أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - عبد الغني سلامه - حدائق الحيوانات البشرية















المزيد.....

حدائق الحيوانات البشرية


عبد الغني سلامه
كاتب وباحث فلسطيني

(Abdel Ghani Salameh)


الحوار المتمدن-العدد: 6875 - 2021 / 4 / 21 - 12:16
المحور: حقوق الانسان
    


شاهدتُ، مثل الكثير منكم، صورة على فيبسوك تُظهر عائلة أوروبية جاءت تتفرج على طفل أسود البشرة محبوسا في قفص، وفي التعليق: حديقة حيوانات بشرية في فرنسا! ظننت للوهلة الأولى أنها صورة مزيفة، ولما تأكدت أنها حقيقية، توقعتُ أنها حالة منفردة، ظهرت لفترة قصيرة، ثم اختفت.. وبالبحث تبين لي أن حدائق الحيوانات البشرية كانت ظاهرة معروفة في دول أوروبية عديدة وفي الولايات المتحدة، وأنها ظلت منتشرة لنحو قرن من الزمان، من أواسط القرن التاسع عشر وحتى بداية الحرب العالمية الثانية.

وهي الفترة التي شهدت ذروة العدوان الاستعماري على شعوب العالم، وكانت الدول الكولونيالية آنذاك بحاجة لتبرير عدوانها واحتلالها تلك البلدان، تحت حجة أن سكانها شعوب بدائية، وأنها ستجلب لهم الحضارة! مدفوعة بأيديولوجيات عنصرية تقوم على فكرة تفوق الرجل الأبيض..

وفي الوقت ذاته، أقدم العديد من علماء الأنثروبولوجيا بدعم من حكوماتهم، على إجراء بحوث ونشر كتب تروج للعنصرية، مستندين إلى تصورات مغلوطة من نظرية التطور، عرفت أفكارهم بالدارونية العنصرية، تدعي أن الرجل الأبيض يأتي على قمة سلسلة تطور الأعراق البشرية، وفي قاع السلسلة يأتي الملونين ثم الزنوج وأخيرا الأقزام!

فتوصلوا إلى فكرة جهنمية تقضي بجلب عينات من الشعوب الأخرى، والتي صنفوها كشعوب بدائية، وعرضها أمام الجمهور، وقد فتحت تلك الفكرة الشيطانية شهية رجال الأعمال، الذين سعوا لتحقيق الأرباح المادية من خلال تنظيم "حدائق حيوانات بشرية"، وتنظيم عروض سيرك لهؤلاء البشر "الغريبين"!

كان الألماني "كارل هاجينيك" أول من أقام حديقة حيوان بشرية سنة 1874، ضمت عائلات من سكان الأسكيمو والأبورجنيز (سكان أستراليا الأصليين) وهنود حمر، وأفارقة سود، وقد لاقت عروضه رواجا كبيرا، حتى أصبحت موضة في العديد من المدن الأوروبية وفي أمريكا.

وأثناء حصار باريس (1870~1871) من قبل بروسيا، وتحت وطأة الجوع، أقدم الأهالي على افتراس الحيوانات المعروضة في حديقة الحيوان قرب برج إيفل، وبدلا من تعويضها لاحقاً بحيوانات أخرى، فضّلت بلدية باريس استبدالها ببشر.

بعد ذلك انتشرت "حدائق الحيوانات البشرية" في عموم القارة الأوروبية، ثم انتقلت إلى أمريكا، وكان يوضع فيها رجال ونساء وأطفال من إفريقيا، ومن شرق آسيا، الفلبين، غينيا الجديدة، أمريكا الجنوبية، الهند، جزر المحيط الهادي.. تُجمع العائلات والأفراد في بيئات طبيعية تحاكي بيئتهم الأصلية محاطة بالقضبان الحديدية، فيها أكواخ من القش، أو كهوف حجرية، أو برك مياه تشبه المستنقعات، وسط غابات شجرية، بملابسهم التقليدية، أو دون ملابس، ويطلب منهم تقديم عروض فكاهية لتسلية الجمهور.. كما كانت تلك الحدائق (وخاصة عروض السيرك) تضم أقزاما، أو طوال القامة، أو بدناء جدا، وأشخاص ذوي إعاقة، أو ممن ولدوا بتشوهات خَلقية بهدف إمتاع الجمهور!

وأحيانا كانت يتم دمج عروض القردة والهنود الحمر أو الأفارقة في نفس القفص، في مشهد يظهر أبشع وأحط أنواع العنصرية التي كانت شائعة آنذاك.

كانت تلك الحدائق تستقبل 40 ألف زائر يوميا، وتشير تقارير متخصصة إلى أنه بين عامي 1870 و1939، زارها أكثر من مليار ونصف المليار شخص.

وتلك "الحدائق البشرية"، أو ما كان بعضهم يسميها "حدائق التكيف" لعبت دورا خطيرا في الترويج لفكرة تفوق العرق الأبيض، وتبرير العنصرية، ما سهّل على القادة السياسيين والحزبيين استقطاب الملايين من شعوبهم وكسب تأييدهم لأفكارهم العنصرية والتوسعية، وسهّل على الجنرالات والجنود ارتكاب أفظع المذابح بحق الشعوب المحتلة.

هذا كله جزء من الماضي البشع لحقبة الاستعمار، فإضافة إلى تلك الممارسات الإجرامية، سنجد في التاريخ الاستعماري المذابح الجماعية، وحملات التطهير العرقي، وتجارة العبيد، واحتلال البلدان، ونهب خيرات ومقدرات الشعوب، واستعبادهم، وقطع أطرافهم، وتجويعهم، وتمزيق بلدانهم سياسيا، والتحريض على الحروب الأهلية، وإثارة النزعات القبلية والطائفية..

صحيح أن الاستعمار المباشر انتهى (بقيت إسرائيل)، وهذا الإرث الكريه والمخزي يُثقل على كاهل الأجيال الجديدة، التي باتت تخجل منه، وتتبرأ من أولئك المجرمين، وقد ظهرت حركات اجتماعية وسياسية عديدة تدعو للاعتذار عن ذلك الماضي المشين، كما ظهرت الكثير من الأعمال الأدبية والسينمائية التي تفضح ذلك الجزء المظلم من التاريخ، وقبل أشهر قليلة خرجت حركات احتجاج شعبية غاضبة امتدت في معظم المدن الأوروبية والأمريكية تندد بالعنصرية، وقد ألقت في الزبالة تماثيل ورموز تلك الحقبة، في أعقاب مقتل الأمريكي جورج فلويد على خلفية عنصرية.

ومع ذلك، تداعيات الاستعمار ما زالت حاضرة، وممارساته تظهر بأشكال جديدة.. وهذا ليس على مستوى الدول وحسب؛ بل نراه في ممارسات شرائح اجتماعية ما زالت تنظر لنفسها بوصفها النخبة المختارة، وأنها فوق البشر..

فمثلا فجّرت جزر أندامان الهندية مفاجأة عام 2012، حين كشف النقاب عن وجود نوع من "السفاري البشرية"، حيث يدفع مئات السياح مقابلًا ماديًا للذهاب إلى القبائل المنعزلة التي تقطن الجزيرة؛ وذلك من أجل مشاهدة ما يعتبرونه "بشرا بدائيين".. وأشارت تقارير شرطية إلى أن أحد سكان قبيلة "جاراوا" فقد ذراعه نتيجة لتعامل السائحين معه بعنصرية؛ إذ القَوْا الطعام عليه من سيارة متحركة بسرعة عالية، وقد أصدرت المحكمة الهندية أمرًا قضائيًا بغلق الطريق المؤدي إلى الجزيرة، إلا أن الطريق ظل مفتوحًا أمام السياح.

وما زال الكثير منا حين يشاهد أفلاما عن القبائل المعزولة في حوض الأمازون، أو في أدغال إفريقيا، أو إندونيسيا، أو غينيا الجديدة، وغيرها من المناطق النائية، ويرى ممارساتهم وملابسهم، وتقاليدهم البدائية، فيصدق أن هؤلاء ليسوا بشرا، وأنهم في مرتبة أدنى، وأنهم متوحشون.. علما أن ما جناه هؤلاء ليس سوى تمسكهم بأنماط حياتهم التي ارتضوها لأنفسهم، واعتزازهم بتراث أسلافهم.. وربما هم الوحيدون الذين فهموا الحياة بأبسط وأجمل معانيها.. لكن الإنسان "المتحضر" لم يتركهم في حالهم، وأصر على إقلاق راحتهم.






حوار مع الكاتب و المفكر الماركسي د.جلبير الأشقر حول مكانة وافاق اليسار و الماركسية في العالم العربي
التحولات في البحرين والمنطقة ودور ومكانة اليسار والقوى التقدمية، حوار مع الكاتب البحريني د. حسن مدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- محاولات توحيد البشرية
- تاريخ الحروب المقدسة
- الغوغاء الذين قاتلتُ من أجلهم
- نوال السعداوي وداعا
- الدور الوظيفي للإخوان المسلمين
- أسوأ سنة في التاريخ
- الميثولوجيا الدينية
- أهم اختراع في التاريخ
- صعود وأفول الحضارة العربية الإسلامية
- أن تُولد قبيحا
- الدولة الإسلامية والدولة الدينية
- بين هيروشيما وبيروت
- تكنيس التاريخ من بعض القمامة
- مصر التي نحبها
- هل المعتزلة تيار عقلاني؟
- جرائم ضد الإنسانية
- سأتخلص من كل من لا يشبهني
- منشأ العنف والتطرف؟
- البشير والإخوان المسلمين
- الدولة المقدسة


المزيد.....




- الخارجية الإيرانية بمناسبة يوم القدس: لن يحل السلام الدائم ف ...
-  عمليات الطرد الجماعي  بحق اللاجئين في أوروبا
- -صحيفة تكشف عن -واحدة من أكبر عمليات الطرد الجماعي منذ عقود- ...
- تركيا: نرغب بوضع أجندة إيجابية مع اليونان حول الأقليات
- منظمات حقوقية تحث الأمم المتحدة على فرض حظر أسلحة على ميانما ...
- فلسطين: استشهاد طفل وإصابة واعتقال 13 شابا بنابلس وحي الشيخ ...
- حي الشيخ جراح بالقدس: اعتقالات وإصابات في صفوف الفلسطينيين
- الاحتلال يزعم اعتقال منفذ عملية زعترة
- الأمم المتحدة تختار مبادرة مجموعة هائل سعيد ضمن 6 تجارب عالم ...
- هاريس تزور غواتيمالا والمكسيك لبحث سبل معالجة ارتفاع أعداد ا ...


المزيد.....

- المراة في الدساتير .. ثقافات مختلفة وضعيات متنوعة لحالة انسا ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- نجل الراحل يسار يروي قصة والده الدكتور محمد سلمان حسن في صرا ... / يسار محمد سلمان حسن
- الإستعراض الدوري الشامل بين مطرقة السياسة وسندان الحقوق .. ع ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- نطاق الشامل لحقوق الانسان / أشرف المجدول
- تضمين مفاهيم حقوق الإنسان في المناهج الدراسية / نزيهة التركى
- الكمائن الرمادية / مركز اريج لحقوق الانسان
- على هامش الدورة 38 الاعتيادية لمجلس حقوق الانسان .. قراءة في ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- حق المعتقل في السلامة البدنية والحماية من التعذيب / الصديق كبوري
- الفلسفة، وحقوق الإنسان... / محمد الحنفي
- المواطنة ..زهو الحضور ووجع الغياب وجدل الحق والواجب القسم ال ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - عبد الغني سلامه - حدائق الحيوانات البشرية