أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عبد الغني سلامه - عن اقتتال الصحابة















المزيد.....

عن اقتتال الصحابة


عبد الغني سلامه
كاتب وباحث فلسطيني

(Abdel Ghani Salameh)


الحوار المتمدن-العدد: 6944 - 2021 / 6 / 30 - 12:35
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


في التاريخ المبكر للإسلام، حدثت انشقاقات وتصدعات بين المسلمين الأوائل، عُرفت بِ"الفتنة". بعض المؤرخين يرون أن الفتنة بدأت بالخروج على الخليفة عثمان، ومحاصرته ثم قتله، وآخرون يقولون إنها بدأت بحروب الردة، وآخرون يقولون إنها بدأت بسقيفة بني ساعد.

لنؤجل قليلا الحديث عن أسباب الخلافات، ومتى بدأت الفتنة بالضبط.. المهم أن الخلافات تطورت إلى صراعات عنيفة.. بدأت بمعركة الجمل، ثم صفين.. وسرعان ما أخذت تظهر أسماء ومصطلحات وأحداث ومواقع لها دلالاتها في تلك الصراعات: عائشة، علي، معاوية، الخوارج، النهروان، التحكيم، الحسين، كربلاء، يزيد، موقعة الحرة، عبد الله بن الزبير، قصف الكعبة، الحجاج.. وكل عنوان منها يحتاج دراسة مستفيضة، لذا سأكتفي ببعض الملاحظات:

• كل تلك المعارك والصراعات حدثت فعلا حسب الروايات الإسلامية المعتمدة والموثقة في الكتب والمراجع الإسلامية، ولا يوجد من علماء المسلمين ومؤرخيهم من ينكرها.. ولكن توجد اختلافات في التفاصيل والشروحات بين السُنَّة والشيعة وبقية الفرق والتيارات الإسلامية، وفي فهم وتفسير وتبرير تلك الأحداث، وفي أعداد المشاركين فيها، وأعداد الضحايا..

• وهناك محاولات لتجاهل هذا التاريخ، ولطي تلك الصفحة، أو التقليل من شأنها، أو التهرب من ذكرها.. لأسباب مختلفة، منها الرغبة في التحرر من سطوة الماضي وآثاره السلبية، ولأنه يعيق الانطلاق نحو المستقبل، بل ويعيق العيش في الحاضر ويعكر صفوه. ومنها بدافع الخجل من هذا التاريخ، والرغبة بإظهار الجانب المشرق والإيجابي فقط من التاريخ.

• وهنالك رواية تاريخية موازية تختلف جذريا مع الرواية الإسلامية في جغرافية وتاريخية وشخوص وأحداث الإسلام المبكر في القرن الأول الهجري.. ولا مجال للحديث عنها هنا..

ما الفائدة من نبش الماضي؟

الحقيقة أن تلك الأحداث غيرت مجرى التاريخ، بل وتأسس فوقها تاريخ المنطقة بأسره، وما زالت حاضرة وفاعلة، ونحن ضحاياها وما زلنا ندفع أثمانها؛ وبالتالي لا جدوى من تجاهلها، بل يتوجب دراستها وفهمها.. ولكن بمنظور الحاضر، أي بقراءة تاريخية متحررة من الأيديولوجية والنزعات الطائفية، أو الانحيازات المسبقة، والتبريرات غير المنطقية..

بداية، لنتفق على وجود مشكلة في تضخيم الأرقام، فمثلا في معركة الجمل قُتل 15 ألف، وفي صفين أزيد من خمسين ألف.. ولو كان وقتها أسلحة دمار شامل لما وقع هذا العدد من القتلى!

ولكن قلة الأعداد أو كثرتها لا تنفي حدوث الاقتتال نفسه، ولا تقلل من شأن نتائجه..

وثانيا، الموضوع لا علاقة له بتشويه صورة الإسلام المبكر، أو الإساءة للصحابة.. فهذه الأحداث ذكرها كبار المؤرخين المسلمين. وتجاهُلها الآن يفتح المجال لغير المسلمين بإعادة طرحها، ولكن بمناهج ومنطلقات مختلفة، ربما تكون عدائية.

وثالثا: التبريرات الغيبية، والطيبة، والمثالية غير مقنعة؛ فهي تنطلق من رؤية غير تاريخية، وغير علمية، بحيث تصور الصحابة وكأنهم فوق البشر، ولا يخطئون، وليس لديهم نزعات آدمية، فتخفف من قسوة المشهد بعبارات تلطيفية، متناسية أنهم اقتتلوا فيما بينهم بالسيوف، وعندما يصل الأمر إلى استخدام السيوف في مواجهة مباشرة لا ينفع لوصف المشهد أية محاولات تجميلية، فتلك كانت معارك دموية عنيفة، ولم تكن ندوات فكرية..

ورابعا: القراءات الاستشراقية ليست بالضرورة معادية، وما يميزها تحررها من سطوة المقدس، ولكن ليست كلها بريئة، أو صحيحة بالضرورة، فهي وجهات نظر، وحتى لو اعتمدت الأركيولوجية ومنهج البحث العلمي، فإنها ستتباين بالتفسيرات والتحليلات..

وخامسا: الحكم على أطراف الصراع، أو على أي شخص أو هدف لا يجوز أن يُبنى على الظن والهوى والتوقعات، بل بجب أن يكون ضمن معطيات موضوعية وأدلة مادية وتحليل علمي للشخصيات وقراءة منطقية للأحداث.. والموضوع لا علاقة له بالنوايا، التي لا يعلمها إلا الله.

وسادسا، لا جدوى من تشبيه تلك الصراعات مع الحروب الدينية الأوروبية والحملات الصليبية والحروب الأهلية والاستعمار الحديث. وعقد المقارنات بينها في القسوة والبطش وأعداد الضحايا هو تفكير عبثي.. فكل الحروب مدانة، وقتل النفس مدان ومحرم، وحدوث جريمة في مكان وزمان معين لا يبرر وقوعها في مكان وزمان آخر..

وسابعا: القراءة الإسلاموية لتلك المرحلة تغلب عليها النظرة المثالية، ومحاولات تجميل الأحداث، فتصور كل فريق يدافع عن الحق، ضد الباطل الذي رآه في خصمه.. وفي الحقيقة، هذا يوقعنا في ورطة؛ فالقتال من هذا النوع مهما حاولنا تجميله، أو تغيير اسمه، يظل في جوهره نوعا من الحروب الدينية، وفي الحروب الدينية العقائدية يكون الصراع أشد، فهو صراع بين الحق والباطل، بين الخير والشر، وبين العدل والظلم، وبين الإيمان والكفر.. وكل فريق يؤمن بأنه يجسّد الحق والخير والعدل والإيمان.. والفريق الآخر يجسد الباطل، والشر، والظلم، والكفر.. وإلا لا مبرر للقتال أصلا..
القراءة المادية المتطرفة لتلك الأحداث تلغي أي جانب روحي ومعنوي، وتنفي وجود أي نوايا حسنة، وتصور الموضوع مجرد صراع وحشي، وسفك دماء، لأناس اعتادوا الغزو، وتقاتل على السلطة لأجل السلطة. وهذا منهج غير صحيح..

وأخيرا: ما جرى بين الصحابة من نزاعات واقتتال يشبه أي نزاع أو اقتتال حدث أو سيحدث في أي مكان وزمان، فالصحابة بشر، وليسو ملائكة، يصيبون ويخطئون، ولديهم نزعات آدمية ومادية، ولديهم طموحات وأهواء، يخافون ويكرهون، يحبون وينحازون، وكل فريق يحاول دعم شرعيته بالاستناد إلى النصوص المقدسة. يمارسون السياسة بكل ما فيها من مكائد ومخططات. شأنهم في ذلك شأن كل المجتمعات الإنسانية، ووفقا لطبيعة المرحلة التاريخية. وتاريخ المسلمين تاريخ بشري فيه الصواب والخطأ.. ولا وجود للمدينة الفاضلة.

وهذه الخلافات كانت تعبيرا عن صراع بين تيارين: تيار من فَهِم الإسلام كثورة اجتماعية وحركة تغيير تاريخية، والتيار التقليدي القبلي، وهذا الصراع كان يحدث أيضا داخل الفرد الواحد. وما وفر بيئة مشجعة للصراع أن المسلمين الأوائل لم يتمكنوا من بلورة نظام حكم مؤسسي، يتحدد فيه طريقة تعيين الخليفة، ومدة خلافته، وغيرها من التفاصيل، فكل خليفة راشدي عُـيِّن بطريقة مختلفة، ثم صار الحكم بالتوريث، أي بعد أن اتسعت رقعة الدولة، وتعقدت الحياة الاجتماعية والاقتصادية وصارت بحاجة لنظام حكم أكبر وأشمل وأكثر تطورا، بما يتماشى مع طبيعة تلك المرحلة (الحكم الإمبراطوري)، ونحن من أسميناها خلافة.



#عبد_الغني_سلامه (هاشتاغ)       Abdel_Ghani_Salameh#          



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر
الموقف من الدين والاسلام السياسي، حوار مع د. صادق إطيمش حول الاوضاع السياسية والاجتماعية في العراق


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الإذعان الديني
- عبقرية الفشل العربي
- مسؤولية الإنسان عن تصرفاته
- حدائق الحيوانات البشرية
- محاولات توحيد البشرية
- تاريخ الحروب المقدسة
- الغوغاء الذين قاتلتُ من أجلهم
- نوال السعداوي وداعا
- الدور الوظيفي للإخوان المسلمين
- أسوأ سنة في التاريخ
- الميثولوجيا الدينية
- أهم اختراع في التاريخ
- صعود وأفول الحضارة العربية الإسلامية
- أن تُولد قبيحا
- الدولة الإسلامية والدولة الدينية
- بين هيروشيما وبيروت
- تكنيس التاريخ من بعض القمامة
- مصر التي نحبها
- هل المعتزلة تيار عقلاني؟
- جرائم ضد الإنسانية


المزيد.....




- وفاة الداعية الإسلامي يوسف القرضاوي عن عمر ناهز 96 عاماً
- وفاة يوسف القرضاوي مؤسس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
- أول تغريدة من نجل يوسف القرضاوي بعد إعلان وفاة والده
- أول تغريدة من نجل يوسف القرضاوي بعد إعلان وفاة والده
- وفاة الداعية المصري يوسف القرضاوي المقرب من الاخوان المسلمين ...
- وفاة يوسف القرضاوي عن عمر ناهز 96 عاما
- شاهد.. قراءة في سيرة النبي محمد (ص)
- مصادر فلسطينية: قوات الاحتلال الاسرائيلي تعتدي على المصلين ف ...
- وفاة يوسف القرضاوي الرئيس السابق للاتحاد العالمي لعلماء المس ...
- وفاة يوسف القرضاوي الرئيس السابق للاتحاد العالمي لعلماء المس ...


المزيد.....

- دراسة منهجية للقرآن - الفصل الثالث - الأخطاء العلمية / كامل النجار
- دراسة منهجية للقرآن - الفصل الثاني، منطق القرآن / كامل النجار
- جدل التنوير / هيثم مناع
- كتاب ألرائيلية محاولة للتزاوج بين ألدين وألعلم / كامل علي
- علي جمعة وفتواه التكفيرية / سيد القمني
- Afin de démanteler le récit et l’héritage islamiques / جدو جبريل
- مستقبل الدولة الدينية: هل في الإسلام دولة ونظام حكم؟ / سيد القمني
- هل غير المسلم ذو خلق بالضرورة / سيد القمني
- انتكاسة المسلمين إلى الوثنية: التشخيص قبل الإصلاح / سيد القمني
- لماذا كمسلم أؤيد الحرية والعلمانية والفنون / سامح عسكر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عبد الغني سلامه - عن اقتتال الصحابة