أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - احمد جمعة - الخراف الضالة - رواية- القائمة الطويلة لجائزة الشيخ زايد (3)















المزيد.....


الخراف الضالة - رواية- القائمة الطويلة لجائزة الشيخ زايد (3)


احمد جمعة
روائي

(A.juma)


الحوار المتمدن-العدد: 6825 - 2021 / 2 / 26 - 14:53
المحور: الادب والفن
    


2011

انساب شعور بالاسترخاء روح وجسد سعد بن ناصر وهو يستلقي على مقعده الخشبي الهزاز من خلف السياج المطل على البحر من قصره البحري بجزيرة أمواج، بمدينة المحرق الرمادية ذات النكهة السمكية وهي ذات الجزيرة التي ولد وترعرع على بساطها الرملي، كان يستلقي على مسافة مطلة على عمق من موج أزرق ينحدر من على بعد تترامى من أطرافه حدود المياه الزرقاء مع السماء الملبدة بغيوم سوداء داكنة ونسمات من هواء تشوبه رطوبة شهر أيار وهي تحمل نبوءات بأمطار كاذبة تتخللها أصوات طيور النورس الداكنة وهي تنجرف أسراب ثم تختفي مخلفة نظرات الرجل وراء الأفق الضبابي كحياته التي تمر أمامه في هذه اللحظة مثل شراع سفينة من سفن الصيد التي تمر بين حين وآخر تقطع البحر المحيط به وهو في عزلته الساكنة بعيداً عن سلسلة المنازل والبنايات والشقق وهي تفترش المساحة الممتدة من حدود الجزيرة حتى خط البحر العميق الذي يتيح له العزلة الكاملة عن بقية البنايات، لقد جعل من هذه الأرض القابعة على المياه العميقة ملاذه حين يحن للبحر والسكينة والهروب من عشرات الوجوه التي يصادفها طوال الأسبوع، اختار الابتعاد إلى هذه التحفة العمرانية التي جعلها واحدة من عدة تحف موزعة في أرجاء البلد.
يقع القصر على مساحة شاسعة تمتد لأكثر من ثلاثين متراً استلهمه من عدة قصور حديثة وقديمة وتعمد دمج الشرقي بالغربي، تطل شرفاته الخارجية على البحر وتعلو نوافذه الزجاجية أسقف من قرميد بلون الرمان وأرضياته من رخام أسباني أصلي، أما سقفه فقد ظهرت زخارفه خرافية من الجبس المصري القديم تحاكي تلك التي سادت فترة الحقبة العثمانية، أما السلالم التي حيكت بحرفة خيالية فقد صنعت من البرونز والخشب الوردي. يتكون القصر من طابقين تعلوهما قبة في الوسط تطل على الفسحة الأرضية وهي من الرخام الفسفوري يشمل السلم الحلزوني وهو أيضاً من خشب الورد والرخام نقشت الدرابزين بنقوش دقيقة ذات طابع خيامي ومن أعلى القبة الزجاجية تتسلل أشعة الشمس إلى ردهاته التي ازدانت بلوحات عصرية بعضها لنساء يشعن بجمال كلاسيكي، أما قاعة الطعام فقد بدت واسعة بأرضية رخامية تحتل بوسطها رسوم شرقية على هيئة فسيفساء تتوزع حولها أعداد من المقاعد الكلاسيكية وعلى الجدران لوحات أخرى لعدد من الرسامين المجهولين جلبها من خلال سفراته المتعددة.
قطع تأمله مع البحر وتأثير كأس النبيذ الأحمر الذي كان ينزلق بداخله ممتزجاً مع شعور من الاسترخاء يغمره وسكون المكان.
رن صوت الجوال بجانبه، تطلع إليه وبدا متردداً ثم رد بخمول...
- ما الأخبار؟
جاءه صوت أحدهم من الطرف الآخر...
- توفي احد المتظاهرين بالرصاص المطاطي وهناك مصابون آخرون يعالجون بالمستشفى ولكن يبدو أن الهدوء ساد أخيراً فقد أنفضت المسيرة ولكن تداعياتها ما زالت على المواقع الالكترونية وخاصة الفيسبوك ومن هنا الخطورة في أن يتحول الأمر إلى مناكفات بين الناس بعضهم ببعض، هذا كل ما في الأمر.. هل تأمرني بشيء آخر؟
سادت فترة صمت ثم أردف سعد ..
- أخبر إسماعيلو أن يأتي لي ويأخذ لونا للصالون خلال نصف ساعة وأن يعرج على فندق موفينبيك ويحضر معه قائمة من مشاوٍ مشكلة.
عاد لعزلته مع البحر، سرح بعيداً في صور تتدفق في مخيلته لأحداث وقرارات يزمع اتخاذها وفي ذات الوقت آثر أن يظل مسترخياً وهو يتأمل تلك الصور تمر تداعبها نسمات المساء الباردة وهي تهب من جهة الموج.

****

على الجانب الآخر من هذا المساء شرع مكتب سعد بن محمد الناصر في توزيع بطاقات الدعوة لحفل زفاف محمد بن ناصر الابن وقد شملت القائمة وزراء ورجال أعمال ونواب وأعضاء شورى ورجال دين وصحفيين وشخصيات وكرست الإدارات المختلفة بمجموعة شركاته جهودها للإسهام في الإعداد للحفل الذي انشغل الجميع بتوفير كافة المتطلبات سواء من داخل البحرين أو من خارجها لإنجاح الزفاف، وفي ذات الوقت شرع مكتبه في الإعلان عن عدد من المشاريع الخيرية منها زواج جماعي لعدد من الشباب من الذين يعملون في مؤسساته المتعددة وهي واحدة من المساهمات التي تراوحت بين الأعمال الخيرية والأعمال السرية التي كان يقوم بها كتغطية نفقات بعض الجمعيات السياسة بهدف مد نفوذه وتنويعه بين السياسي والخيري والسري، وقد احتاج مرة لشراء أصوت إحدى الكتل السياسة في مجلس النواب لتحييدهم عن التصويت على مشروع قرار بمنع تداول الخمور ونجح في جعل عدد من النواب يفلحون بتمييع القرار واحتوائه لفترة يتم خلالها تجاوز المشروع برمته حتى يتم تغيير تركيبة المجلس النيابي، كان قد بذل الكثير من الجهد والمال لدعم عدد من المرشحين المعتدلين وقد أنجز مهمته بوصول عدد من النواب المستقلين المعتدلين.
عندما حطت طائرة خاصة قادمة من باريس اتصلت إحدى المضيفات من داخلها بأحد الأجانب المراسلين لإحدى الصحف الأجنبية وقدمت له تقريراً عن محتوى الطائرة وطبيعة الحمولة وظلت تفاصيل تلك المخابرة طي الكتمان لفترة إلى أن فوجئ الرأي العام المحلي بأخبار تلك الطائرة تنشر على صفحات صحيفة انكليزية من صحف الفضائح، باقات الورود والفساتين صناديق العطور التي لفت على هيئة هدايا للمدعوين وقدرت تكلفة تلك الطائرة بحمولتها بأكثر من مليون دولار.
تساءل بوعلي الهوى حينما حدثه أحد معارفه عن الملايين التي صرفت على تلك الطائرة القادمة من باريس وهو يحك شعر رأسه وظهرت أسنانه المتهرئة قائلاً
- كل هذا يطلع منك يا سَعُود يا ولد نصور..أللهم احفظنا على أرضك ونجّنا من يوم القيامة.
الأيام الخوالي التي جمعت سعد بن ناصر وبوعلي الهوى طبعت بمذاق ملح البحر الذي جمع بينهما منذ أيام الطفولة والتي لم يعد سعد بن ناصر يذكرها، لم تكن هناك علاقة بينه وبين بوعلي الهوى، بعكس الآخر الذي يحفظ وجهه وملامحه وصور الماضي محفورة في وجدانه عالقة بتداعيات الطفولة ومحفوظة بتأثير ملح البحر وسواحله وشمس المحرق الصاخبة بأشعتها الحارقة حينما تنعكس على الماء وتبعث ببخارها المفعم على مضض بكبرياء يتمثل فيه ماضي الاثنين، بين الغنى والفقر، فلا حالة العوز قلصت من شموخ بوعلي الهوى ولا ثراء سعد بن ناصر غير من مزاج الرجل في رؤيته لذكريات الأمس البعيد، فالبحر هو الجامع بين الكبرياء والشموخ والعصبية التي ولدت معهما من حقبة الزمن البدائي حيث سادت أسطورة البحر والغوص والسندباد والخريف الدائم، صهرت المكان بالزمان بالمزاج، لا وجود للذهب ولا المال ولا الحب إلا في دهاليز الليل الأزرق وهو ينتزع الأجساد من شبقها ويلقي بها في طرقات الأزقة المعتمة فتولد من تلك الليالي طوابير الأنفس الضائعة.
مرت الأزمنة واحداً تلو الآخر فتسلقت الثروات عروش الأشخاص الذين استفادوا من النفط والعمالة المحلية وتسابقت الأيدي على اقتطاف الفتات من الحديد والمعادن والمسكرات الممنوعة وغيرها من مخلفات الجيش البريطاني لتصعد درجات السلم بهدوء في ظل مساحة المكان والزمان الخالية من الحواجز فتصنع الغنى والفقر، ويفترق سعد بن ناصر عن بوعلي الهوى عند مفترق صحراء المال.
التقط الزمن رجل كسعد بن ناصر من حافة الطريق الذي سار فيه الصبيان معاً ووضعه على طرف الضواحي الفقيرة بمحاذاة معسكرات الانكليز وألقى بالآخرين من أمثال بوعلي الهوى في لجة المياه العكرة بمحاذاة ضواحي الأحياء المعزولة والمفعمة برائحة الأسماك التي لا تكاد تفارق المكان ليلاً ونهاراً.

****


ضربت المدينة الغارقة في اللغو والغبار ريح عاصفة مصحوبة بمطر رصاصي قاتم حيث أرخى الظلام الصدئ جناحه وعم الأهالي الذعر من الأطفال والنساء، وسُمع صرير الريح الحرجف تنهك النفوس وتجبرها على الانكفاء في زوايا الحيطان الملبدة بالرطوبة حتى إذا عسعس الليل وانخرطت القلوب بصمت كالح مشوب بخطوات اللصوص ينقبون في أحشاء الأحياء عن أقفال قديمة يسهل كسرها وعن منازل مثقوبة نوافذها يسهل تسللها، عمت النفوس ذكريات مريرة عن تلك الأهوال التي اجتاحت البلد منذ سنوات الإعصار البحري الذي نهب السفن ويَتم الأبناء وهجر الأسر وترك المدن مدفونة بأحزان مظلمة سوداء لسنوات أتت كلها مقرونة بالفزع من تكرار العاصفة، يتواصل هذا الرنين حتى اليوم في رأس سعد بن ناصر وهو يتأمل الانفجار البشري يعم الشوارع والقرى ويلامس حدود المدن فيجعله يتردد في مواصلة العرس الأسطوري مع تصاعد موجات البركان وهي تخلخل السكون وتعيد تكوين إيقاع الحياة التي ظلت خامدة رتيبة كل هذه السنين.
- سرت إشاعة عن هروب رؤوس الأموال بعد مصرع متظاهرين، وأخبار عن ضلوع حرس إيراني بملابس مدنية تسللوا من القرى الساحلية وشائعات يتردد صداها أنحاء البلاد.
كان ذلك مجمل مكالمة تلقاها سعد بنا ناصر من مجموع مكالمات بهذا الشأن يتلقاها على مدار اليوم.
ظهيرة اليوم التالي لوصول المتظاهرين للشوارع العامة بالعاصمة وقيامهم بسد الطرق والميادين بأعمدة إنارة الكهرباء الهائلة التي انتزعوها من جذورها بالأرض وبالحجارة والحديد وبراميل القمامة، مغلقين المداخل، قاطعين الحركة المعتادة وتعطيل الحياة العامة، كانت المدن والقرى والشوارع تموج بالبشر ينقادون كالخراف وراء أصوات شاحبة متوجسة رد الفعل الذي يأتي ولا يأتي فيما الضفة الأخرى من البشر القابعين في البيوت والمنازل والخائفين من المجهول يتابعون المشهد بتوتر وقلق وخشية التداعيات، في هذه الأجواء التي امتدت فيها السحابة البشرية لتطغي على الحيز بكامله تسربت الدعوة للعرس الأسطوري محلقة في خلاء مبهم تكسوها شكوك مطوقة بالذعر الذي يسود الأمكنة، فيما غابت عصافير الفضاء الصغيرة الملوحة بأجنحتها الدائمة فوق السطوح والبنايات من المشهد كلما تصاعدت الأدخنة والروائح الكريهة من موقع التجمهر بالدوار وهو المكان الذي قبعت فيه السحابة البشرية وتمركز فيها الهرج والمرج لتنتشر تفاصيل ما يجري فيه بأرجاء البلاد.
عبرت موجة ذكريات خاطفة أمامه وهوة يستعيد تداعيات العقود الماضية التي شهدت فيها البلاد أحداث مماثلة لكنها ليست بهذا الحجم المهول وأستغرب كيف انفجر البركان بهذه السهولة التي لم تكن على البال مما استدعى مراجعة خططه ومشاريعه من دون أن يشعر بالخوف كما لو كان متيقناً من أنها سحابة عابرة بالرغم من كل الأحاديث التي تصب عنده وتضخم المشهد.
- ما يجري ليس إلا حبات السبحة العربية التي انفرطت وظلت سبحتنا التي ما زلنا نقبض عليها.
- يا بومحمد هذا تسونامي عليك بالحذر واتخاذ الخطوات، على الأقل أمسك العصا من الوسط وضع قدم في الدوار وقدم في الرفاع تسلم.
على الضفة الأخرى ردد بوعلي الهوى أن عرس سعود بن ناصر قد تأجل ولم يبح بمصدر معلوماته لكن البعض قال انها الجنية التي يعاشرها منذ شبابه تمده بالمعلومات عن البلد كلها.
عندما تناهى الأمر إلى سعد بن ناصر طلب جلبه من ولو كان تحت الأرض، استعاد ذكريات السنين التي تطوقه بهذا الرجل، لا يعرف مصدر خوفه منه ولا سبب ولعه به لكنه صدى البحر والعبث الصبياني شكلا محور العلاقة السرية المبنية على تجاسر الأول وذعر الآخر رغم شدة بأسه التي وفرتها له وجاهته ودفعت بالجميع إلى خشيته إلا هذا العجوز المعوز المتهالك وهو يقاوم صدأ السنين وكأنه يقبع على رؤوس الرماح لا ينثني ولا ينكسر ولكنه يقاوم كل عوامل الطبيعة من دون أن يتآكل وهو الذي يعيش في بيئة مليئة بالرطوبة والغبار والفقر والمرض لكنه لم يركع للمرض ولم يلامس عتبة طبيب ولا حتى مر بجوار مستشفى، إذ كان يتطبب بذاته ويعالج نفسه بالصبر والصلابة.
كانت المسافة بين الرجلين شاسعة وقريبة في ذات الوقت، فهي ممتدة منذ البحر العشوائي البدائي الأول المعجون بشقاوة الطفولة وشغفها المولع بالشغب منذ أيام معسكرات الجيش البريطاني بالمحرق، مصحوبين بمزاميز السرقات على مخلفات المعادن وأسلاك الكهرباء المستعملة التي تلقى بالمزابل ليقوما بالاستيلاء عليها ليصنعا أكاليلاً من الأحلام تسبح بهما لأبعد من حدود البحر ومعسكرات الاحتلال، أنشآ علاقة مع بعض من أفراد الجيش البريطاني تخطيا من خلالها المسافات وتزودا بالحيل والجسارة فأمتد الدرب بهما طويلاً تحاشا خلاله العبور المستقيم لكنهما افترقا عند حدود الواقع والخرافة، فانخرط سعد في مستنقع الواقع المشوب بالوحل وتجارة الخمور المهربة من مخازن الجيش وقبع بوعلي الهوى في قاع الخرافة التي تحولت لواقع حقيقي استدرجه لعالم الجن حين امتزجت الأرواح الطائرة من البحر والسماء بروحه التواقة للغيب وللأصوات القادمة من وراء العالم السفلي فشكلا عالمين جمعا الرجلين وفرقا بينهما عند جسري الواقع والخيال، كان عالم الأول هو المال والنساء والتهريب والبيع والشراء والاستحواذ وتبلور عالم الآخر عند البحر والجن وتربية الطفلين وتلبية متطلبات الحياة المعيشية لشقيقته الأرمل، فسكن بداخل أيقونة خرافة واقعية يلمس فيها الأصوات والأجساد المسكونة، تحدث معها وعاشرها بالليل والنهار وتفرغ فيه مشاعرها وتنبهه للأخطار والكوارث وتصوغ له المسافات وتدله على الأبواب السرية ليدخلها من دون غيره من الكائنات البشرية ليرى الآخرين في تلك الأيقونة على هيئة خراف ملونه، سوداء وبيضاء وخضراء تجول في الأرجاء من غير راعٍ يقودها، فيضطره ذلك للشفقة عليها والاكتفاء بالابتسامات التي يراها الجميع ولا يعرفون مغزاها.
"ماذا أصاب بوعلي الهوى؟"
"انه دائم الضحك وحده"
"مسكين.. الجن عبثت برأسه"
نمت بداخل كل منهما أيقونة توحدت مع تطلعاتهما التي انبثقت من طفولة نازعتها الشهوة والرغبة والمجهول المحفوف بالمخاطر من البحر واليابسة، كانت الحياة مفتوحة لهما على كل الاحتمالات، تعرضا للإصابات والجروح والكدمات المختلفة وكثيراً ما اقتربا من حافة الموت لولا العناية الإلهية التي كانت تحرسهما كما كانا يظنان، كان ثمن البقاء على قيد الحياة الله والجن، كان سعد رغم عدم ولائه للصلاة والصيام إلا أنه سلم أمره للسماء فيما ركن بوعلي الهوى لرفاقه من الجن من الجنسين، فكلاهما رتب القدر لهما اللعبة وسارا فيها لتنتهي بالملايين للأول وبالعدم للآخر ولكنه خرج بامتياز من هذا العدم حسد الآخر له في رقعة من الزمن، فكأنما هو الذي يعيش العدم مقارنة بما يملك، ورغم تفكيره الدائم فيه وفي لون الحياة التي استقر عليها إلا أن الآخر المعوز لم يخطر بباله الأول ولو بخاطرة عابرة تمر بذهنه ولو لمرة رغم ما يجمع بينهما منذ الطفولة التي ما برحت بعد كل هذه العقود المديدة تنبثق كالزنبقة من صحراء الوهن التي بلغاها، فعاش سعد بن ناصر واحتها المترفة بالنساء والقصور والنفوذ وتعثر بوعلي الهوى في قعرها بالفقر والوحدة والمرض من دون الشعور بالجحيم الذي يخيل للآخر ان الأول يعيشه وفضل الأ ينتشله منه إلا بطلب منه وهو الطلب الذي تأخر كل هذه السنين الطويلة المرتبطة بأسفل قاع البلد وهو يشهد في هذه اللحظة محنة الاضطرابات والعصيانات ما دفع بالكثير من الناِِس للتوجس بالخطر القادم متنبئين بمصادمات أهليه وطائفية غداة انتشار الشائعات بقرب إسقاط النظام، وحتى تلك الساعة كان سعد بن ناصر غير مبالٍ بتلك الأخبار مكتفياً بمتابعة ما يجري من قصره البحري بجزيرة أمواج منتشياً أغلب الليالي بصديقته الأكرانية "لونا" تاركاً مسألة زواج ابنه محمد بن سعد بن ناصر لمكتبه يتدبرون التفاصيل وهو العرس الذي أشار إليه بعض مستشاريه بـتأجيله حيثما تنجلي الصورة.
- لماذا؟ هل سيسقط النظام كما يتوقعون؟ محالة.
هكذا كان يجيبهم كلما شرعوا في طرح الموضوع ثم يسترسل ...
- بالعكس .. دعهم يحتفلون ليبددوا الصورة القاتمة، أنا عن نفسي النظام باقيٍ ولن يسقط بحفنة من الغوغاء.
ثم يمضي في متابعة حياته الخاصة إلى أن تم احتلال المرفأ المالي فتغيرت الصورة.
كانت الشوارع تموج بالناس والأفكار تتدافع في الرؤوس والذعر يعم البلد فيما وسائل الإعلام تتناقل وقائع القتلى والجرحى بالمئات والخطف وانتشار الأنباء حول ما يجري في المدارس والجامعات والمستشفيات وتوقف الأعمال إثر إغلاق الشوارع ومنع الطلبة والتلاميذ من التوجه إلى المدارس، كان المشهد العام ينقش لوحة فسيفساء كونية بزخرفة من المشاعر المتلاحقة ما بين الخوف واليأس والمرارة المنبعثة من الفوضى العامة وقد طبعت البلد كله، كان الضوء المتسلل من بقع السحب في السماء يبعث على المزيد من الخوف وبدت درجة الحرارة تهبط وترتفع كما لو أنها مرتبطة بالأحداث ففي النهار تسود الرطوبة الممزوجة بالغبار ثم سرعان ما تتسلل البرودة في المساء مصحوبة بالهواء البارد وكانت الأيام والليالي تنتقل برتابة يحركها إيقاع بطيء مع سرعة في الوقائع التي تتوالى وكأن البلد عقد سبحة انفرط من دون سيطرة ولا هيمنة من جهة على الأخرى، فترى سيارات الإسعاف ترافق المظاهرات فيما اختفى رجال الأمن من الشوارع والطرقات فتشعر بأن الناس تحكم نفسها في فوضى عارمة ما دفع بوعلي الهوى في واحدة من تجلياته وهو يقطع ساحل البسيتين وقد ردد بهمس مشوب بالمرارة.
- ضاعت الطاسة.. يعني ضاعت البلد.
وعلى الضفة الأخرى من جزيرة أمواج التي تنعم بالسكون والهدوء مع نسمات الهواء البارد القادم من البحر، كان سعد بن ناصر ليلة احتلال المرفأ المالي حيث تقع العديد من مكاتبه يحبس أنفاسه بعد كل الصمت والترقب الذي كان فيه، راح يسكب كأس الويسكي ويقترب من النافذة المطلة على البحر ويرتقي ببصره نحو الأفق الذي بدا مساءً عند الشفق بلون برتقالي، مؤثراً الابتعاد عن الاتصالات مكتفياً ببعض الرسائل الهاتفية التي تصله من مساعديه محتفظاً بمشاعره الداخلية حبيسة أعماقه، في تلك الساعة مر به طيف بوعلي الهوى ورأى شبح الرجل يجلس على قمة سحابة قاتمة تعلو السماء ويلوح بيديه للأرض ومن خلفه سرب من الطيور السوداء البشعة تتقاطر مع أجزاء من قطع السحب المتناثرة حول السحابة القاتمة التي يقبع فوقها بوعلي الهوى، جثمت اللحظات حول مشاعره المشوشة فانكب يحلق ببصره تجاه البحر الواسع كمن يستعيد الطفولة والشباب الذي بدأ من هذا المكان قبل أن يتحول إلى جزر اصطناعية تبتلع الموج والرمال والأسماك عبر الملايين من الدنانير ضخت لدفن البحر الذي يقف الآن فوقه بعد أن كان يغوص فيه قبل عقود طويلة مضت.
"هناك بحران، واحد أقف فوقه الآن وواحد في القلب"
يزدان الليل البارد بالنجوم التي تسطع فوق البحر وتعكس هموم النفس الممتلئة بالمرارة مما يجري، أخذ الليل يمسح الخوف من النفوس المشحونة بالتوتر ويخزنه في حزن عميق ينفجر بالنهار، ظل سعد بن ناصر واقفاً يتأمل العتمة على صفيح الصمت يكسره صوت بعض الأسماك الصغيرة تقفز مع الموج وتغير من رتابة السكون الذي يجر ذيله إلى مشاعر الرجل المنتظر شيئاً يحدث ويغير من مشهد الأحداث الجسام الدائرة على الساحة، كان إحساسه بالغبن تجاه ما يجرى بالرغم من أنه في الشهور الأخيرة قد أغدق الكثير من الأموال والمساعدات السرية على المحتجين فقد كان يمسك العصا من الوسط ويبحث عن مكان له في ظل المتغيرات التي تضج بها الساحة المحلية لكنه حين فوجئ بهول ما جري وبتعطل الحياة واحتلال المرافق العامة وانحراف التيار برمته تجاه المجهول بدأت أفكاره تتشابك وداهمته الشكوك، فاتسعت دائرة الريبة بداخله وحولت مشاعره إلى الحزن والقلق على ما يجري، فانزوى بداخل قصره، قلص من اتصالاته وأرغم ذاته على التحلل من المشاعر القديمة التي كانت توحي له بالمشاركة في التغيير، كانت الأحداث الجسيمة الجارية تجرفه نحو الخوف من الفوضى العارمة وهو يرى عدم قدرة رجال الأمن على السيطرة على الساحة وقد ماجت بالاضطرابات والعصيانات واهتزت ثقته بنفسه وبأفكاره السابقة عن التغيير فزاد ذلك من حزنه وعزلته فلجأ إلى البحر يلهمه بشعور طالما افتقده منذ سالت الدماء وسقط الضحايا وشل الحياة العامة، كان البحر الذي أنس إليه سنوات الرخاء والتحم به كما كان بسن الطفولة والشباب يفيض عليه بالسحر والسكون ويبعث فيه نسيم الاسترخاء الداخلي الذي يعوضه عن التيه الذي خلقه الركض وراء المشاريع والأموال، خطر بباله في هذه اللحظة المسكونة بالصمت والتأمل طيف الرجل الذي ارتبط بخياله منذ الطفولة وأيام الشقاوة وهو بوعلي الهوى.
- ترى كيف يشعر في هذه الساعة بالأحداث؟ هل هو خائف مثلي ولا يعلن خوفه؟
حتى لا يسترسل في التأمل أجرى مكالمة سريعة ورتب لحضور صديقته الخاصة المقربة "لونا"






قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
نحو يسار عربي جديد حوار مع الباحث الماركسي اللبناني د. محمد علي مقلد
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ... هل الكاظمي فخ العراق؟!
- هل تختفي الدول العربية قريبًا؟!!
- عاصفة الديمقراطيين قادمة...استعدوا...
- الخراف الضالة - رواية- القائمة الطويلة لجائزة الشيخ زايد (2)
- الخراف الضالة - رواية- القائمة الطويلة لجائزة الشيخ زايد (1)
- رصاصة وشمعة وسمك سلمون!!
- الانهيار الأعظم...القادم!
- تحت حذاء ماما أمريكا ...!!
- شتاء المحرق 1940
- الطعام قبل الإيمان...
- فاشية أم فاشينيستا...?!
- مفاجأة: عودة تجارة الرقيق بحرب البنفسج (الخليج)
- شجرة عارية عانقت المعري.... من رواية -القرنفل التبريزي-
- # أخطر من وزارة للإعلام!
- كورونا تدعم الثقافة من غير قصد!!!
- أرثيك إسحاق النبل والأصالة...
- حينما تقود الحملان الأسود!!
- شيءٌ ما يدور في المنطقة؟!!
- -عناقيد الثلج- مدينة المحرق القديمة
- متى تدفع الصين الثمن؟! هل أفلتت من العقاب؟


المزيد.....




- وفاة الممثلة البريطانية هيلين ماكروري بسبب السرطان
- مصر.. وفاة زوجة الفنان الراحل خالد صالح متأثرة بفيروس كورونا ...
- الموت يفجع الفنان المصري أحمد خالد صالح
- كاريكاتير -القدس- لليوم السبت
- ملف عمر الراضي.. السلطات المغربية تكذب مغالطات منظمات غير حك ...
- وفاة الفنان السوري كمال بلان في موسكو
- قصر أحمد باي يوثق حياة آخر حكام الشرق في -إيالة الجزائر-
- عرض مسرحية جبرا في بيت لحم
- فيما تؤكد الحكومة أن العلاقة مع المغرب وثيقة..خطط ستة وزراء ...
- القضاء المكسيكي يأمر منصة -نتفليكس- بإزالة مشهد يخرق قانون ا ...


المزيد.....

- القصة المايكرو / محمد نجيب السعد
- رجل من الشمال وقصص أخرى / مراد سليمان علو
- مدونة الصمت / أحمد الشطري
- رواية القاهرة تولوز / محمد الفقي
- كما رواه شاهد عيان: الباب السابع / دلور ميقري
- الأعمال الشعرية / محمد رشو
- ديوان شعر 22 ( صلاة العاشق ) / منصور الريكان
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- في رثاء عامودا / عبداللطيف الحسيني
- ظلال الاسم الجريح / عبداللطيف الحسيني


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - احمد جمعة - الخراف الضالة - رواية- القائمة الطويلة لجائزة الشيخ زايد (3)