أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ساطع هاشم - حروب الثقافتين















المزيد.....

حروب الثقافتين


ساطع هاشم

الحوار المتمدن-العدد: 6916 - 2021 / 6 / 2 - 09:13
المحور: الادب والفن
    


العلماء والمهندسين بمختلف اختصاصاتهم من جهة، والأدباء والفنانين وبمختلف الفروع الانسانية من جهة اخرى، هما القطبان الاساسيان في تكوين وبناء حضارة الانسان المعاصر، منذ بداية الثورة الصناعية في اوروبا اواخر القرن الثامن عشر والى الان.
وينظرون إلى العالم بشكل مختلف جوهريا أحدهما عن الاخر، وغالبًا ما تؤدي هتين العقليتين المختلفتين إلى صراع فكري وجدل عقيم، أطلق عليهما العالم والمفكر البريطاني سي.پي. سنو في محاضرته الشهيرة سنة 1959 مصطلح: الثقافتين، هذا المصطلح الذي بات مشهوراً ومتداولاً على نطاق عالمي واسع منذ ذلك الحين.
فمعظم العلماء والمهندسين لا يقرأون الروايات ولا يهتمون او يتابعون الفنون، ومع ذلك، فهناك الكثير من المفكرين والفلاسفة واصحاب الرأي لا يعتبرون هذا أمرًا خطيراً (ومن ضمنهم سنو نفسه) كما هو الحال عندما يتجاهل الأدباء والفنانون او الانسانيون عامة العلوم والتكنولوجيا.
ولذلك فمن السهل جدًا ان نرى الطلاب ذوي التفكير العلمي يتجاهلون الأدب والطلاب ذوي العقلية الأدبية والفنية يتجاهلون العلم ومواكبة التقدم التقني والتكنلوجي.

والغربيون ذو الثقافة الأدبية، لا يشجعون الثورة العلمية والتكنلوجية بالعالم، ولذلك فهم غير ميالين او مشجعين لرغبة شعوب العالم الثالث لتحسين حياتهم من خلال التكنولوجيا, على الرغم من ان الجميع يعرف بان العلم والتكنولوجيا مهمان غاية الاهمية بالنسبة لمستوى معيشتنا بحيث لا يمكن تجاهلهما، فالثورة الصناعية في دول العالم الثالث هي الطريقة الوحيدة المضمونة لتحسين أحوال الفقراء وانقاذ الحياة، فهي التي غيرت الغرب ومن ثم العالم بالقرنين ونصف الماضية، فمستوى المعيشة في الغرب وفي جميع أنحاء العالم يعتمد، على عدد العلماء والمهندسين والتقنيين الذين تمتلكهم هذه الدولة او تلك، ومع ذلك، فان دول التخلف الشرقية تبذل القليل جدا من الجهد لتشجيع وتطوير هذه المجالات من التعليم (باستثناء العسكريات), وتصرف بسخاء لا حدود له على المؤسسات والمنظمات الدينية ورجال الدين وطبقتهم الفاسدة, ولهذه الغايات الشريرة تم إشاعة الشعوذة بدل العلوم في كل مجالات الحياة.

والشعوذة ممارسة قديمة جداً في تاريخ الانسان، وقد جرى تحديثها وبهرجتها بشكل واسع النطاق بالعقود الأربعة الماضية في الشرق، باستعمال العادات والتقاليد المتخلفة القديمة والسيئة والخانقة للتطور في مجتمعاتنا، منذ ان تمكن الإسلام السياسي من غزو الشارع وارهابه والانتشار بين فقرائه، وأصبحت الشعوذة بأياديهم أدوات مزدوجة المفعول لتقوية نفوذهم بين العامة والغوغاء من جهة وبين العمالة للأجنبي من جهة اخرى، وهذه الازدواجية هي ما يركز عليه المعممين والاخوانچية في خداع وتخدير العامة الذين استسلموا اليهم وعيونهم مغمضة تماماً.

ومنذ ان تنتشر بضاعة ما ويجري تسويقها بشكل جيد فأنها ستغدو جذابة وشعبية وسهلة البيع والتبادل، وبضاعة الشعوذة والكلام الخرافي المعسول سهل التسويق جداً لأنه بغير حاجة الى التفكير وبذل الجهد، فهي تخلط بين الواقع الملموس والخيال في مجتمعات فاسدة بلا وعي يراقب ولا عقل يفكر وزادوها فساداً وانحطاط.

والثقافة العالمية الحديثة سلعة تُباع وتُشترى ايضا، وتسمى الان برأس المال الثقافي كمعادل لرأس المال المالي، فربما ليس عندك من رصيد مالي لكن قد يكون لديك رصيد ثقافي او كلاهما.
وأحد اهم مصادر (رأس المال) الثقافي أو التأثير الثقافي هو نظام التعليم العالي والجامعات تحديدا، التي تمنح الشهادات والالقاب والدرجات الاكاديمية وبطاقة الدخول الى الحياة المهنية والعملية بكل نشاطاتها، وهذا هو الغرض الاجتماعي و(المالي) الرئيسي لها ومنذ توسعها وانتشارها في بداية القرن التاسع عشر والى الان.

ويكتسب الناس رأسمالهم الثقافي عادة من مؤسسات عديدة اخرى غير الجامعات واهمها بالعالم المتمدن، المتاحف والمسارح والأوركسترا، ثم الصحف والكتب والمجلات والمعارض الفنية التجارية والإعلان، وتوسعت صناعة الثقافة في القرن العشرين لتشمل الأفلام والإذاعة والتلفزيون، ومؤسسات الانترنيت وعموم الاعلام المرئي والمسموع، والأشخاص الذين يعملون في هذه الأنظمة الثقافية اليوم يتم تدريبهم دائمًا تقريبًا في الجامعات.

هذه الأنماط الثقافية قد طورت أشكالها الحديثة والنموذجية في اوروبا خلال العقود الاخيرة من القرن التاسع عشر خاصة بعد دخول الثورة الصناعية مرحلتها الثانية واستمرت الى الان فيما يسمى بعصر الحداثة وما بعد الحداثة.
لكن الملفت للنظر هو ان الحياة الثقافية الحقيقية والمجددة والطليعية في اوروبا كانت قد ازدهرت خارج الجامعات، ومعظم المفكرين والفنانين والادباء ذو الاصالة الطليعية في الابداع والمعروفين عالميا كانوا من منتقدي الجامعات وبيروقراطية الحياة الفكرية فيها بعد ان رأوا فيها وفي كادرها التدريسي مجرد اوصياء على التقاليد القديمة ومعاداة التجديد

وقد أنتجت هذه الصراعات بين الجامعات من جهة والفنانين والادباء او عموم المثقفين من الجهة الاخرى الحروب الثقافية التي نألفها في الثقافة العالمية الحديثة اليوم.

ففي المنعطف التاريخي لنهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين كانت القضية شديدة جدا, حيث شكل الأساتذة الجامعيون نخبة ثقافية مميزة، ومدعومة من الحكومات والشركات الكبرى والدول واصبحوا ارستقراطية اكاديمية ذات نفوذ واسع بالدولة تشكل تعاليمها الافكار الرسمية للحكومات، وصارت المصدر الرئيسي لتخريج الموظفين والعاملين بالإدارات الحكومية والتكنوقراط المتمرس، ودافعت عن سلطة الدولة والفلسفات والايديولوجيات الداعمة لها ولرأس المال الصناعي، وقدموا للطلاب رأس المال (الثقافي) الضروري لتقدمهم الاجتماعي بهيئة شهادات عليا ومؤهلات ثقافية ومهنية ووظائف, لكن اندماج الجامعات في النظام البيروقراطي والمهني للدولة لم يوفر مساحة كبيرة للإبداع الحقيقي في تلك الفترة, وهذا واحد من الاسباب الذي جعلها هدفا للسخرية واستياء العديد من المثقفين والفنانين المتمردين المجددين آنذاك ومن سلطتها الثقافية وجعلهم معادين للثقافة الاكاديمية عامة.

ونتيجة لهذا الاستقطاب بين الطرفين فقد تطورت حياة ثقافية بديلة غير رسمية في المدن الاوروبية التي يعيش فيها عدد كبير من الكتاب والفنانين والصحفيين على هامش الجامعات، وظهرت التجارب الثقافية والنقد الاجتماعي الجديد خارج الدوائر الأكاديمية فيما يسمى (بالثقافات البوهيمية) في مدن مثل باريس وبرلين وفيينا، وعرف المجتمع الفكري والفني البوهيمي نفسه بالوقوف ضد الحياة الاجتماعية البرجوازية والجامعات الرسمية.
حيث كان في كل هذه المدن جامعات كبرى، ولكن لم يكن من السهولة على المفكرين والفنانين المجددين اختراقها او ان يجدوا مكانًا لهم فيها, وبدل من ذلك فقد اصبحت المقاهي والمكتبات العامة والبيوت الخاصة ومقرات الجمعيات والاندية حيث يمكن للناس أن يجتمعوا والتي تمتلئ بها كل من باريس وفينا خاصة هي مراكز الثقافة الاصيلة, حيث ذهب الناس الذين عملوا في نفس المجلات أو الصحف او المراسم الفنية وغيرها إلى نفس المقاهي والمكتبات والاندية, وقد وفرت لهم هذه المدن الكبيرة ما يكفي لدعم مستقل لصناعة ثقافة بعيدة عن الجامعات والتي احتاجت إلى كتاب وفنانين مبدعين مجددين وغير تقليدين.
وكان لباريس خاصة تقاليد عريقة في جذب الغرباء والمنفيين، ودعمت كلتا المدينتين شبكات الحياة الفكرية خارج التخصصات الأكاديمية الرسمية، بهدف خلق مجتمع فكري دولي، ساعد على التقريب بين أشخاص من جنسيات وخلفيات ثقافية متنوعة، ثم ان لباريس سمعة ايجابية واسعة فيما يتعلق بالراديكالية السياسية والثقافية التي استمرت في جذب المبدعين الخارجيين على المألوف من كل العالم تقريبا.
ودعم الجمهور لكلا المدينتين صناعة الثقافة التي تضمنت المعارض الفنية وناشري الكتب والصحف والمسارح والحفلات الموسيقية، وتشبه الحياة الثقافية في فيينا الثقافة الباريسية في أن العديد من مثقفي فيينا كانوا يعملون خارج الجامعة ايضا.

ولكن النمو المطرد للجامعات بسبب الحاجات الوظيفية الاقتصادية للصناعة والزراعة والتجارة وفروع الانتاج العالمي، والدعم المالي للدول قد زاد من عدد أعضاء هيئاتها التدريسية وطلبتها وخاصة بالفترة بين الحربين العالميتين, وأدى هذا إلى تطوير الجامعات والبحث العلمي بشكل عاصف، وازداد عدد التخصصات الفكرية والعلمية تحديدا، وأصبح الأساتذة باحثين ومعلمين وعلماء كاشفين عن تأثير العلم الذي يحتاج الى المختبرات والاجهزة المعقدة والاستثمار المستمر, وتمكن هذا الدعم من تحديث نموذج الجامعة الحديثة, التي ابتكرت ونظمت المؤتمرات العلمية واللقاءات الدورية وعمقت تخصصات البحث العلمي، مع مختبرات علمية وندوات في العلوم الإنسانية عابرة للقارات والدول, فبدأ هذا النهج يجذب رواد الطليعة والابطال البوهيميين كذلك وتضمنت مناهج التدريس تخصصات جديدة كانت حتى وقت قريب من اختصاص المقاهي ودور النشر الحرة ورعاة الفن الاغنياء .
وهكذا قامت الجامعة بتوحيد الوظيفتين الرئيسيتين في النظام الاجتماعي والثقافي الحديث، العلمي التقني من جهة والانساني الفني والادبي من جهة اخرى وهذه الوظائف المزدوجة لا تزال في صلب الحياة الجامعية.
اما الوظيفة الأخرى الاخطر للجامعة في الغرب فهي حماية وشرح التقاليد الثقافية والايديولوجية الأوروبية كسلعة ثقافية ورأس مال ثقافي ونشرها عالميا والمرتبطة بالغرض التقليدي المتمثل بالمُثل الأرستقراطية والبرجوازية ورأس المال (المالي) وقد أنتج هذا النمط من التعليم الثقافي الغربي طبقة عليا متعلمة وثقافية وتم تصدير كوادرها الى كل دول المستعمرات وبكل شرورها وخيرها على السواء، ونظامنا السياسي الجائر في الشرق ليس الا احدى ثمار هذه السلع الثقافية الغربية وحروبها الثقافية المستمرة علينا بلا هوادة.



#ساطع_هاشم (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر
الموقف من الدين والاسلام السياسي، حوار مع د. صادق إطيمش حول الاوضاع السياسية والاجتماعية في العراق


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رجال في الخفاء
- رسالة الفنان
- استعمار متجدد
- الحركة والرؤية
- الابتكار والتجديد
- ذهبي الذي ضاع
- حركة الحياة
- الواقعية والشكلية والفن الحديث
- انحطاط الثقافة البصرية العربية
- الملابس والعري
- عام الفأر
- اغتراب
- مشياً بالمطر
- اللون الابيض
- احتفالا بالوداع
- دعونا نصاب بالجنون
- الثورة وكلماتها
- الفخ الديني
- استعداداً لتشرينية جديدة
- المناضلة ماري محمد


المزيد.....




- موسيقي عبقري..طفل مصاب بالتوحد يعزف أي مقطوعة يسمعها لمرة وا ...
- ممثل سينمائي ومسرحي فرنسي يحصل على الجنسية الروسية
- معرض عن شامبليون في متحف لوفر-لنس يعيد للمصريين -صوتهم-
- 200 عام على علم المصريات: كيف ساعدت اللغة القبطية شامبليون ف ...
- 200 عام على علم المصريات: قصة اكتشاف حجر رشيد ودوره في معرفة ...
- محمد جاويش: أكثر من 9 آلاف متخرج من أكبر منصة ثنائية اللغة ل ...
- الحدادة الفنية والنحت على المعادن.. فن تشكيلي صديق للبيئة يز ...
- حفل توقيع ومناقشة رواية -وجوه القمر الأربعة-
- مكتبة البوابة: تعرف على الكاتبة والشاعرة أليس ووكر
- الملكة اليزابيث الثانية: حظر دوق نورفولك الذي نظم جنازة المل ...


المزيد.....

- قميص السعادة - مسرحية للأطفال - نسخة محدثة / السيد حافظ
- الأميرة حب الرمان و خيزران - مسرحية للأطفال / السيد حافظ
- الفارة يويو والقطة نونو - مسرحية للأطفال / السيد حافظ
- قطر الندى - مسرحية للأطفال / السيد حافظ
- علي بابا. مسرحية أطفال / السيد حافظ
- سفروتة في الغابة. مسرحية أطفال / السيد حافظ
- فستق وبندق مسرحية للأطفال / السيد حافظ
- مسرحية سندريلا -للأطفال / السيد حافظ
- عنتر بن شداد - مسرحية للأطفال / السيد حافظ
- نوسة والعم عزوز - مسرحية للأطفال / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ساطع هاشم - حروب الثقافتين