أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - احمد جمعة - الخراف الضالة - رواية- القائمة الطويلة لجائزة الشيخ زايد (4)















المزيد.....


الخراف الضالة - رواية- القائمة الطويلة لجائزة الشيخ زايد (4)


احمد جمعة
روائي

(A.juma)


الحوار المتمدن-العدد: 6835 - 2021 / 3 / 9 - 14:42
المحور: الادب والفن
    


فلاش باك

1965

من شوارع رمادية اللون أسبغ عليها الأفق رائحة زكية هي مزيج من عبير أشجار الليمون وزهر المشموم المنبعث من أطراف ساحل عراد المطل على البحر يقابله ساحل المحرق الممتد الأحياء من البوخميس والبنعلي والعمال حتى مقبرة المحرق المطلة على الطريق العام، كانت الرائحة الزكية للأشجار تحوم كغيمة يسبغها الهواء على الأرجاء منذرة بنهار تنبثق منه حركة يطرزها الناس بالغضب ويلفها غبار شهر مارس من السنة التي شهدت تسريح عمال شركة النفط ما أثار الناس وأقحمهم الدغل حتى الآخر، كانت الشوارع تهتز تحت الأقدام الحافية يوم رأى بوعلي الهوى أن عليه أن ينتهي من توزيع الأوراق التي يطلقون عليها منشورات قبل المساء وهي تلك الأوراق المطبوعة بالحبر الأسود ويتم تداولها بسرية تامة عن طريق التوزيع الجانبي السري واعتاد الرجل وهو الذي لا يقرأ ولا يكتب على تأمل الأوراق والعبور بعينيه على حروفها وعباراتها وكأنه يفك رموزها قبل توزيعها، كان يعبر الطرق الضيقة بأحياء حالة أبو ماهر مروراً بأحياء المحرق الأخرى التي تقع على دربه ومنها حي البوخميس والبنعلي عبوراً لحي سمادوه وبقية الأحياء التي تستيقظ على المنشورات وهي تحمل تنديداً بالحكومة البريطانية وقوات الاحتلال وتستنكر فصل العمال من شركة النفط، لم يدر ببال الهوي مدى خطورة تداول تلك المنشورات السرية، كانت طريقته الخاصة في توزيعها تختلف عن طرق المنظمات السرية التي تنظم التوزيع، فعند استلامه للأوراق من منزل أحد رجال المنظمات يحتفظ بها حتى الفجر وقبل خروج الناس إلى الخباز أو إلى المساجد، يقطع الأحياء متخفياً ليقوم بوضعها على عتبات المنازل وبطريق المسجد أو الخباز وقبل أن تبزغ الشمس يفاجأ الناس بهذه الأوراق في كل مكان، ويحدث العكس عندما يستلم الأوراق في النهار فيقوم بالتخفي في ملابس النساء مستخدماً العباءة النسائية فيذهب خلال الوقت المتاح له قاطعاً الطرق متدثراً بملابس الشتاء أسفل العباءة رغم اعتدال مناخ شهر مارس من غير إدراك بأن هذه الملابس من شأنها ان تلفت الانتباه له ولكنه مضى دون أن يعبأ بما يجري حوله مكتفياً بنشوة الانتصار في التخلص من كمية المنشورات السرية، كان يحتفظ بها في صندوق ملابسه بالسفينة وهي المكان السري الذي يستخدمه في إخفاء الأمانات العائدة للبحارة والجيران، كان من عادته عند الإبحار يقرأ القرآن بداية من سورة الكهف ومريم ثم يختم قراءته بآية الكرسي لتحل السكينة والطمأنينة قلبه وهو يحمل كل تلك الأمانات والأسرار والكثير من خفايا النفس.
كانت أخبار الانتفاضة الشعبية تتردد على ألسنة السياسيين، يسمعها ويرددها بداخله من دون أن يفقه محتواها سوى أنه كان يخدم الناس المظلومين على حد تعبيره، كان من وقت لآخر فيما بعد وعند المناسبات المشابهة يحدث يقرب كل من يعقوب وحمد منه ويحدثهما عن الظلم من دون أن يتطرق إلى سرية مهمته في توزيع المنشورات، كان يعتبر هذه المهمة في غاية السرية حتى بعد سنوات طويلة مرت عبارة عن مهمة تصل حد التقديس ولم يخف الأمر عن خوف فقد أخفى هذا السر عن كل البحارة معه وأغلبهم عمانيون سكنوا البلاد منذ نشأتهم ولولا لهجتهم العمانية لما اختلفوا عن أهل البلد، كانت علاقته بهم أكثر حميمية حتى من علاقته مع البحرينيين، كان يتجنب الخوض في كل ما له علاقة بما يجري على الساحة، والكلمة الوحيدة التي تخرج منه حين يدور الحديث عن الانتفاضة هو عبارة "بسنا من الظلم" كانت حياته تمضي طبيعية من البحر إلى الدار ومن الدار إلى المقهى الشعبي بسوق المحرق ثم يمضي بقية الوقت على الساحل متأملاً الشفق سارحاً في السماء والنجوم التي كانت دليله في الوصول إلى المشاعر المحفزة لسبر غور الأحداث التي ستقع وكان يحذر طفليه من شقيقته يعقوب وحمد من أي حدس يجري له بشأن الحياة التي يعيشونها في كنفه،كان يدلهما على الطرق الصائبة لولوج دهاليز الحياة كما كان ينظر لها من خلال قراءته للنجوم والريح والفصول ومنها فصل الربيع الذي صادف وقوع الأحداث الدامية فيه حيث كان الجو دافئاً بالنهار وبارداً بالليل شديد الرطوبة في بعض الليالي حتى أن المنشورات التي كانت تلقى بالشوارع كانت تبدو مبللة وملتصقة بالتراب، ورغم رقة النسمات والهواء الذي يحرك الأشجار إلا أن الناس كانت لاهية بالأحداث حتى أن الورد المحمدي الذي دأب على اقتنائه لم يلتفت له هذه المرة فقد شغلته الأخبار المتتالية عن وقوع الجرحى والقتلى وتصاعد نبرة الإشاعات حول حرائق وسرقات وكلها شغلت الناس عن التفكير في سلوكهم اليومي المعتاد.
ومع نزول الطلاب إلى جانب العمال ودخول الجيش البريطاني الساحة واستخدامه للرصاص الحي زاد قلق وتوتر الأهالي وأحس بوعلي الهوى أن الأمر بحاجة لقوى روحية تشارك إلى جانبهم في هذه المواجهة، فاستنجد في البداية بالصلاة وقراءة القرآن وعندما لم يجد تبدلاً في الموقف لجأ إلى الاستنجاد بقوة جنية كان يعتقد أنها تكمن بداخله طوال المدة لكنه لم يعرف التخاطب معها أو استدراجها في تلك الانتفاضة.
كان يرى في جموع البشر الذين امتلأت بهم الشوارع قطيع مطوق بنذر الموت، وحلم ذات ليلة بقطيع من خراف ضالة مجهولة تقاد نحو بركة تمتلئ بسكاكين مسننة كبيرة تلتف حول قطيع الخراف ليقفز من نومه "أعوذ بالله من الشيطان".


****

من شرفة قصره بجزيرة أمواج صدحت الموسيقى قادمة من زاوية عبر ممر الصالة الداخلية يرافقها ضوء يتسلل من زوايا المكان ينساب مع زرقة لون موج البحر، سكون كريشة طير تحلق في الفضاء ينسكب مع مشاعر سعد بن ناصر الضجرة المحلقة مع المساء الرتيب الإيقاع كأنه ظل يسبح على سطح منزل معدم يطل على القمر وحيداً، بدا السكون من داخل الإحساس الباطني بوجود إعصار قادم لا محالة، أضفى السكون مسحة من رتابة موغلة في الارتياب توحي بطبيعة الحالة الساكنة للرجل المنعزل في بيئته التائهة عن صخب الأحداث.
انطفأت كل الأصوات المهيبة التي خلفتها الأحداث الجارية من حوله، وقذفت به عزلته في لجة رغبة مسعورة لجسد المرأة الأوكرانية الوحيدة التي رافقته منذ سنين رغم مئات النساء اللواتي مررن على بابه وتذوق طعمهن لتبقى لونا وحدها على عرش الرغبة المستعرة دائماً وبالذات حين تحاصره الوحدة والأزمات، فجسدها الطري الأبيض المستهتر يستدرجه من بين كل مشاغل الأرض.
كان سعد بن ناصر رغم السنين وتقدم العمر، يقابله على الشاطئ الآخر من الزمن وبنفس العمر مع بوعلي الهوى، البون الشاسع بينهما ترك الأول متعطشاً للحياة تزوده أمواله ونفوذه بالرغبات المتباينة، النساء، الليل، البحر والنفوذ إلى السلطة من دون أن يطمح في مناصب حكومية بقدر ما يتطلع للسيطرة والتحكم بمن حوله من وزراء ومسئولين، يحتويهم بأمواله وتسلطه الدائم عليهم بما يمتلكه من جميل سبغه عليهم منذ البداية، فقد ساعد الكثير منهم على بلوغ هذه المراكز الحساسة من خلال توسطه لهم، وفتح الباب لهم للولوج إلى عالم السلطة والنفوذ، إذ اعتبر الفتات من النفوذ الذي ألقى به لهم وشكل مدخلاً له للسيطرة عليهم وشرائهم ليكونوا أدوات فيما بعد بين يديه، كان الرجل زاهداً في السلطة المباشرة ولكنه مغرم بما وراءها حين تمكنه من تحريك الأدوات أسفل وفوق الطاولة، لقد أدرك كل من اقترب منه مدى قوته وتحكمه بالخيوط المختلفة في كل الاتجاه وقد أتاح له ذلك الإطلاع على دقائق الأمور والتحكم فيها، حتى المعارضة التي دخل على خطها ومول كثيراً من أنشطتها، ركعت لكثير من طلباته ولبت أغلب مصالحه وكانت من بينها عدم التصويت على رغبة نيابية بمنع المسكرات وإغلاق البارات وهو المشروع الذي تقدمت به عدد من الكتل البرلمانية، كما عطل عدد من المسيرات والإعتصامات والتظاهرات بمجرد الإيعاز لقادة المعارضة بتأجيل توجهاتهم التي من شانها ضرب اقتصاد البلاد، وأسهم نفوذه لدى التيارات السياسية المتطرفة على تفكيك العلاقة فيما بين بعضهم البعض وساهم في انشقاقات عديدة بتيار المعارضة حينما كان يستدرج بعض قادتهم إليه ويغريهم بملازم ضخمة من الأموال التي لم يكن بالإمكان مقاومتها، بل ذهب إلى أبعد من ذلك حينما ضيق الخناق على بعض عناصرهم المقيمين بالخارج وخاصة في لندن عبر استخدم معارفه من السياسيين الأجانب كرجال البرلمان ووزراء ورجال أعمال، لهذا كله أمتد نفوذه يكتسح المعارضة وبعض المسئولين على حدٍ سواء.
على الشرفة البحرية فيما النسمات الباردة التي تهب تداعب ما تبقى من خصلات شعر مرت ابتسامة عابرة حين جالت بخاطره إشاعة هربه بطائرته الخاصة إلى الخارج، فتذكر أم محمد التي هبت قبل ليلتين من نومها بعد سنوات من الصمت والهجر، واتصلت به فزعه تسأله أين هو؟ فأجابها مازحاً..
- في البيت الأبيض.
- بيت من؟
- بيت أبوكِ.
جاءت الأخبار فيما بعد تتحدث عن اتصالات أجراها مع البيت الأبيض وذهبت بعض الأخبار إلى أنه سافر سراً إلى لندن وواشنطن ليقنع المسئولين بتغيير خططهم عن البحرين، وتوسعت الشائعات في الشرح حينما ربطت مبادراته هذه بمن جاءه مسئولاً كبيراً أكد له أن هذه الدول تسعى لدعم مطالب المعارضة في إسقاط النظام وهي الشعارات التي رافقت الأحداث الدامية التي تجري بالتزامن مع ما جرى في تونس ومصر واليمن، تسربت أنباء عن اختفائه في كوخ بإحدى الجزر الخليجية، وهناك من أكد أنه رآه في سفينة شراعية قديمة يقطع عباب بحر الخليج ومعه صناديق سرية تم تمويهها بأغطية من القماش والشمع ولم يعرف عنه شيئاً من ذلك الحين.
عندما وصلت هذه الأخبار إلى بوعلي الهوى قهقه وقال..
- هذا شبح سَعُود الملعون.. سعد بن ناصر لا يهرب أبدأ حتى لو كان مطلوباً للإعدام.
كانت السنة هذه منذ بدايتها ملفقة بالنسبة له، فقد لفقت كل شيء من حوله، الناس الذين تغيرت نفوسهم وشحذوا الخوف والغضب معاً ولفقوا لبعضهم البعض الخرافات، لفقوا صورة بلدهم التي غرقت في الظلام والذعر، لفقوا الأسماء وعكسوها، وقد تجلى ذلك في حلول الصبية والشباب المراهقين مكان رجال الأمن في حماية أسوار المدن والقرى وكانت مدينة المحرق بأرجائها من الحد والبسيتين وقلالي وعراد تنام وتستيقظ على الحراب الخشبية المطرزة بالمسامير وقضبان الحديد بقبضة أيدي سمراء صغيرة ولكنها صلبة، كانت هذه الصورة واحدة من صور التلفيق التي انبثقت عن الأحداث ورآها حوله تتبلور كأنها شريط سينمائي يجري تصويره في البلد.
اكتفى بالجلوس في قصره وراح يستمع لمقطوعات موسيقية لأندريا بوتشيللي ويحتسي نبيذ الشاتو بلون الكرز القاتم وقد نفذت من رأسه كل الأفكار والمشاعر المتعلقة بالأحداث الجارية منتظراً وصول لونا التي يعلم أنها تأخرت كعادتها لأنها تبذل كل ما في وسعها لتبدو كما جاءته لأول مرة، مفرطة في الأناقة وبارزة كل مفاتنها وحيلها في الإثارة، يعلم بأنها تعد نفسها المرأة الخاصة عنده وأنها تحظى برضاه مهما كانت حالته النفسية ومزاجه في اللحظة التي تتواجد حوله، كان انتظاره لها متعة في حد ذاتها، فبقدر اشتهائه لها بقدر تمتعه بالانتظار، واصل متعة الـتأمل والابتسام كلما طرأت على باله خاطرة متجاهلاً كل الاتصالات التي لا تتضمن إشارة من مساعديه بوجود طارئ على درجة من الخطورة، ومنه ما يتعلق بأسرته، فقد اكتفى من السياسة ومن خوض الأحداث خلال الأيام الأخيرة مع أشخاص محتالين حتى في هذا الوقت والبلد تحترق، اكتفى منهم وآثر العزلة في قصره البحري.
سرح برهة وهو يفكر فيما لو جاءوا الآن ببوعلي الهوى وجاءت لونا بنفس الوقت، قهقه في داخله وهو يتصور الوضع وهو يجمع بينهما في ليلته هذه، لونا والهوى، راح يقلب الفكرة في عقله الساكن المسترخي فوجدها خاطرة عشوائية لكنها تستحق المغامرة، أيقظت الخاطرة السحر المختزن بأعماقه بجمعه لصديق من الطفولة بعشيقة أوكرانية، كانت ومضة خاطفة هبت كنسمة تهادت مع صوت بوتشيللي فيما كان لون البحر الأزرق الغامق يخطف منه الشعور بالرغبة في الجسد على الرغبة في ولوج السحر الذي يحمله الرجل الآخر الغائب خلف ذكريات السنين الطوال العبقة بنكهة البحر ومذاق الملح وهو يتسرب مع الماء إلى جوفه عندما يغطس، ابتسم وقد لاحت له عبر صور الماضي مسحة من فتيات بعمر الزهور يسبحن في البحر وقد ارتفعت من الأسفل ثيابهن فيما راح بضعة صبية يغطسون ويسرقون النظر إلى سيقان وأفخاذ الفتيات.
- يا للهول .. من أين جاء هذا الحلم؟ هل حدث فعلاً من قبل؟
قفز من مكانه وقد فزع على خطوات المرأة تدخل، قَبلها ثم توقف متأملاً بدهشة اختلاط الصور، قارن بينه وبين بوعلي الهوى، تدفقت ومضات الماضي وهو يتسكع و يلعب معه ومع بقية زمرة الحي، لاحت له من وراء البحر القديم ومضة ليلة اقتحام بوعلي الهوى عليه الحلم وتواجده معه في نفس المكان الذي كان فيه حينذاك، من أين جاء هذا المزيج من السحر والسنين والوجوه والأعمار التي اختلطت كلها مع بعضها البعض؟
كانت اللحظة مشوشة، وتعجب من تسلل فكرة علاقته مع بوعلي الهوى منذ بدأت الأحداث، كيف تمكن الرجل الآخر من اقتحام عالمه بهذا الشغف المجهول؟ هل التقى به من قبل؟ وكيف حفظ وجهه منذ الطفولة وهو الذي لم تتجاوز علاقته به سوى أيام؟
ترنح وكاد يسقط لولا أن مسكت به المرأة واحتضنته وراحت تقبله خلف رأسه وعند أطراف أذنيه وتهمس له بكلمات لم يسمع منها ألا ذبذبات رنين أيقظت الصداع النائم الذي بدأ يتسلل لأطراف رأسه، أبعدها برقة وأشار إليها أن تملأ كأسه.
- هل تريدني أن أتعرى؟
ابتسم وانسحب إلى الداخل تتبعه امرأته الأوكرانية، فيما بدأ البحر ينحسر مع بدء دورة المد واختفى القمر من السماء ولاح الليل بارداً يخيم على الأرجاء، هدأ سعد بن ناصر من الداخل ولاحت له الأفكار وهو يتأمل حال البلد من مكانه الساكن البارد المعزول عن بقية الساحة الملتهبة، جلست لونا حوله من دون حركة أو إثارة وهي تدرك من خبرتها معه طوال هذه السنين انه يريد التركيز والتفكير وعليها أن تكتفي بالمراقبة حتى يحين موعد تحركها أن أراد منها شيئاً يذكر.

****


وعلى الضفة الأخرى من البلد فقد دخل ليل آخر عند منحى دوار مجلس التعاون المحتل من قبل المحتجين، كانت الصورة قاتمة في الأفق ومفتوحة على مجهول يستدرج الجميع مع تصاعد روائح متباينة لأطعمة ولأجساد اكتظ بها الدوار وبرزت أصوات لأحاديث ونقاشات تعلو وتخبو فيما لا وجود للسكون، حيث طغت على النفوس أصداء الضجيج والحوارات والجدل، ورنات الهواتف وتبعثرت على الأرض الأغطية والملابس والفناجين وأكواب الشاي مع أجهزة اللوبتوب والكثير من الأوراق والمخلفات المتباينة وعلت بضعة أصوات تتناغم مع الليل والضجيج..
- نريد إصلاحاً للنظام.
- من قال لك؟ نريد إسقاطاً للنظام.
استمر الليل يخيم على المكان لكن لا وجود لصدى البحر، إلا من الأصوات الهائمة والحالمة بالتغيير، تتداخل مع الصرخات وهستيريا البعض مع بضعة أرواح هائمة برومانسية الليل والضوء في زوايا من رقعة الدوار الخضراء المكدسة بالخيام والأجساد وهبات الريح الباردة تنعش البعض وتوقظه من النعاس مع تقاطر ومضات الليل، همسات هنا وضحكات هناك وتوتر في طرف آخر، مع وجود بضعة أشخاص انزووا في ركن من المكان وراحوا يتناغمون الأحاديث الهاتفية الليلية، كانت بينهم في طرف من الرقعة فتاة بدت متخفية وسط ملاءة صوفية ألقت بها على كتفها وهي تجلس منكفئة وتتحدث بصوت هامس امتزج بالتوتر والرومانسية.
- المكان شبه هادئ وأغلبهم ذهبوا، لو جئت الآن ستكون فرصة أراك فيها وأشرح لك ما يجري.
التقطت أنفاسها وتلفتت حولها، كان هناك بضعة أشخاص يسيرون حول المكان ولم يعيروها أي انتباه فأردفت بصوت أعلى.
- ما زلت أحبك، لكن لدي اليوم قضية أريدك أن تتفهمها.
كانت تتكلم بتوتر رغم هدوء نبرة صوتها وحين لاح عليها القلق سارعت بالقول وهي تنهي المكالمة.
- أنا زهور لم أتغير، أنت من تغير.

****

وفي المحرق مع نزوح الأطفال والشباب من الشوارع والطرقات باستثناء البعض الذين ظلوا متمترسين عند مفترق الطرق الفرعية للشوارع العامة من الحد والبيستين، ساد الهدوء المحرق وخيمت على الدنيا وحشة رتيبة ولولا بعض النجوم في السماء لأوحى ذلك ليعقوب بنهاية العالم، لو كان خاله الهوى معه في هذه اللحظة لاستعاض عن إحساسه هذا بالقول أنها قيام الساعة، فقد حفظ كلمات وعبارات الخال التي يسبغها عادة على المواقف المشابهة لهذه الليلة وما أشد هذا الموقف علاقة بالإحساس الذي ينتابه الآن.
أما سعد بن ناصر ذاته، الذي كان يحتفل بتخلصه من شعوره المبهم الذي طغى عليه خلال الأيام الماضية وغلفه بطبقة ضبابية ظل معها متأرجحاً في مواقفه من الأحداث، فقد وجد وهو بحالة التأمل التي دخلها في الأيام الأخيرة ثغرة من ضوء انخرط معه في مداهمة ذاته بإحساس من وصل إلى الحرية التي كان ينشدها للتخلص من الشكوك التي تلاعبت به منذ البداية وكانت سبباً في التشويش الذي اكتنف موقفه من الاضطرابات، فقد أتضح له أن ما يجري ليس بثورة ولا انتفاضة انه شيء آخر لا يريد التورط فيه، ولعل جسد المرأة المسجي بجانبه هذه اللحظة قد انتزعه من بقايا الشك في أن الحياة هي ما يعيشها الآن هكذا بوجود امرأة وأموال وخمر ونفوذ، هي أفضل من تغيير غامض ينزلق فيه إلى مجهول يأخذه بعيداً عن حافة البحر ولون الشمس عند الفجر، توصل إلى هذه النقطة الشديدة الوضوح ولكنه رغم ذلك ما زال في حيرة من ماضيه الذي يربطه بطيف رجل مثل بوعلي الهوى الذي لا يدري من أين اقتحم عليه عالمه وما إذ كان صديقاً له منذ الطفولة أم أنه مجرد تخمين، فقد اختلطت أفكاره بمشاعره وأصبح يرى بوضوح الأشياء ولكن بغير مرآة، حتى أنه عقد العزم في لحظة على جلب الرجل الآخر والتأكد منه على الطبيعة، هذا الخلط هو ما سبب الشكوك قبل أن يعزو الأمر إلى حكم السن الذي تقدم به سريعاً وبرز بضراوة خلال الأسابيع الأخيرة للأحداث التي اجتاحت فيها البلاد الفوضى والتي كان يرى فيها عند البداية أنها ثورة.
قفزت المرأة من أمامه فجأة عارية وسط عتمة الضوء الشاحب، فشعر بالبرد يسري في جسده النحيف والذي كانت تغطيه بجسدها، تركته وراحت تعد لها كأساً فيما راح يتأملها واقفة ممشوقة الجسد كما هي في أول يوم رآها فيها، وأسبغ نور المكان الضعيف ظلاً على جزء من جانبها فبدت له كنزاً بشرياً يستحق سحق الفوضى الجارية الآن في البلاد من أجل الاحتفاظ بهذا الكنز، ابتسم لدى مرور هذه الخاطرة بباله وتخيل لو حرم من هذا الكنز، وسخر من أفكار مشاعره التي عكستها طريقة تفكيره قبل وعند بداية الأحداث حينما شعر بأنه يقف مع التغيير ويدعم الانتفاضة بل وكان من الممولين لأطراف في المعارضة كان ينظر إليها على أنها قوى التغيير القادم، لقد اتسعت رقعة الأحداث وتصاعدت المشاعر مشحونة بالذعر والخوف والقلق حينما لمس انزلاق البلد كلها في دوامة صراع على الوجود، أدرك وهو ينظر إلى جسد المرأة حوله وهي بجانبه وكأس النبيذ في يده ومن حوله الكون مفتوح على البحر ويطل على العالم من منظور حياة لا حدود لها في الترف والبذخ، ما ذنبه ليخسر هذا السحر والجمال في الدنيا لأجل بضعة صعاليك لم يتعلموا ولم تكتب لهم النجاة في سفينة الحياة، لم يستغرب كيف انحرفت أفكاره بهذه الدرجة؟ كان قبل أسابيع من أنصار التغيير وإعادة التوازن وكان يدعو إلى عدالة توزيع الثروة وحتمية اللحاق بربيع الثورات العربية .. ماذا جرى؟
ظلت هذه الهواجس تتبلور وتتناغم مع الجو الذي شعر به هذا المساء بالذات ولعل سحر بوعلي الهوى قد قلب موازين تفكيره وتسبب في هذا التغيير ولكنه أدرك مع الأخبار التي جاءت في الفترة الأخيرة أن تحت الأرض ثمة بركان يغلي.
- لماذا تتأملني ولا تلمسني؟
كان في الحقيقة يتأمل صمت الجسد وسكونه الأشبه بشجرة تمتلئ بالثمر ولكنها لا تسيل بالشهوة لانعدام الرغبة في هذه الساعة، فقد انشغل فكره وتكلست مشاعره عند حدود الأبنية والطرقات المحشورة بالناس ينتابهم الضياع، والحدائق والميادين والمنتزهات والمدارس والشركات التي فرغت من البشر وعمها السكون حتى بدت له الحياة معطلة في ذات اللحظة التي يسيل من أمامه الجسد الندي يستدعيه لغفلة من زمن ينسى خلاله جسده الأصم وهو يقاوم كل الفوضى الدائرة على الساحة.
في الخارج كانت السماء تركن لغيوم لا تنبئ بأمطار، ونسمات من هواء بارد رتيب تهب على المكان من دون أن تثير مشاعر تنم عن تفاؤل، كان الجو مشوباً بالكسل فيما كانت الدقائق والساعات تمر تحفها رعونة الشوارع المزدحمة بالبشر يسيرون شبه معصوبي الأعين ويكاد الناس يصطدمون ببعضهم البعض، بعضهم يبطئ الخطوات وبعضهم يعبرون الطرق وهم يهرولون من غير أن يكون لديهم داعٍ لذلك سوى المجهول الذي يحتويهم في هذه الساعات المتوترة.
خيم الهدوء على قصر سعد بن ناصر إلا من بضعة رنات للهاتف الجوال وصوت الموج في الخارج يكسر رتابة الصمت المطبق على المكان.
الوتر الذي امتد بين قصر جزر أمواج وبين ساحل البيستين دق مؤذناً بتحرك داخل المشاعر الغاضبة ينبئ عن فقدان الصبر الذي بلغ مداه في هذه الليلة التي بلغت فيها الأحداث ذروتها بانتشار أخبار القتل والموت ودهس البشر بالسيارات، ثم صاعد من هذا الشعور دخول أخبار اختفاء واختطاف الأشخاص فغرست هذا الأنباء الذعر من جانب ومن جانب آخر أشاعت الاستياء في كلا الجانبين مما أوجد خشية من وقوع مصادمات بين الشارعين المحتقنين الذين رضخا للشائعات أكثر من الحقائق، وكانت أجهزة البلاك بيري تبث على مدى ساعات الليل الأخبار البغيضة التي تسري في المشاعر كالنار في الهشيم ولولا الخشية والخوف الذي أعترى بعض الأفراد ممن يتقدمون صفوف كلا الشارعين لحدثت المصادمات المحتملة التي أوشكت على الوقوع ، إلا أن الأحداث السريعة المتتالية قد أوجدت واقعاً جديداً بعد خروج الآلاف من أهالي المحرق والرفاع وبعض المدن فيما أطلق عليه بالفاتح بموازاة ما أطلق عليه بالدوار.
ترافقت هذه الأخبار حول مسيرة عارمة من مدينة المحرق مع خبر اختفاء بوعلي الهوى ومضي أيام على تواريه من الحي، وقد روع هذا الاختفاء سكان الحي والجيران وسكب على المنطقة الممتدة من البيستين إلى قلالي والحد مزيداً من الغضب رغم عدم معرفة أسباب هذا الاختفاء، فقد كان كل ما يجري مشكوكاً فيه حتى لو مات قطاً أو كلباً في الشارع فهو مدبر ومن شانه صب الزيت على النار، كانت الأمور كلها في هذه المرحلة من الاحتدام من شأنها أن تشعل النفوس وتشحنها بطاقات مضاعفة بالغضب والتوتر، كان تدفق الأخبار والشائعات بسرعة هائلة عبر أجهزة الجوال والبلاك بيري عبر مواقع التواصل الاجتماعي كالتويتر والفيسبوك وعبر تداول هذه الأخبار في المقاهي والمجالس حتى أن خبر تواري بوعلي الهوى انتشر في مناطق كالرفاع والزلاق من خلال هذه المواقع.
أوشك صبر يعقوب أن ينفذ واستولى عليه الغضب برغم من مؤازرة الأهالي له بضرورة الصبر مع تكثيف البحث والسؤال، كان حمد الذي تولاه القلق على خاله بدا من جهة غارقاً في هموم أخرى وكان يكتفي بإطلاق زفرات حادة واستنشاق الهواء البارد المشبع بالبخار والغازات الغامضة المنبعثة من أطراف المدينة وعند السواحل وهو يجول الأمكنة مع شقيقه يعقوب بحثاً عن الرجل، كان الاثنان على وشك الاختناق، ولعل ذلك نتيجة الانحباس الحراري بسبب البحر ومصانع الاسمنت والرمل المحاذية للمدينة، أو نتيجة التسرب الغازي من المناطق الملاصقة للموانئ التي تنفذ خلالها السفن الكبيرة الراسية هناك غازاتها من ثاني أكسيد الكربون أو بسبب تيارات الهواء القادمة عبر الحدود من العراق والكويت، كانت الأجواء مشبعة بكل أنواع الإثارة والتوتر والاختناقات تضاف إليها حالة الغليان في الشوارع التي لا تكاد تخلو من الناس سواء بالنهار أو بساعات الليل الأخيرة.






الرأسمالية والصراع الطبقي، وافاق الماركسية في العالم العربي حوار مع المفكر الماركسي د.هشام غصيب
حوار مع الكاتب و المفكر الماركسي د.جلبير الأشقر حول مكانة وافاق اليسار و الماركسية في العالم العربي


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الديمقراطية الدكتاتورية!!
- الغوغاء قادمون!
- الخراف الضالة - رواية- القائمة الطويلة لجائزة الشيخ زايد (3)
- ... هل الكاظمي فخ العراق؟!
- هل تختفي الدول العربية قريبًا؟!!
- عاصفة الديمقراطيين قادمة...استعدوا...
- الخراف الضالة - رواية- القائمة الطويلة لجائزة الشيخ زايد (2)
- الخراف الضالة - رواية- القائمة الطويلة لجائزة الشيخ زايد (1)
- رصاصة وشمعة وسمك سلمون!!
- الانهيار الأعظم...القادم!
- تحت حذاء ماما أمريكا ...!!
- شتاء المحرق 1940
- الطعام قبل الإيمان...
- فاشية أم فاشينيستا...?!
- مفاجأة: عودة تجارة الرقيق بحرب البنفسج (الخليج)
- شجرة عارية عانقت المعري.... من رواية -القرنفل التبريزي-
- # أخطر من وزارة للإعلام!
- كورونا تدعم الثقافة من غير قصد!!!
- أرثيك إسحاق النبل والأصالة...
- حينما تقود الحملان الأسود!!


المزيد.....




- في خطوة نادرة ولـ-أهمية الحدث-.. عرض إحدى حلقات مسلسل -الاخت ...
- نبيلة معن فنانة مغربية تسعى للتجديد والحفاظ على تراث بلادها ...
- كاريكاتير -القدس- لليوم الجمعة
- وفاة الكاتب المصري أسامة قرمان في إيطاليا
- خمس نصائح لمساعدة الذات عمرها 400 سنة لا تزال صالحة حتى الآن ...
- ابنة الفنان سعيد صالح ترفض تلوين -مدرسة المشاغبين- (فيديو)
- كواليس وخلفيات توتر مغربي ألماني
- مصر.. إسلام خليل يكشف سبب خلافه مع سعد الصغير
- مصر.. مصدر طبي يكشف تطورات الحالة الصحية لسمير غانم
- مجلس الحكومة يصادق على مشروع قانون يتعلق بالتمويلات الصغيرة ...


المزيد.....

- مجموعة نصوص خريف يذرف أوراق التوت / جاكلين سلام
- القصة المايكرو / محمد نجيب السعد
- رجل من الشمال وقصص أخرى / مراد سليمان علو
- مدونة الصمت / أحمد الشطري
- رواية القاهرة تولوز / محمد الفقي
- كما رواه شاهد عيان: الباب السابع / دلور ميقري
- الأعمال الشعرية / محمد رشو
- ديوان شعر 22 ( صلاة العاشق ) / منصور الريكان
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- في رثاء عامودا / عبداللطيف الحسيني


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - احمد جمعة - الخراف الضالة - رواية- القائمة الطويلة لجائزة الشيخ زايد (4)