واخيرا اصدرت قرارا لترحيل الكورد من كركوك والغاء القومية التركمانية والاثورية.
ولعل أبشع جريمة في التاريخ المعاصر تندى لها جبين البشرية، هي جريمة البعث المخزية، تلك التي اسماها بالانفال والقصف الكيمياوي لمدينة حلبجة، راح ضحيتها 182 الف انسان من الكورد ( نساء وأطفال وشيوخ وشباب)، ومذبحه حلبجه الشاهد على التاريخ المظلم لعصابات البعث. ولعل اصدق رواية هي تلك التي روتها وما اكتنزتها افواه 6000 شهيد في ساعة واحدة من ضحايا القصف الكيمياوي الجوي والمدفعي المتواصل.
أنشأ النظام البعثي قناة ري في كركوك، بأموال الشعب كلفته المليارات، واقتصرت مساراتها على القرى والنواحي المستحدثة للعرب الوافدين والقرى والنواحي المهجرة التي سكنتها الوافدين أيضا. فيما حجبت عن القرى غير العربية!
ان الحجم الهائل لإرهاب الدولة البعثية للشعب قد افرغته من الثقافة، ومزقت كرامته، وأصبح يعيش كالقطيع ليعلف من زريبة السلطان.. ونسخت سياسة التقطيب، الشخصية الفذة للعراقيين عموما والكوردية خصوصا، تلك التي توارثوها من الاف السنين، قضيت عليها تماما، بعد الاحباط الذي أفقد الشعب الامل في نيل الحرية ابان الانتفاضة الشعبانية في عام 1991، والتي راح ضحيتها الالاف من الشهداء الابرار. كانت الورقة الدينية تخيف النظام البعثي أكثر من الورقة القومية، لكون غالبية العراق مسلمين، انتهج البعث اسلوب التوظيف السياسي للدين الاسلامي لضمان السلطة في العراق.. فأصبحت أكثر ورعا من القديسين، كما يقال، فأعلنت الحملة الإيمانية، والغت النوادي الترفيهية، ومنعت بارات تناول المشروبات الروحية، وعمرت المساجد بتبرعات المواطنين، فأمنت على كل ادعاءات التيارات الإسلامية المناهضة له في الساحة السياسية.
الاستنتاجات:
ان الكورد يشكلون شعبا متميز الملامح والخصائص، له تاريخ، وله لغة وثقافة، وله قضية عادلة هي قضية تقرير مصيره، والعيش تحت ظلال الجيرة الحسنة مع الشعب العراقي، وينعم بالتقدم والازدهار والسلام.
ان الكورد كالعرب عامة، حاولوا اقامه امارات مستقله عن الدولة العثمانية، وخاضوا المعارك وضحوا بالنفس والنفيس من اجل كيان كردي مستقل، وذلك اثناء تصفية تركة الرجل المريض، وكان (وهم على العرب في هذا السواء)، قد تلقوا وعودا من الحلفاء او من بعضهم يفهم منها انهم سينالون استقلالهم.
تاثر نضال الكورد وسعيها نحو الاستقلال في العراق، بجيولوجية ارض كوردستان الغنية بالثروات، والتي كانت تسيل لعاب الغرب ومازالت. تداولت السياسة البريطانية قضية الكورد بمرحلتين، لاستحكام وضمان مصالحها الاستراتيجية في كوردستان العراق، مرحله ما قبل معاهده لوزان وما بعدها. في هذه المرحلة، استخدمت القضية الكوردية للضغط على دول الجوار للترسيم الطبوغرافي (للغنيمة المرتقبة)، وتوجهت نحو اداره الصراع بين الكورد والحكومة العراقية لضمان ديمومة هيمنتها ومصالحها كما ورد في سياق البحث..
في المرحلة الثانية، التي جاءت بها القطار الأمريكي، تآكلت القضية الكوردية مع تقدم المرحلة، ودخلت الى دور المضاربة والنفاق السياسي، وحرمت حكومة البعث المارقة الكرد من الحقوق القومية والمدنية والاقتصادية والسياسية والثقافية والإدارية، بدءا من الغاءها قانون اللغات المحلية عام 31 الى التطهير العرقي واستنكار وجود هذا الشعب..
ان فكره التعاظم والغرور القومي وسياسة حزب البعث على مراحل التاريخ المعاصر، يخلق علامة استفهام حول هوية هذا الحزب وحقيقة انتمائها للامه العربية! والمدارس التي يستقى منها خطابها السياسي، التي راح ضحيتها الشعب الكوردي والشعب العراقي بل الامة العربية.



#محمد_رياض_اسماعيل (هاشتاغ)       Mohammed_Reyadh_Ismail_Sabir#          



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر
الموقف من الدين والاسلام السياسي، حوار مع د. صادق إطيمش حول الاوضاع السياسية والاجتماعية في العراق


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- (اعطيه الاذن الطرشة)!
- الهجرة في ظل الصحوة السياسية لعالم يتشكل من جديد..
- الضرائب في ضل تنامي ثروات الامراء!
- رحلة نفطية في تاريخ دولة الظلام
- العالم يحتظر في غفلة البشر
- الاقتصاد العالمي في ظلال التنافس الأمريكي الصيني
- الحرية ليست استجداء ولا مقايضة، للحرية ثمن
- الفكر مصدر الخوف والسعادة والحزن والموت
- جولات التراخيص وعقود الشراكة انتهاك للدستور
- انت بقية البشرية فاقرأ كتاب نفسك بإمعان..
- خاطرة تستحق التأمل عن النفس والارواح/ من سلسلة مقالاتي لمعرف ...
- رحلة حزن وعذاب بحثاً عن الحرية/ معايشة حقيقية شخصية لتداعيات ...
- رحلة حزن وعذاب بحثاً عن الحرية/ معايشة حقيقية شخصية لتداعيات ...
- رحلة حزن وعذاب بحثاً عن الحرية/ معايشة حقيقية شخصية لتداعيات ...
- رحلة حزن وعذاب بحثاً عن الحرية/ معايشة حقيقية شخصية لتداعيات ...
- رحلة حزن وعذاب بحثاً عن الحرية/ معايشة حقيقية شخصية لتداعيات ...
- رحلة حزن وعذاب بحثاً عن الحرية/ معايشة حقيقية شخصية لتداعيات ...
- رحلة حزن وعذاب بحثاً عن الحرية/ معايشة حقيقية شخصية لتداعيات ...
- رحلة حزن وعذاب بحثاً عن الحرية/ معايشة حقيقية شخصية لتداعيات ...
- رحلة حزن وعذاب بحثاً عن الحرية/ معايشة حقيقية شخصية لتداعيات ...


المزيد.....




- مسؤولة أمريكية تعلق على أداء المسيرات الإيرانية التي تستخدمه ...
- مسؤولة أمريكية تعلق على أداء المسيرات الإيرانية التي تستخدمه ...
- عسكريون يعلنون إقالة رئيس المجلس العسكري الحاكم في بوركينا ف ...
- فيديو: فلسطينيون يشيّعون جثمان شابٍ في القدس قتله الجيش الإس ...
- هل تراجعت أكبر شركة إسكان في ألمانيا عن نيتها في طرد المستأج ...
- قفزة في طلب تأشيرات الروس لألمانيا .. وفنلندا تغلق أبوابها أ ...
- انقلاب عسكري جديد في بوركينا فاسو وتعليق العمل بالدستور
- مشاركة عزاء للرفيق سهيل خوري بوفاة شقيقته
- النمسا تفرض ضريبة على الانبعاثات الكربونية
- كيسنجر: محاولات الولايات المتحدة ضم أوكرانيا إلى -الناتو- غي ...


المزيد.....

- روايات ما بعد الاستعمار وشتات جزر الكاريبي/ جزر الهند الغربي ... / أشرف إبراهيم زيدان
- روايات المهاجرين من جنوب آسيا إلي انجلترا في زمن ما بعد الاس ... / أشرف إبراهيم زيدان
- انتفاضة أفريل 1938 في تونس ضدّ الاحتلال الفرنسي / فاروق الصيّاحي
- بين التحرر من الاستعمار والتحرر من الاستبداد. بحث في المصطلح / محمد علي مقلد
- حرب التحرير في البانيا / محمد شيخو
- التدخل الأوربي بإفريقيا جنوب الصحراء / خالد الكزولي
- عن حدتو واليسار والحركة الوطنية بمصر / أحمد القصير
- الأممية الثانية و المستعمرات .هنري لوزراي ترجمة معز الراجحي / معز الراجحي
- البلشفية وقضايا الثورة الصينية / ستالين
- السودان - الاقتصاد والجغرافيا والتاريخ - / محمد عادل زكى


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الإستعمار وتجارب التحرّر الوطني - محمد رياض اسماعيل - القضية الكوردية من الرؤية الاستراتيجية للدول العظمى