أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - محمد رياض اسماعيل - رحلة حزن وعذاب بحثاً عن الحرية/ معايشة حقيقية شخصية لتداعيات الانتفاضة الشعبانية عام 1991/ الحلقة الثالثة عشر















المزيد.....

رحلة حزن وعذاب بحثاً عن الحرية/ معايشة حقيقية شخصية لتداعيات الانتفاضة الشعبانية عام 1991/ الحلقة الثالثة عشر


محمد رياض اسماعيل
باحث

(Mohammed Reyadh Ismail Sabir)


الحوار المتمدن-العدد: 7030 - 2021 / 9 / 26 - 14:40
المحور: القضية الكردية
    


لا تستحق امة ان تكون رهينة حكم الامم الاخرى، شيئاً ما مات في داخل كل منا، وكان هذا الشيء هو الامل. الروح ليست اهم من الجسد، والجسد ليس اهم من الروح، ولا يوجد شيء اهم وأعظم منك لنفسك، فيما عدا الله.
مضت الأيام والليالي واشتدت حرارة الجو، قتلنا عقرباً لدغت ابن اختي، وقد فّز بينما كان نائماً في الخيمة وأجهش بالبكاء… وأوصلناه الى المشفى في تازه آباد. ازدادت احوالنا سوءاً، وزاد إحساسي بعدم الأمان، وساءت معاملة الحرس معنا يوما بعد الاخر، ذهبت الى قرباني وطلبت منه السماح للعودة الى العراق، وسلمته هوياتنا جميعاً رغم معارضة الأهل، ونصحني ابن خالي (م) وأخوه (مح) واحد أبناء عمومة والدتي سيد (و) الجباري بالتريث، ولكن وضع الاطفال المتردي والإسهال الذي يلازمهم أقلقني كثيراً، أضف فقداننا عشرات الكيلوغرامات من اوزاننا حتى كدنا لا نعرف بعضنا الاخر! كان وزني سابقا 105كغم، وأصبحت سبعون كغم فقط، كما كانت معاملة الحراس لنا تزداد سوءاً. واعترض الضابط على عودتي بحجة وجود تحقيق أمني على العائدين، للتأكد من انهم ليسوا مندسين من رجال صدام!! وحاولوا ابتزازي لدفع الرشوة لرجال الاطلاعات، ولكنني رفضت ذلك وتركت الامر ليتحققوا من شخصيتي ليومين اخرين، راجعتهم بعد ذلك فعلمت بأنهم وافقوا على خروجنا في الْيَوْمَ التالي. جلبت الأهل من المخيم الى القرية عدا شقيقتي التي بقيت مع زوجها، ودعناهم بحزن وحرقة، ورجوت من نسيبي (ح ف) ان يحافظ عليها وعدم اثارة المشاكل غير المبررة في هكذا وضع، ووعدني خيراً. أجرت غرفة لدى (باختيار) في الطابق العلوي من داره مقابل 25 دينار (سويسري) لكل ليلة، الا انه رفض ان يأخذ مني إيجارا لأننا ضيوفه وعليه إكرامنا ،وكان صادقاً في مشاعره واميناً، وركنت السيارة قرب داره وصعدنا للغرفة التي فرشوا ارضيتها بالفرش الإيرانية، يصاحبنا في الغرفة الآلاف من الذباب الملون التي غطت السقف والجدران، احضر باختيار اللبن والخبز الحار والجبن الأبيض وجلس معنا هو و اخوه(تاجر اطارات) وعائلتهما، وكان متزوجا من امرأتين، جلسنا جميعاً نتحدث ونتفرج على برامج التلفاز الذي كان يستلم بالكاد القناة الرئيسة الإيرانية. ثم ذهبوا الى الطابق الأرضي وخلدنا نحن الى النوم على الارض بعد ان وفروا لنا الأغطية والبطانيات. وكنت اطرد الذباب التي تتجمع على افواه الاطفال باستمرار.
في الْيَوْمَ التالي وقفت مع مئات اللاجئين في طوابير من السيارات بانتظار صدور ورقة سماح بالخروج بأرقام سياراتنا. وبدأوا بتلاوة الأسماء ولَم أجد اسمي ضمنهم، واستفسرت من أحد الحراس الإيرانيين، فأجاب ببرود ان هناك قوائم سترد من الاطلاعات غداً او بعد مدة من الزمن!
فوجدت وفداً من منظمة الصحة الدولية التابع للأمم المتحدة، انتهزت الفرصة وتحدثت باللغة الانكليزية مع رئيس المجموعة وكان اشقراً وعيناه زرقاوان، وتكلمت بانفعال شديد لأنني كنت متأثراً بالممانعة على خروجي من قبل الإيرانيين، قلت اننا نُعامل كأسرى حرب وكرهائن ونتلقى من الإيرانيين اسوء معاملة، ويشهد مقبرتنا التي تحاذي المخيم ما أدعيه، ولا يسمحون لأحد الخروج للتبضع من القرية وان الطعام الذي يقدمونه فاسد، والأدوية منتهية المفعول، ولا تصلنا أية مساعدات خارجية عدا ما يسد الرمق.
فأدار الرجل الاشقر الذي كنت اظنه أوروبياً او امريكي، ادار وجهه الى أحد الإيرانيين الكورد ووبخه بشده، وقال كيف تسمحون له بمقابلة الوفد! وطلب منه ان يبلغ عني مسؤول المخيم (آغاى قورباني) الظالم، لأنني أسئت للحكومة الإيرانية، وعلمت بان هذا الاشقر هو ممثل إيران المرافق للوفد! ثم عاد يحدثني باللغة الانكليزية امام الوفد والصحافيين المرافقين لهم، قائلا " احمدوا ربكم بأنكم على قيد الحياة بفضل الجمهورية الاسلامية الإيرانية، ويفترض منك ان توجه الكلام واللوم على صدام الذي دفعكم إلينا"، وقد احمر وجنتيه، وكان مرتبكاً للغاية، فقلت له اشكركم على فقدي لخمس وثلاثين كغم من وزني، وعيشي على الحبوب والادوية اكثر من الخبز الذي كنّا نحصله منكم بالعصي، ونشكركم على الأغذية الجاهزة والأدوية المنتهية المفعول والفاسدة، التي تسممنا بها، لقد ركلنا حذاء صدام ورمى بِنَا الى رصيف بلاد الفرس، لنعتش على القمامة كالكلاب والقطط… مسكني الحرس وأخرجني من بين الوفد بعنف، وسط دهشة الصحافيين وتأثرهم الذي كان جلياً على وجوههم، ووبخني الحرس بشدة وهددوني بالتوعد على إيقاع القصاص بي!! ولكن حزني فاض عني فلم أبالي بأحد، وقلت لهم بأنني كنت صادقا فيما سردت ولَم ابالغ القط. فقال لي أحدهم كيف تنكر مساعدتنا لكم؟ أجبته نعم تساعدوننا في نيل حتفنا، فماذا يعني لك هذا الجسم الهزيل؟ وماذا يعني لكم تسمم المئات من اللاجئين؟ وماذا يعني لكم المعلبات الفاسدة؟ وماذا يعني توزيع الخبز بالهراوات؟ هل هذا اخلاق مسلم! ما معنى استغلال اللاجئين وابتزازهم وهم في هكذا حال؟ وكنت أعني بالعبارات أكثر مما يتلقاه اذانهم. كيف تشعر انسانا بانه يقترف خطئاً وانت في حالة الاسر! وجل ما كنت اخشاه في المغرب، حين ارى الشمس تسدل ستاراً داكناً على الارض، ان لا تعود للشروق ثانية ...
عدت الى قرية قلقلة في العصر واشتريت لحماً وصعدت الغرفة ثم سردت القصة على باختيار، الذي حزن وبكى هو وعائلته، ودهشت للحال! ثم أردف قائلاً " أنهم سيغدرون بك، واقترح ان اعود فجراً الى تازه آباد ومقابلة ضابط الخفر واسترحامه بعائلتكم ليسمح لكم بالخروج فوراً قبل وصول الوجبة الخافرة الجديدة التي ستتلقى امر اعتقالك". جاءت عائلة باختيار وصغاره وتَشاركنا في العشاء سوية، وكانت الصغيرات ترتدين غطاء الرأس في البيت! وتحدثنا في الليل وقال لي بان الإيرانيين كانوا يحبون صدام حسين، حيث كان الناس تصعد سطوح المنازل وتدعوا له وتهلهل كلما وجه صاروخاً نحو اسرائيل! لكلٍ حسب قابليته يوجه الى كلٍ حسب حاجته. التاريخ عجيب حين يروي بالظاهر من الاحداث.
ان الثقافة يعني تقدير القيم، وليس بالضرورة ان يكون المتعلم مثقفاً، وان اشاعة القيم الانسانية هو دور المثقف لإرساء المنظومة الأخلاقية عموما... كنا نختلط مع مختلف البشر، وبنوعيات ثقافية متفرقه، ونضطر الى ان نقيم العلاقة معهم، لطالما احببت التعامل مع الرجال ذوي المحتوى النوعي المتميز كونها تقديراً للسمعة، لذلك بقيت وحيداً في اوقات طويلة من العمر!...
تمددت لليوم الثاني في النوم أرضاً مع الأهل. وتذكرت ما قصه (ح ف) عند هدم أحد القرى الكوردية في كركوك، حيث أمسك أحد القرويين الكورد صورة صدام وكان يقبله بشغف ويضعها فوق راْسه، أستدعي من قبل ضابط الأمن مستغرباً تصرفه رغم هدمهم لداره! اجابه القروي بعد ان أخذ الأمان منه، دعه يظلم، نحن انتهينا وسوف نرحل ولكن الله باق … ما أعظم ما قاله هذا الرجل، ودعوت الله وحمدته على كل شيء. نعم من عرف الله خاف، ومن خاف الله لن يقتل ولن يسرق وأحب اخيه الانسان.... متى رأينا الناس تجوب الشوارع بدون مسدسات، نعلم حينها بأننا بهوية انسان على عموم وجه الكرة الارضية.



#محمد_رياض_اسماعيل (هاشتاغ)       Mohammed_Reyadh_Ismail_Sabir#          



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب التونسي د. هشام القروي حول تعدد الاحزاب والديمقراطية في تونس والعالم العربي بشكل عام
حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رحلة حزن وعذاب بحثاً عن الحرية/ معايشة حقيقية شخصية لتداعيات ...
- رحلة حزن وعذاب بحثاً عن الحرية/ معايشة حقيقية شخصية لتداعيات ...
- رحلة حزن وعذاب بحثاً عن الحرية/ معايشة حقيقية شخصية لتداعيات ...
- رحلة حزن وعذاب بحثاً عن الحرية/ معايشة حقيقية شخصية لتداعيات ...
- رحلة حزن وعذاب بحثاً عن الحرية/ معايشة حقيقية شخصية لتداعيات ...
- رحلة حزن وعذاب بحثاً عن الحرية/ معايشة حقيقية شخصية لتداعيات ...
- رحلة حزن وعذاب بحثاً عن الحرية/ معايشة حقيقية شخصية لتداعيات ...
- رحلة حزن وعذاب بحثاً عن الحرية/ معايشة حقيقية شخصية لتداعيات ...
- رحلة حزن وعذاب بحثاً عن الحرية/ معايشة حقيقية شخصية لتداعيات ...
- رحلة حزن وعذاب بحثا عن الحرية/ الحلقة الثالثة
- رحلة حزن وعذاب بحثاً عن الحرية/ معايشة حقيقية شخصية لتداعيات ...
- رحلة حزن وعذاب بحثاً عن الحرية// معايشة حقيقية شخصية لتداعيا ...
- ما السبيل الى التنوير
- بريد وهمس/ خاطرة واقعية تم تدوينها عام 2004/ من مذكرات موظف ...
- الاديان وخدعة الصور الفكرية للعقل في البقاء والانتفاع
- مدينة كركوك كما وعيتها/ من خواطري الشخصية
- عبارة عمي / خاطرة شخصية
- معالجة ديون العراق والاقتصاد المنهار بيد عصا البنك الدولي ال ...
- هل يمكن التغيير بهدف التعايش السلمي؟
- معالجة ديون العراق والاقتصاد المنهار بيد عصا البنك الدولي ال ...


المزيد.....




- انتهاكات قوات الاحتلال الإسرائيلي في الأرض الفلسطينيــة المح ...
- 900 أسير يرجعون وجبات الطعام تضامنا مع الأسرى المضربين عن ا ...
- مكتب إعلام الأسرى: 900 أسير بسجن عوفر يرجعون وجبات الطعام تض ...
- الانتهاكات المروعة والتعذيب الجماعي بسجن صيدنايا.. تايمز: من ...
- الأمم المتحدة تطالب السودانيين بالالتزام بتنفيذ اتفاق جوبا ل ...
- لبنان: تحرك جديد لهيئة الأسرى والمحررين ضد 12 عميلا
- الرئيس اللبناني يطلب دعم الاتحاد الأوروبي لتسهيل عودة النازح ...
- على -منظمة التعاون الإسلامي- دعم مسلمي شنيجيانغ
- إيران: قوات الأمن تطلق النار وتقتل المحتجين
- البحرين تنسحب من انتخابات مجلس حقوق الإنسان بعد انتقادات


المزيد.....

- سعید بارودو. حیاتي الحزبیة / ابو داستان
- العنصرية في النظرية والممارسة أو حملات مذابح الأنفال في كردس ... / كاظم حبيب
- *الحياة الحزبية السرية في كوردستان – سوريا * *1898- 2008 * / حواس محمود
- افيستا _ الكتاب المقدس للزرداشتيين_ / د. خليل عبدالرحمن
- عفرين نجمة في سماء كردستان - الجزء الأول / بير رستم
- كردستان مستعمرة أم مستعبدة دولية؟ / بير رستم
- الكرد وخارطة الصراعات الإقليمية / بير رستم
- الأحزاب الكردية والصراعات القبلية / بير رستم
- المسألة الكردية ومشروع الأمة الديمقراطية / بير رستم
- الكرد في المعادلات السياسية / بير رستم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - محمد رياض اسماعيل - رحلة حزن وعذاب بحثاً عن الحرية/ معايشة حقيقية شخصية لتداعيات الانتفاضة الشعبانية عام 1991/ الحلقة الثالثة عشر