أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - عبد الغني سلامه - ملحمة كلكامش















المزيد.....

ملحمة كلكامش


عبد الغني سلامه
كاتب وباحث فلسطيني

(Abdel Ghani Salameh)


الحوار المتمدن-العدد: 7020 - 2021 / 9 / 15 - 12:09
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


أقدم قصة موثقة، كُتبت بلغة شاعرية راقية، بعقل وخيال زمنها، قبلها كانت القصص تتناقل شفهياً.. وتحفظ في الذاكرة، وغالباً ما تُنسى، أو تتعرض للتشويه والتحريف.

القصة أتت على شكل قصائد ملحمية، باللغة الأكادية (الخط المسماري) على 12 لوحاً طينياً، يعود تاريخها إلى عصر سلالة أور الثالثة السومرية في القرن الثامن عشر قبل الميلاد. تحمل أقدم نسخة منها اسم «البابلي القديم»، أو «أعظم جميع الملوك»، أو «هو الذي رأى الهاوية». يُقال إن من جمعها أو ألفها، هو «شين ئيقي ئونيني»، حيث عُثر على توقيعه في نهايتها، اكتُشفت بالصدفة عام 1853، في موقع أثري عرف فيما بعد أنه أنقاض المكتبة الشخصية للملك الآشوري بانيبال من القرن السابع قبل الميلاد. ويحتفظ بالالواح الطينية التي كتبت عليها الملحمة في المتحف البريطاني.

تبدأ القصة في مدينة أوروك (أو الوركاء) في بلاد الرافدين، ذات الأسوار التي تشبه النحاس بلمعانها.

كان يحكمها ملك اسمه كلكامش، عملاق، أبوه إنسان وأمه إلهة. كان سيئ الطباع، وظالماً، ينتهك الحرمات، ويشارك الأزواج زوجاتهم في الليلة الأولى، ويصارع المواطنين في الشوارع، وكان دائماً يزعج أهل المدينة بقرعه الطبول، إلى أن ضج السكان، واشتكوا للآلهة من ظلمه.

كان حل الآلهة إرسال شخص شديد القوة، مثل كلكامش ليخلص الناس من بطشه، اسمه أنكيدو، وهو كائن بري همجي، يعيش مع الحيوانات.

ذات يوم، رأى أحد الصيادين أنكيدو وهو يخلص الغزلان من الأفخاخ، فذهب إلى كلكامش وأخبره عنه.. فقرر كلكامش أن يرسل له امرأة جميلة اسمها شمخاء، لفتنته وترويضه.

بالفعل تنجح شمخاء بإغوائه، ويتهذب سلوكه، فتخلت عنه الحيوانات، بعد أن صار إنساناً.. فقرر الذهاب إلى المراعي.. وبدأ يتعلم كيف يتحضر.

سمع أنكيدو عن مظالم كلكامش، فاتجه إلى المدينة لملاقاته.. تصارع الرجلان، وفاز كلكامش، لكن الاثنين انبهرا بقوة بعضهما وصارا صديقين حميمين.. وبذلك استمر الظلم، بل وصار مضاعفاً.

بعد وقت قصير، ملَّ أنكيدو من حياة المدينة، فطلب كلكامش منه أن يذهبا معاً إلى غابة الأرز لقتل الوحش الخطير خمبابا لإظهار قوتهما.

في الغابة راحا يقطعان الأشجار، حتى سمعا صوتاً مخيفاً.. فتجمدا من الخوف، وحينها همَّ الوحش بالهجوم عليهما، لكنّ إله الشمس تدخل على الفور وأوقفه، فخضع خمبابا لهما.. فقتلاه، وأخذا رأسه إلى المدينة، وقطعا شجرة الأرز المقدسة.

أتت عشتار وعرضت على كلكامش الزواج منها، لكنه رفض، فغضبت، وطلبت من أبيها الإله أنوخ معاقبة كلكامش.. فأرسل له ثوراً خارقاً لكن أنكيدو قتله.. فشعرت عشتار بالهزيمة.. حيث لم يكتفِ بقتل الثور المقدس، بل حمل فخذه وألقاه في وجه عشتار لإهانتها.

اجتمعت الآلهة لمعاقبة أنكيدو على قتله خمبابا والثور.. فسلطوا عليه المرض حتى مات بعد 12 يوما.. حزن كلكامش بشدة، ورفض دفن صديقه حتى تعفنت جثته.. ثم أقام له جنازة مهيبة، وحينها أدرك كلكامش أنه سيموت هو الآخر.. فقرر ترك مدينته وأمواله وانطلق في رحلة البحث عن الخلود، وسر الحياة الأبدية.. في الرحلة خاض مغامرات عجيبة ومثيرة وقاتل وحوشاً وأسوداً وعقارب ضخمة.. إلى أن وصل إلى أودنبشتم، وسأله عن سر الخلود.

كان أودنبشتم وزوجته الوحيدين الناجيين من الطوفان، فقصا عليه قصتهما.. قبل زمن بعيد قررت الآلهة محو البشر كلهم من خلال الطوفان.. فعلم أودنبشتم من خلال أحد الآلهة، الذي أخبره بالسر، وطلب منه بناء سفينة، وأن يحمل فيها حيوانات الحقل والبر وما يكفيه من مؤونة.

يأتي الطوفان، أعنف مما توقعت الآلهة.. في اليوم السابع تهدأ العاصفة، فيخرج أهل السفينة، فيغضب إله الرعد من نجاة البعض.. إلا أن بقية الآلهة كانت قد قررت منح أودنبشتم الخلود.

وأخيراً، وبعد إلحاح طويل، قال له أودنبشتم : إذا أردت الخلود عليك أن تظل صاحياً سبعة أيام.. لكن كلكامش غلبه النعاس منذ اليوم الأول، فقال له أودنبشتم: إذا لم تستطع التغلب على النوم، فكيف ستتغلب على الموت؟! حزن كلكامش، وهمَّ بالرجوع إلى مدينته.

حينها قرر أودنبشتم إخبار كلكامش عن سر الخلود، وهي نبتة سحرية في أعماق البحر، على الفور ربط كلكامش نفسه بصخرة، ونزل إلى قاع البحر، واستخرج النبتة، وكانت فرحته بها عظيمة، وقرر أن يعطي سكان مدينته منها، ويحتفظ بجزء منها إلى أن يصبح عجوزا فيأكلها.. وفي الطريق صادف بحيرة، فقرر السباحة فيها.. فأتت أفعى، والتهمت العشبة ورجعت شابة.. لكنها اختفت في أعماق الغابة.

انزعج كلكامش وتملكه الحزن.. وواصل رحلته إلى مدينته محبطاً، ولما اقترب منها لمح الأسوار اللامعة ففرح ونسي خيبته، وفكر في قرارة نفسه أن عملاً ضخماً كهذا السور هو أفضل طريقة لتخليد اسمه... وهكذا استسلم لقدر الموت. وصار يعامل شعبه باحترام، واهتم بالعمران، فأحبه الشعب وصار يحكي قصته حتى خلدها.

تؤكد القصة أن نسيان الموت، وتجاهله، أو محاولة قهره، أو أي وصفة طبية، أو عشبة سحرية لا تمنح الخلود لأحد مهما كان عظيماً، ربما تستطيع ذلك الصداقات، والعلاقات الطيبة، أو الإنجازات المهمة، أو الأعمال البطولية.. والتي من خلالها يمكن أن يعيش الإنسان في ذاكرة الناس إلى الأبد.. وهذا ما حصل مع كلكامش بالفعل، حيث نال الخلود، من خلال قصته المثيرة، التي ما زلنا نتداولها حتى الآن.

ويرى البعض أن القصة ترمز إلى الصراع بين حياة البرية الهمجية والبداوة، وحياة المدن التي بدأ السومريون بالتعود عليها تدريجياً بعد أن غادروا حياة البساطة والزراعة، وتتجسد هذه النقلة في شخصية أنكيدو، مع إبراز لدور المرأة في ترويضه وتهذيبه. أي أن المرأة صانعة الحضارة، وهي التي تهذب سلوك الرجل.

وربما ترمز إلى الارتداد عن عصر الأمومة، إلى المجتمع الذكوري، من خلال إهانة عشتار وتجاوزها.

المسألة الأخرى، أن معظم القصص التي جاءت في العهد القديم والكتب المقدسة مأخوذة من الملحمة، ومن المدونات السومرية. بما فيها قصة الطوفان الشهيرة، ويقال إن قصة الطوفان مستقلة عن الملحمة، وقد وجدت في ألواح طينية منفردة، ولاحقاً تم مزج القصتين معاً. كما هو الحال في قصة عودة أنكيدو للحياة من جديد، وما شاهده في العالم السفلي، وعالم الأموات، وهي قصة تحكي تصورات الأقدمين عن الحياة الآخرة، وفهمهم للموت آنذاك..






اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الإنسان الإلـه
- مدرسة روابي، وفتاة الفستان، وفيديو غزة
- إشكالية المنتصر والمهزوم في أفغانستان
- بداية غير موفقة للقرن الحادي والعشرين
- هجاء الشعراء، وتنافس العلماء
- خفايا مرعبة من تاريخ منسي
- عبد اللطيف عربيات، ونظرية المؤامرة
- عن اقتتال الصحابة
- الإذعان الديني
- عبقرية الفشل العربي
- مسؤولية الإنسان عن تصرفاته
- حدائق الحيوانات البشرية
- محاولات توحيد البشرية
- تاريخ الحروب المقدسة
- الغوغاء الذين قاتلتُ من أجلهم
- نوال السعداوي وداعا
- الدور الوظيفي للإخوان المسلمين
- أسوأ سنة في التاريخ
- الميثولوجيا الدينية
- أهم اختراع في التاريخ


المزيد.....




- دراسة: اللقاح المضاد لكورونا يخفف معدل الوفاة من أسباب أخرى ...
- ميقاتي: الرئيس عون طلب مني التأكد على موقف لبنان من تصريحات ...
- حديث مقتضب بين وزيري خارجية الجزائر وفرنسا في كيغالي
- انقلاب السودان: هل استيلاء الجيوش على السلطة في أفريقيا في ت ...
- حديث مقتضب بين وزيري خارجية الجزائر وفرنسا في كيغالي
- طبيب يكشف كيف نحافظ على وزننا في موسم البرد
- وسائل إعلام: إسرائيل بصدد الاعتراف بلقاح -سبوتنيك V- الروسي ...
- حديث مقتضب بين وزيري خارجية فرنسا والجزائر في كيغالي في ظل أ ...
- الجيش اليمني يعلن مقتل وإصابة عشرات الحوثيين -بينهم قيادات- ...
- شاهد.. كوري شمالي يفر من سجن صيني بطريقة مبتكرة


المزيد.....

- التدخلات الأجنبية في اليمن القديم / هيثم ناجي
- الإنكليزية بالكلمات المتقاطعة English With Crosswords / محمد عبد الكريم يوسف
- الآداب والفنون السومرية .. نظرة تاريخيّة في الأصالة والابداع / وليد المسعودي
- صفحات مضيئة من انتفاضة أربيل في 6 آذار 1991 - 1-9 النص الكام ... / دلشاد خدر
- تشكُّل العربية وحركات الإعراب / محمد علي عبد الجليل
- (ما لا تقوله كتب الاقتصاد) تحرير: د.غادة موسى، أستاذ العلوم ... / محمد عادل زكى
- حقيقة بنات النبى محمد / هشام حتاته
- كيف ومتى ظهرت العربية بصورتها الحالية / عزيزو عبد الرحمان
- الحلقة المفرغة لتداول السلطة في بلدان الوطن العربي و العالم ... / محمد عبد الشفيع عيسى
- دور الزمن في تكوين القيمة / محمد عادل زكى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - عبد الغني سلامه - ملحمة كلكامش