أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - راتب شعبو - على خط التماس














المزيد.....

على خط التماس


راتب شعبو

الحوار المتمدن-العدد: 6778 - 2021 / 1 / 4 - 16:34
المحور: الادب والفن
    


على الطريق يقف شاب بلباس الجيش بجانب خيمة مرتجلة من أغصان الشجر يلتجئ فيها حراس الطريق، وفي يده بارودة روسية. الملل باد على وجهه، فنادراً ما تمر السيارات من هذا الطريق الذي يقع في منطقة تماس مع "المسلحين" (هكذا استقرت التسمية لدى السوريين الموالين بعد أن تدحرجت طويلاً بين تسميات شتى مثل الجيش الحر والإرهابيين والإسلاميين والعصابات والمعارضة المسلحة أو المعارضة وحسب). من البديهي أن القوات النظامية التي تقاتل هؤلاء "المسلحين" مسلحة هي أيضاً، غير أن تسمية هؤلاء بالمسلحين تحمل دلالة على استنكار حملهم السلاح، فللجيش وقوات الأمن الحق بحمل السلاح، أما هؤلاء فإن حملهم للسلاح مخالف لطبيعة الأشياء ولذلك يكفي أن تعرّفهم بالمسلحين.
القرية التي يوجد فيها هذا الحاجز شبه مهجورة، هدوء عام، الحركة شبه معدومة، والشاب الذي بلباس الجيش ينتظر بصبر فارغ انتهاء مناوبته.
حين تقترب السيارة يتقدم الشاب بتثاقل، ينظر في الوجوه ويعفينا من طلب الهويات، مشيراً لنا بالمتابعة. لم يجد في السيارة علامات معادية. الطريق خالية تماماً من السيارات، المدرسة التي بجانب الطريق خالية من الطلاب ومن الأولاد الذين يستغلون عادة خلو المدرسة كي يلعبوا في ساحتها. فقط الدجاجات التي تلتقط ما تيسر لها من الأرض، والبقرة المربوطة بجانب أحد البيوت، تدل على وجود بعض الأهالي هنا. منذ عدة أشهر دفن الأهالي هنا خمسة من أبنائهم في اشتباك مع "المسلحين". حينها كان الحاجز هنا شبيهاً بثكنة عسكرية صغيرة. عدد كبير من العناصر وأرتال من السيارات وجمهرة من السائقين والركاب. كان الحاجز حياً لأن الحركة إلى الشمال كانت ممكنة، وكان يمكن لعناصر الحاجز أن يمارسوا سلطة طارئة على العابرين. ولكن بعد المعركة التي استهدفت الحاجز تغير الحال. تم الاستغناء عن الحاجز واستعيض عنه بجبل من التراب. فإما مرور غير كريم عبر حاجز أو لا مرور. البديل عن الحاجز هو قطع الطريق بالكامل. لم تعد الخدمة على الحاجز مغرية. باتت واجباً ثقيلاً ومملاً.
منذئذ ترك معظم الأهالي بيوتهم وانتقلوا إلى حيث يمكنهم تدريس أبناءهم وإلى حيث الأمان، وتطوع بعض شباب القرية لحماية البيوت من النهب. تسأل أحد هؤلاء المتطوعين: هل يهاجم المسلحون القرية لنهب البيوت؟ يقول: لم يحدث ذلك، ولكن هناك من يسرق تحت ستار المسلحين. ويبتسم ابتسامة دالة.
نمضي في طريقنا. غير بعيد عن المدرسة نجد، إلى جانب أحد البيوت، رجلاً منهمكاً بزرع شتلات البندورة. وليس بعيداً عنه، تتجه امرأة شابة صوب بيتها وعلى ظهرها جرزة من الحطب. وبضعة أولاد يلعبون في أرض مجاورة للطريق. آلة الحياة أبقى من كل المعوقات.
على الطريق الصاعد إلى القرية التالية، وعند تقاطع الطريق الاسفلتي مع سكة الحديد التي كان يعبرها يوماً القطار المتجه إلى حلب أو العائد منها، نجد مجموعة من الفتيان بلباس الجيش، يلتفتون إلى السيارة العابرة ثم يواصلون انشغالهم بإعداد النار. علامة عدم الاكتراث هذه تمنحنا رخصة مرور.
في القرية التالية تبدو الحياة أكثر طبيعية. رغم أنه لا يفصلها عن "المسلحين" سوى واد عريض. البيوت مأهولة، والحركة نشطة. وللسرافيس مواعيدها إلى اللاذقية ومنها. هنا اعتاد الأهالي على أصوات القصف التي تبدو كأنها واجب يومي يؤديه الجنود النظاميين قبل أن يخلدوا للراحة. تمر القذائف في أجواء هذه القرية قبل أن تؤدي مهمتها في مكان ما على الجبل المقابل. بات الريفيون يميزون أيامهم هنا باختلاف وتيرة القصف، ويستشعرون التبدلات السياسية منها أيضاً. تقول امرأة: "كان القصف اليوم أشد من أي يوم آخر، خير إن شاء الله، ما الذي حصل؟"، ثم تعبر عن استيائها من القتال وعن تأففها من الطرفين، وتتساءل بضجر: "من أجل ماذا؟". وحين ينتهي الكلام، يكرر عجوز قوله: "لو بقيت سلمية، ولو كانوا يريدون الإصلاح حقاً، لكان الجميع معهم، لكنهم يقتلون ويخربون".
وسط القرية نصبت خيمة عزاء لمواساة أهل "شهيد بطل" سقط في دير الزور في مواجهة "المسلحين" دون أن يتمكنوا من إحضار جثته. في الخيمة يقول فلاح تقع أراضيه على السفح المقابل لمناطق تواجد "المسلحين"، إنه يراهم يومياً ويرونه في ذهابه إلى أرضه وغدوه منها، ثم يعلق مع ضحكة خفيفة: "لو أرادوا قتلي لقتلوني مئة مرة". ويضيف: "لو أرادوا تهجير هذه القرية أو قتل أهلها لفعلوا، ما الذي يمنعهم؟" غير أن هذه الكلمات لا تجد لها مكاناً في منظومة القناعات الناجزة.
بفتور يدخل الناس خيمة العزاء ويخرجون متوجهين إلى بيوتهم بخطوات حائرة كنظراتهم. ولكن ثمة رجل يدخل بثقة ويقف في أول الخيمة وإلى جانبه رجلان أقل اعتداداً بنفسيهما، ينظر الرجل في وجوه المعزين ملياً ثم يسلم على الجميع بصوت مرتفع. رجل في الخمسينات من عمره، متأنق ويحمل في يده مسبحة زرقاء يداعب حباتها بهدوء. يصافح الجميع ويجلس واثقاً كما دخل، ويتكلم بصوت عال. يستفسر منه بعض من يعرفونه عن أشياء تتعلق بهموم خاصة. يرد الرجل بثقة. يُطمئن حيناً ويقطع أمل السائل حيناً آخر. يشرب القهوة المرة ثم يترحم على الشهيد وينهض بعد أن جعل من نفسه لدقائق قليلة مركز اهتمام الخيمة. يبرر استعجاله بأن لديه تعزية أخرى في قرية ثانية. ينفرد قليلاً بوالد "الشهيد البطل"، ويصعد سيارته ويمضي. وفي الخيمة يدور الحديث عن سطوة هذا الرجل وعن فساده الذي جعل منه شخصية لها وزن. "لكنه يقف مع المنكوبين بفقد أبنائهم" يمرر أحدهم تعليقه وسط زحمة الحديث.
في طريق العودة تكون الحواجز أقل استنفاراً. نستعمل جهة واحدة من الاستراد الموصل إلى اللاذقية، فالقنص الذي يمكن أن يستهدف السيارة من الجهة الغربية حيث يتمركز المسلحون في الجبال، ممكن على ما يقال. طريق العودة خال كطريق الذهاب. أما على الحاجز الكائن في مدخل المدينة فإن الانتظار يطول بما يسمح لبائع قهوة أن يستثمر انتظار الداخلين وضجرهم. نيسان 2013






قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
نحو يسار عربي جديد حوار مع الباحث الماركسي اللبناني د. محمد علي مقلد
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- القوة الغاشمة، أسيد الضمائر
- تحت خط الوطن
- في مساءلة خياراتنا وأهدافنا
- لماذا نقبل السجن؟
- تأثير السجن
- ملاحظات على عقد عربي فريد
- مشكلتي مع التعابير
- المعارضة السورية في طور الهبوط
- المأساة السورية وليمة صحفية (قراءة في كتاب الأسد أو نحرق الب ...
- المنشقون والثورة السورية
- العلويون في مهب السلطة السياسية 2
- العلويون في مهب السلطة السياسية 1
- ماذا نستفيد مما يحصل في فرنسا؟
- هل السلطة السياسية أولوية؟
- أمي والقضايا الصغيرة
- -انا في سورية وأريد العودة الى وطني-
- الصمت ليس حقا لمن لديه ما يقول
- ضحايا وجلادون
- حين تتحول الهوية إلى وثن
- مشكلة الفرنسيين مع الإسلام


المزيد.....




- إلهام شاهين تحدد أهم فنانة في جيلها... وتتحدث عن فضل عادل إم ...
- فيديو: وتر العود يستعيد إيقاعه تدريجيا في إيران بعد عقود من ...
- فيديو: وتر العود يستعيد إيقاعه تدريجيا في إيران بعد عقود من ...
- لوحة في مكتب محمد بن سلمان -الداعم- للمواهب تثير تفاعلا (فيد ...
- مكتب مجلس النواب.. تعميم الحماية الاجتماعية ثورة من شأنها ال ...
- العثماني يطالب بتكثيف الجهود لتنزيل مقتضيات القانون المتعلق ...
- انتخاب المغرب رئيسا للمجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيم ...
- مجلس النواب يصادق على مشروع قانون يتعلق بمكافحة غسل الأموال ...
- أصوات من السماء.. الحافظ خليل إسماعيل صوت الشجن البغدادي في ...
- كتاب -مشارف الخمسين- تأليف إبراهيم عيسى


المزيد.....

- القصة المايكرو / محمد نجيب السعد
- رجل من الشمال وقصص أخرى / مراد سليمان علو
- مدونة الصمت / أحمد الشطري
- رواية القاهرة تولوز / محمد الفقي
- كما رواه شاهد عيان: الباب السابع / دلور ميقري
- الأعمال الشعرية / محمد رشو
- ديوان شعر 22 ( صلاة العاشق ) / منصور الريكان
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- في رثاء عامودا / عبداللطيف الحسيني
- ظلال الاسم الجريح / عبداللطيف الحسيني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - راتب شعبو - على خط التماس