أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كامل عباس - برلين تقع في الشرق أم في الغرب ؟















المزيد.....

برلين تقع في الشرق أم في الغرب ؟


كامل عباس

الحوار المتمدن-العدد: 6947 - 2021 / 7 / 3 - 23:21
المحور: الادب والفن
    


عن دار فواصل باللاذقية صدرت حديثا الرواية الثالثة - بعد روايتين هما التراب الأمريكي ومهجرو القارب- في سلسلة تطمح الدار من خلالها – على ما يبدو - تقديم فن روائي جّاد وجديد.
برلين تقع في الشرق
تأليف نيليا فيريميه
ترجمة : د . وحيد نادر
قرأت الروايتان سابقا وعلّقت عليهما أيضا, واستبشرت خيرا في نهضة أدب روائي عالمي يهتم بالانسان ومشاكله عكس الأدب الهابط الذي يسيطر على واجهات مكتباتنا وعقول شبابنا وشاباتنا , وان كان موضوع الروايتين السابقتين هو المهّجرون حاليا في العالم وموقف الدول المشين منهم , فان موضوع الرواية الثالثة لايقل عمقا انسانيا عن عمق الروايتين السابقتين وهو السقوط الدراماتيكي للمعسكر الاشتراكي التي كانت الكاتبة في قلبه .
الكاتبة من مواليد الاتحاد السوفياتي عام 1963وخريجة جامعة ليننغراد كاختصاصية لسانيات تعّرفت على زوجها اللاحق شورا في الجامعة الذي كان يدرس النقد السينمائي ومعجب باثنين هما المخرج والكاتب الألماني فيرنر هيرتسوك والفيلسوف الفرنسي البرت كامو أحبّا بعضهما حبا شديدا ربما ألهبه موقفهما المشترك من القمع المعمم على طلاب الجامعة وعلى غيرهم في المجتمع وتوق الطلاب الى الحرية , وجاءت البيروسترويكا لتلون ذلك الحلم, لكن البداية كانت عاصفة جدا داخل روسيا ضغطت على أعصاب الزوجين ليخرجا من ذلك الجحيم وليعملا من اجل حلمهما من برلين (الغريب أن تلك السنة التي وقعت فيها البيروسترويكا كانت الأجمل على الاطلاق في حياة عائلتنا الصغيرة , لكنها تفرقعت مثل كل آمالنا المفرحة التي تشاركنا فيها ونفخناها حتى طقّت مثل بالون ... لكم تصورنا نفسينا شورى وانا زوجين من المستثمرين ليس لمطعم أو كشك بيع وجبات خفيفة مثلما يفعل أغلب المهاجرين السطحيين . سوف نفتح سينما حيث يجلس ضيوفنا من مجتمع برلين الراقي وفي أيديهم مشروبهم وعلى ألسنتهم نقاش حام للفيلم الذي أنهوا مشاهدته قبل قليل . لم ينجح شورا في جمع المال كما ظنّ وظل يلهث وراءه وهو يتجه من خيبة الى أخرى , لكن قناعته أنه سينجح أخيرا في الحصول على المال عن طريق التجارة , أما الزوجة فقد حملتها خيباتهما الى محاكمة عقلية جديدة مختلفة .) ص 196
(كانت تلك الحرية التي ركضنا خلفها مثل حرية السمك في حوض صغير مغلق. أنت حر! ولكن كيف؟ كنا نحن الروس قد تعلمنا ان نسبح في حوض ماء صغير، والآن طارت السدادة التي أغلقته, انخفض مستوى الماء بلا رجعة. الآن نتدحرج في الجفاف مثل ذلك السمك النحيل, نتقافز بلا حيلة في الهواء ثم نعود بسرعة متساقطين من جديد في مخاضتنا. .... بعد التحول الذي حصل عندنا نهاية الثمانينات بدأت ظواهر التسمم النفسي تنبق بين الناس مثل الفطر بأشكال عديدة كنت انا وأولئك الذين شعروا كأنهم مصابين بالشلل. بعكس شورى الذي بدأ في أعلى أطوار فاعليته كان ما زال في المطبخ يتلمس مثل حيوان مفترس في قفص ما حوله و يتشمم الأشياء باحثا عن شيء يمكن التهامه.) ص 190
(خلعت مدينة ليننغراد جل ماكانت ترتديه حتى ذلك الوقت وغيرت اسمها وأصبح الشغل الشاغل للناس في مدينة سان بطرسورغ الجديدة المليئة بالثورة هو اللهو بعد توفير رغيف الخبز . هكذا تحولت المسارح والمراكز الثقافية وبيوت الكشافة الى أماكن رقص . لقد ارتفع منسوب الطعام في البطون والرؤوس مع تطور ثورة الشفافية"البيروسترويكا" المتسارعة هي الأخرى والتي كانت تنتهي بين فترة وأخرى بانقلاب صغير يتبعه فترة تسارع جديد ثم انقلاب جديد ) ص 173.
لقد كان تأثير حدث اعادة البناء على الشخصيتين متعاكسا فالزوج وصفته الكاتبة لنا بالقول: كانت لديه مواهب موسيقية لم يحاول مرة واحدة الاجتهاد في تطوير ملكاته ومواهبه .. وكأنه اراد الحفاظ على تلك الطاقات من اجل حياة أخرى, من اجل الآخرة ! والآخرة كانت تعني لنا يومذاك الغرب . كلنا أحّب الغرب بلاحدود اليوم لايتكلم شورى الا عن الصفقات التجارية والربح . اما باقي الكون بما فيه أنا فليس أكثر من حاشية صغيرة في أسفل قائمة اهتماماته ص 173, شيء طبيعي أن ينتهي الوضع الى الطلاق ليكون لكل منها طريقه مع الاستمرار في اللقاءات بينهما من أجل ابنتهما على قاعدة احترام كل منهما لقناعة الآخر . لتنتهي الكاتبة الى القناعة التالية : (عمر يجمع الانسان فيه حجارة تناثرت في زوايا الحياة هنا وهناك ويحملها معه. عمر يرمي فيه المرء مرساة حياته، يبني عشّا بعد ان يثبت في مهنة يتقنها ويلمع نجمه فيها. اما نحن، نحن كلينا، فقد سحرتنا أبخرة الجنة، فحمنا في الثامنة والعشرين من عمرنا متأرجحين في تلك الأبخرة الدافئة التي أعادتنا الى الثانية عشرة، الى عمر تتحكم بالمرء فيه اضغاث احلامه. ) ص 267 . اما انا فقد اعجبتني هذه اللقطة للكاتبة عن طفولتها وهي تراجع حساباتها
(كان كل شيء بحارتنا القوقازية أيام زمان يدور حول السجق وحول منتجات شركة اللحوم القريبة من بيتنا. كان عمال المسلخ يسرقون اللحم و مشتقاته ويخبئونها تحت ثيابهم التي يرتدونها، ثم يبيعون بضاعتهم المهربة في السوق السوداء. ومع ان تجارة أولئك المهربين ممنوعة طبعا فقد كانت جدتي إحدى اهم زبائنهم - كانت على علاقة ببائعة سجق اسمها ليديا، وكنا نشتري منها كامل غنيمتها المهربة. كانت ليديا صبية ذات شعر كثيف اصطّفت جدائله الذهبية على كتفيها، وعلى صدرها اجتمع نهدان مليئان وفّرا مكانا كبيرا لتهريب اللحوم حولهما وبينهما وذلك بما يتناسب مع وفرة حجمهما وضخامتهما. ) ص 92 .
شخصيا أعادتني تلك الفقرة الى سجن صيدنايا الذي تواجدت فيه داخل جناح ألف يمين وألف يسار أثناء وقوع البيروسترويكا والذي كان بمثابة قرية كل جناح فيه عشرة مهاجع وكل مهجع يحوي على الأقل عشرين موقوفا والمجموع في قريتنا حوالي أربعمائة شخص تُفتح فيها المهاجع من السابعة صباحا حتى السابعة مساء اكراما لعيون المتهاودين كما كان مدير السجن يسمي الجناح(جناح المتهاودين) فقد كان يحوي خليط من منسحبين من حزب العمل الشيوعي ومن حزب العمال الكردستاني ومن حزب البعث الديمقراطي ومن الحزب الشيوعي السوري ( المكتب السياسي )وفيه من النزلاء سجناء شروي غروي , بعضهم متشدد جدا وهو على يمين بكداش ومع النظام السوري في صراعه مع الأمبريالية وبعضهم تروتسكي ذو ميول فوضوية تهّمه الحرية كيفما جاءت الى بلادنا حتى ولو على ظهر دبابة أمريكية . كنا مشغولين بالحدث أكثر من الروس أنفسهم . ونتابعه هو وحلقات البيروسترويكا التي كانت جريدة البعث تنشرها تباعا . كانت الأصوات حادة والنقاشات جارحة تصل احيانا لى مد الأيدي بين معجب بالبيروستتويا وبين من يرى بها بدعة امبريالية , اما أنا فقد قادتني محاكمتي العقلية لفقرات مشابهة لفقرة مهربة اللحوم الى ان ماجرى وسيجري في البلدان الاشتراكية سببه الأساسي عدم نضوج المجتمع لتلك التحولات الاشتراكية وما في سياسة الحزب الشيوعي من إسقاط الرغبات على الواقع والذي قادهم الى القمع المعمم لسوق جماهيرهم بالعصا الى الجنة الاشتراكية .
ما آلمني في الرواية ما جاء على غلاف صفحتها الأخيرة كتقديم للقراء (تقص علينا فيريميه حكاياتها عن برلين التي تمارس مهنة رعاية المسنين وبذلك تسمح الكاتبة لحيواتهم بأن تتجول في حياتنا, انه عمل بانورامي ضخم اتسع لألف حكاية وحكاية )
من وجهة نظري ليست الرواية عمل بانورامي هّمه حكايات المسنين : انه عمل فني روائي اختارت الكاتبة بناؤها الدرامي من حياتها الخاصة وانا لايهمني ان كانت فعلا شخصيات حقيقية ام متخيلة بل يهمني تلك المعالجة الأدبية الفنية الرفيعة بامتياز حيث الأدب الرفيع يشكل عام بثير مواضيع اجتماعية وسياسية وانسانية تحتاج الى زمن طويل للوصول الى فهمها , انه يعالج موضوعا كبيرا مثل موضوع البيروسترويكا وموقف الغرب منها ليتضح لنا الآن في ظل المحنة التي يعيشها العالم حاليا أن الغرب كان شريكا في تهديم تلك التجربة الاشتراكية على علاتها بالنقر على وتر الحرية الناقصة في روسيا من اجل تهديم مجتمعها لا من اجل الانسان وحقوقه فيها وهو ما أوحت به الرواية على طول صفحاتها
كامل عباس – اللاذقية



#كامل_عباس (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب التونسي د. هشام القروي حول تعدد الاحزاب والديمقراطية في تونس والعالم العربي بشكل عام
حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إصلاح النظام العالمي الحالي أصبح ضرورة موضوعية مُلِّحة
- قمة بايدن – بوتين : لاجديد تحت الشمس .
- الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا الى أين ؟
- شارون بالا صحفية موهوبة أكثر منها كروائية
- كيف تحّول الحلم إلى كابوس في رواية الترب الأمريكي ؟
- قراءة ثانية في كتاب – الدولة القومية خلافا لإرادتها –
- صدمتني مذكرات نيلسون مانديلا
- هل انهزمت الثورة السورية (2)
- هل انهزمت الثورة السورية ؟
- عن الدولة والعقد الاجتماعي والهوية. رد وتعقيب
- رد وتعقيب على مقال رستم محمود – عفرين صورة عارية لسوريا وثور ...
- شعبان المهاجر
- التقرير السنوي * كلما جاءت سنة لعنت أختها
- المعارضة السورية في طور النهوض
- الشعب الأمريكي يعيد الثقة بالديمقراطية السياسية المهزوزة هذه ...
- الكرد والثورة في سوريا
- هيئة الأمم المتحدة والمستقبل
- دفاعا عن نصر الحريري
- الثورة التونسية رائدة الثورات العربية
- عطب الذات أم عطب الموضوع ؟


المزيد.....




- مخرجة فيلم صاحبتي: شارك في آخر لحظة في مهرجان فينيسيا.. ومش ...
- -فنان الصراخ- في السينما.. عندما تصبح الحناجر القوية وسيلة ل ...
- الفنان العالمي البريطاني جورج روجر ووترز: أنا على -قائمة الق ...
- -كتاب الليل والنهار- لصلاح بوسريف.. قصبة ناي تجترح موسيقى ال ...
- أمينة النقاش تكتب: إحياء دور الثقافة الجماهيرية
- بعضها يتحدثها 20 شخصا وأكثر من نصفها في بلد واحد.. تعرف على ...
- مشاركة إماراتية متميزة في معرض الرياض للكتاب
- دبي: أسماء الفائزين بجوائز -منتدى الإعلام العربي-
- هل تفوز لودميلا أوليتسكايا المعارضة للكرملين بنوبل للآداب؟
- إقبال على تعلم اللغة الروسية في مدارس سوريا


المزيد.....

- مسرحية -الجحيم- -تعليقات وحواشي / نايف سلوم
- مسرحية العالية والأمير العاشق / السيد حافظ
- " مسرحية: " يا لـه مـن عـالم مظلم متخبـط بــارد / السيد حافظ
- مسرحية كبرياء التفاهة في بلاد اللامعنى / السيد حافظ
- مسرحيــة ليـلة ليــــــلاء / السيد حافظ
- الفؤاد يكتب / فؤاد عايش
- رواية للفتيان البحث عن تيكي تيكيس الناس الصغار / طلال حسن عبد الرحمن
- هاجس الغربة والحنين للوطن في نصوص الشاعرة عبير خالد يحيى درا ... / عبير خالد يحيي
- ثلاث مسرحيات "حبيبتي أميرة السينما" / السيد حافظ
- مسرحية امرأتان / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كامل عباس - برلين تقع في الشرق أم في الغرب ؟