أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - راتب شعبو - المنشقون والثورة السورية















المزيد.....

المنشقون والثورة السورية


راتب شعبو

الحوار المتمدن-العدد: 6760 - 2020 / 12 / 13 - 22:38
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


تستحق ظاهرة الانشقاقات عن نظام الأسد، في المراحل الأولى من الثورة السورية، إلى اهتمام توثيقي وتحليلي، بسبب غناها ومفارقاتها وأثر التعامل معها على مسار الثورة.
كثرت في بداية الثورة حالات الانشقاق، ومع الوقت بدأ خط تمايز وحساسية يتضح أكثر فأكثر، يقوم على أساس العلاقة السابقة مع النظام، ويفرز المنشقين عن سواهم داخل جسد الثورة. بين خفوت وبروز، ظل هذا التمايز موجوداً على طول الخط. لا يخالف الصواب القول إن الثورة هي، بحد ذاتها، انشقاق عن النظام. معلوم أن نسبة ضئيلة من السوريين كانت تعلن معارضتها للنظام، فيما كان المجتمع السوري يعلن موالاته. مع اندلاع الثورة أعلن جمهور متزايد من السوريين "انشقاقهم"، وأظهروا ما كانوا يضمرونه من رفض. غير أن الكلام عن الانشقاق هنا، يطال المسؤولين في النظام (عسكريين وأمنيين ومدنيين)، الذين كانوا، قبل انشقاقهم، يتمتعون بمزايا "المسؤولية"، ويساهمون بدورهم في سير آليات النظام وتجديد طاقته.
خدمت حالات الانشقاق عن النظام، معنوياً وسياسياً، بوصفها شهادة وتأكيداً على أحقية الثورة وتفوقها الأخلاقي، كما خدمت مادياً بوصفها قناة تزويد للثورة بخبرات ومؤهلات مجربة. ولكن إلى جانب الترحيب بالمنشقين الذين يهجرون ضفة النظام وينضمون إلى الثورة، كان هؤلاء، في العموم ومع الوقت، يتعرضون لتمييز سلبي محركه الأساسي هو تناول الأمور من منظور ضيق، وحساسيات تقوم على مبدأ ذاتي ومصلحي.
في الجانب العسكري هُمِّش العسكريون المنشقون بتأثير عاملين، الأول هو إشاعة الشك حولهم وعدم الاطمئنان إلى ولائهم للثورة بوصفهم "أبناء النظام"، والثاني هو عدم ملاءمتهم للرداء الايديولوجي الديني الذي راح يحتوي النشاط العسكري المتصاعد. ويمكن إضافة عامل ثالث، استفاد من العاملين السابقين، هو خوف مدنيي الثورة المتعسكرين من أن التفوق المراتبي والمهني للضباط المنشقين سوف يحد من طموحاتهم القيادية (وقد رأينا كيف ازدهرت هذه الطموحات وإلى أين أفضت)، فكان من الطبيعي أن يميل هؤلاء إلى استبعاد الضباط المنشقين، بشكل خاص، والحجر عليهم. وقد لاقى هذا الميل قبولاً لدى الممولين الذين يميلون للتعامل مع أفراد أقل أهلية ولكن أكثر طواعية، كما يميلون إلى التعددية الفصائلية التي تسمح لكل ممول "باقتناء" فصيل، وهذا مما لا يتماشى مع البنية الذهنية والعسكرية التي نشأ عليها الضباط المنشقون. هذا فضلاً عن تقاطع مصلحة "الحليف" التركي مع هذا الميل، فقام بتنفيذ المهمة على أكمل وجه.
النتيجة أن الضباط المنشقين خرجوا من المعادلة إلى حد كبير، وتحولوا إلى سياسيين أو محللين عسكريين في أحسن حال، وسيطر على المشهد متعسكرون جاهزون للفساد المباح ولتبدية مصلحة الممول على ما عداها.
في الجانب المدني عرضت حالة الانشقاق مشكلة من نوع آخر. حادثة الانشقاق بحد ذاتها مكسب للثورة، والعناصر المنشقة هي في الغالب عناصر ذات كفاءة ومن المرجح أن تكون مساهمتهم مفيدة لبلورة العمل المعارض لنظام الأسد. ولكن من جهة أخرى، يشكل تبوء المنشقين مواقع قيادية في المعارضة، ولاسيما المواقع الأولى فيها، حرجاً للمعارضين المخضرمين. بعد سنوات نضال طويلة ضد نظام الأسد، لم يستطع هؤلاء المعارضون أن يمثلوا تطلعات شعبهم حين ثار، ويحتاجون إلى أحد "أبناء النظام" كي يقوم بهذا الدور. ينتقص هذا الأمر ضمناً من قدرات المعارضين التقليديين. الحق أن هؤلاء المعارضين الذين قضوا أعمارهم في السجون والملاحقات الأمنية والاجتماعات السرية وقراءة الكتب، لا يمتلكون مهارة بناء العلاقات مع دول ومنظمات دولية كما يمتلكها مسؤولون ممارسون في نظام. وفي الوقت نفسه ليس لدى الدول التي سعت إلى علاقة "رسمية" مع المعارضة السورية، قابلية كبيرة للتعامل مع شخصيات غير ذات خبرة "رسمية" ولا تتقن "فنون" الديبلوماسية.
أما من ناحية جمهور الثورة، فمن الطبيعي أن يكون في بال كل سوري أن المسؤول الذي انشق عن النظام، ورغم أهمية انشقاقه وضرورة الترحيب به، ما كان ليصل إلى موقع مسؤول في النظام ما لم يكن صاحب حظوة لدى أجهزة الأمن، وما يعني هذا من استعداد لتمسيح الجوخ وللإساءة وإيقاع الضرر بسوريين آخرين. لا يستطيع السوري أن يتخيل مسؤولاً في النظام لم يكتب تقارير بزملائه ولم يتسبب بنكبات لأشخاص ولعائلات، أكان ذلك بدافع الوصولية، أو بدافع قناعة سياسية بالنظام والتزام بمكافحة معارضيه. قد يكون تعميم هذا الحكم ظالماً لبعض المسؤولين، ولاسيما منهم أصحاب الكفاءة البارزة التي يحتاجها النظام ويسعى للاستفادة منها ويكفيه من صاحبها أن يقبل بالنظام كما هو. للمفارقة، ولأننا أمام نظام معمِّر، يخرج من دائرة الوصولية هذه "ورثة" المناصب الذين لا يحتاجون، بسبب انتمائهم لعوائل مسؤولين، إلى التسلق على أكتاف زملائهم، بالوشايات والتقارير، طالما أنهم "واصلون" سلفاً.
إلى هذا، لا يستنظف الجمهور دوافع المنشقين. هل استيقظ ضميرهم فجأة على ظلم النظام، أم أنهم يريدون القفز من سفينة تغرق، كي يتابعوا امتيازاتهم في وضع جديد يرونه قادماً؟
لا بد أن المنشق، من ناحيته، عانى من توتر داخلي بين ماض حميم مع نظام الأسد، وحاضر مناقض لذاك الماضي. محرك التوتر ليس فقط الانتقال الحدي بين موقعين متقابلين، بل أيضاً المحاكمة الضمنية التي يراها في عيون الآخرين، أو قد يسمعها على ألسنتهم. أحد المنشقين عبر عن هذا التوتر بنقد ذاتي قاس قال فيه إنه كان كالببغاء تحت قبة مجلس الشعب. على أن المنشقين المدنيين كانوا، على كل حال، أكثر حظاً من العسكريين، ذلك لأن الدول "الصديقة" لم تتحفظ على المسؤولين المدنيين في النظام كما تحفظت على العسكريين.
قد يكون جزء كبير من الأحكام السابقة الذكر حيال المنشقين صحيحاً، لكن التعامل مع المنشقين من هذا المنظور ينم عن ضيق في الأفق، وتغليب لفكرة الانتقام على فكرة الثورة. في الأنظمة الشمولية، يصعب أن تتبلور معارضة ذات هيكلية وتجربة سياسية متصلة، هذا يعني أن عملية التغيير سوف تستند، بشكل لا محيد عنه، على الكوادر التي نشأت وتربت في كنف النظام وكانت جزءاً منه. لا توجد حاضنة اخرى للكفاءات وتنمية الخبرات سوى النظام. وقد كانت تجربة التحولات الديموقراطية في بلدان المنظومة الاشتراكية مثالاً واضحاً على هذا القانون.



#راتب_شعبو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العلويون في مهب السلطة السياسية 2
- العلويون في مهب السلطة السياسية 1
- ماذا نستفيد مما يحصل في فرنسا؟
- هل السلطة السياسية أولوية؟
- أمي والقضايا الصغيرة
- -انا في سورية وأريد العودة الى وطني-
- الصمت ليس حقا لمن لديه ما يقول
- ضحايا وجلادون
- حين تتحول الهوية إلى وثن
- مشكلة الفرنسيين مع الإسلام
- هل العلة في الطريق أم في -الهرولة-؟
- عن رهينة فرنسية اعتنقت الاسلام
- سورية بعد موجة التطرف الإسلامي
- لا حقوق وطنية بدون حقوق يومية
- سورية المدمنة على النقصان
- حضورنا المباشر في السياسة
- العدو الصديق وأزمة مياه الحسكة السورية
- الحرية والاختيار
- مسؤوليتنا عن انفجار بيروت
- توحيد الروايات الذاتية للجماعات السورية


المزيد.....




- -سيناريو الكابوس-.. خبير يحذّر من تداعيات إغلاق مضيق هرمز
- تجديد حبس محمد صلاح احتياطيًا يخالف قانون الإجراءات الجنائية ...
- سباقات الرنة تجذب الحشود في شمال فنلندا قرب الحدود مع روسيا ...
- دروس من طهران إلى بيونغ يانغ: كيف عززت حرب ترامب على إيران ع ...
- هل آن الأوان لـ-فتح الدفاتر القديمة- بين الشرع وحزب الله؟
- سماع دوي صفارات الإنذار في تل أبيب وشمال إسرائيل وأصوات انفج ...
- ارتفاع حصيلة الغارات الإسرائيلية على لبنان إلى 486 قتيلا وأك ...
- واشنطن تبدأ بنقل منظومات -ثاد- و-باتريوت- من كوريا الجنوبية ...
- دعوات إسرائيلية لمواصلة إغلاق الأقصى وذبح قرابين فيه
- دامت 20 دقيقة.. تفاصيل مكالمة متوترة بين ترمب وستارمر بشأن إ ...


المزيد.....

- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - راتب شعبو - المنشقون والثورة السورية