أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - راتب شعبو - توحيد الروايات الذاتية للجماعات السورية















المزيد.....

توحيد الروايات الذاتية للجماعات السورية


راتب شعبو

الحوار المتمدن-العدد: 6638 - 2020 / 8 / 6 - 12:22
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


بادرت الدولتان الفرنسية والجزائرية،إلى معالجة ما يسمونه "ملف الذاكرة"، فعين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون المؤرخ المتخصص بشمال أفريقيا بنجامين ستورا، وعين الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون مستشاره المكلف بالأرشيف الوطني والذاكرة الوطنية عبد المجيد شيخي، بغرض العمل معاً لإنجاز مصالحة بين الروايتين الفرنسية والجزائرية، وإنتاج رواية مشتركة تنهي ما يسمونه صراع الذاكرة وتعالج جراحها التي لا تجف. على هذا الطريق الطويل توجد مطبات ونقاط ألم ومنزلقات كثيرة، وسيواجه هذا الطريق مقاومات عديدة في فرنسا كما في الجزائر، لكنه مسار يفضي، إذا نجح، إلى صياغة موحدة عن التاريخ "المشترك"، ويفرض ما يفرض من تسويات واعترافات وتعويضات ..الخ. وفي كل حال فإنه مسار يتجه، مهما تعثر أو تقطع، إلى محطة حميدة في صالح علاقة البلدين، عوضاً عن صراع الروايات اللانهائي والذي لا يفضي سوى إلى تعزيز المشاعر السلبية والعداوات والمزيد من الصراعات غير المجدية.
سبق أن دخلت فرنسا مع ألمانيا في مسار مشابه محاولين وضع نهاية لتاريخ طويل من العداوة بين البلدين، تمتد من الحرب الفرنسية البروسية (1870) وتمر عبر الحرب العالمية الأولى ثم الثانية، إلى حد النظر إلى فرنسا وألمانيا على أنهما "أعداء بالوراثة". بعد جهود مشتركة كبيرة، يقال إنها تعود إلى عشرينات القرن العشرين، حين بدأ المدرسون الألمان والفرنسيون بنقد التصورات ذات النزعة العسكرية والقومية لدروس التاريخ، توصل البلدان في 2006 إلى نشر أول كتاب تاريخ مشترك لتدريس المرحلة الثانوية في كلا البلدين، وهو إنجاز لا سابق له في العالم، ويجسد أحد أهم تطورات العلاقات الدولية الحديثة، أي بروز فرنسا وألمانيا بوصفهما محور أوروبا الجديدة. التجربة لفتت نظر مثقفين خارج أوروبا، وبشكل خاص في دول شرق آسيا، رأوا أنها نموذجاً ممكناً لمعالجة ماضيهم المليء بالعداوات.
قد تلهمنا هذه التجارب للتفكير على نطاق محلي، في معالجة تعدد الروايات الشعبية في مجتمعنا السوري لتاريخ واحد. من الملحوظ أننا في سورية لا نزال نعيش في مجتمعات (communities) مغلقة إلى حد كبير على بعضها البعض، ولم تنجح تجربة الدولة الوطنية الحديثة المتعثرة في تعزيز تاريخ مجتمعي مشترك يحترم الجميع ويمكن الركون إليه. ولا يخفى على المراقب أنه بعد أن تعثرت الثورة السورية وتحطمت، تغلبت في المجتمع السوري العداوات الداخلية على العداوات مع الخارج، ووجدت الأطراف الداخلية، كل في روايته الخاصة، منبعاً للتشكيك الدائم بالآخرين وانعدام الثقة بهم، ولتعزيز العدائية ضد الأطراف الأخرى. تحولت الروايات الذاتية إلى وسائل للتلاعب السياسي والحشد الأعمى على كل جبهات الصراع، وعلى الضد من مصلحة جميع المحشودين.
الروايات التي تتداولها الجماعات السورية والتي تتعدد بتعدد الجماعات، وهي في أغلبها روايات شفهية أو مكتوبة بمنطق شفهي، تشكل منبعاً لكراهيات كامنة أو مستورة تسمم الحياة المشتركة في المجتمع السوري، وتتحول في لحظة الأزمات الاجتماعية إلى مصدر شحن لا ينضب للعداوات. في هذه الروايات اعتداء، بدرجات مختلفة، على التاريخ "الحقيقي"، بقدر ما يمكن معرفة التاريخ الحقيقي باستقلال عن الذاتيات والانطباعات والتجزيء والتخييل وأعمال الذهن الشعبي المشوهة (بكسر الواو المشددة). في كل رواية، تبدو الجماعة صاحبة الرواية جماعة منزهة عن الخطأ أو مغبونة الحقوق أو مستحقة للسيادة ..الخ، فيما تبدو الجماعات الأخرى ظالمة أو متوحشة أو عميلة .. الخ.
يمكننا في سورية تمييز نوعين من الروايات بحسب طبيعة الجماعات، هناك روايات قومية أو إثنية، تعمل على صياغة تاريخ يبالغ في الحقوق والمظلوميات ويشكل أساساً لسياسات قومية شوفينية (لا ترى حقوق الآخرين). وهناك روايات دينية أو مذهبية تعمل على الرفع من شأن الجماعة الدينية وتعزيز شعورها الذاتي ولحمتها عبر صياغة تاريخ من مظلوميات وملاحم وأحقيات. تنطلق هذه الروايات كلها من تاريخ فعلي ولكنها تحلق بعيداً عنه وفق نظرة ذاتية يغذيها الخوف والطموح معاً.
الروايات الدينية هي روايات تحتية أو مضمرة، على خلاف الروايات القومية، وإن كانت لا تقل عدائية وتقليلاً من اعتبار الآخرين أو حتى نفياً لهم. لكن ما يزيد من تعقيد موضوع روايات الجماعات الدينية أنها تقع خارج نطاق أي رصانة عقلية أو رقابة وجدانية، بسبب دخول البعد الديني أو الميتافيزيقي عليها. بنفس القدر الذي يمكن للتصور الديني أن يكون سنداً للقيم الإنسانية، يمكن أن يشكل ممراً سالكاً لهدم كل قيمة إنسانية حين يسحب الغطاء "الإنساني" عن جماعة أو عن أفراد محددين.
على هذا يمكن أن يصبح الآخرون مرشحين للإبادة بضمير مرتاح لأنهم ملعونون من الله بكل بساطة. أو يمكن أن يصبح الآخرون مجرد أشكال بشرية لقردة أو خنازير ..الخ. هذا النمط من الروايات يصعب استئصاله، لأنه يجد جذوره في منطقة لا تطالها المحاججة العقلية والمنطقية. غير أن كتابة تاريخ مشترك بمعايير عقلانية وموضوعية مسؤولة، يسرد بالقدر الممكن من العلمية والتوثيق علاقات الجماعات وصراعاتها، ليكون الأساس في التعليم المدرسي والأكاديمي، تشكل أحد الخيوط التي يحاك منها نسيج وطني متماسك.
الهروب من هذه المهمة، والإصرار على تعميم تاريخ لا يتحسس تاريخ المهزومين أو الخارجين عن الخط العام، سوف يقود إلى إنتاج تواريخ مضادة، بل ومتمادية في الضدية. في حين أن إنجاز هذه المهمة يمكن أن يشكل الأساس لاضمحلال الروايات الذاتية للتاريخ المشترك، ما يقود إلى اضمحلال منابع الكراهيات وانعدام الثقة المتبادل، ولاسيما إذا ترافق هذا مع المضي في تعزيز نظام سياسي ديموقراطي تشاركي غير تمييزي.
ندرك أن هذه مهمة شاقة وطويلة النفس، وقد لا يكون لهذا أولوية اليوم، ذلك أن مثل هذه المهمة تنجز في ظل استقرار سياسي فعلي قادر أن يحتضن عمليات الترميم المتعددة الأبعاد. أما اليوم، في ظل التنافر السياسي الحدي، نجد أن كتابة التاريخ تذهب، على العكس، إلى المزيد من الاستقطاب والذاتية ونفي الآخرين، كما نشهد في المناهج التعليمية المتعددة المعتمدة في سورية الممزقة. لكن لا يغير هذا من حقيقة أن المهمة الجريئة لإنتاج تاريخ مشترك يعالج صراع الخيالات والذواكر لدى الجماعات السورية، هي مهمة لا يمكن تخطيها، على طريق ترميم النسيج الوطني، إذا كان لهذا النسيج أن يرمم.



#راتب_شعبو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مناهج تعليم غير وطنية في سورية
- نجوم لسماء، أقحوان لمرج
- خفايا انتخابات مجلس الشعب السوري 2020
- مجلس نواب للنظام في الشعب السوري
- قصة صباح السالم وضرورة العمل المدني
- هوس اللامركزية في سورية
- جواب بسيط لأسئلة قلقة
- لكم أحلامكم ولنا الواقع
- في فرادة العقود الثلاثة الأخيرة
- -إعلان الوطنية السورية- بين الوطنية والقومية
- الكراهية بين السياسي والنفسي
- ماذا عن المظاهرات الأخيرة في السويداء؟
- حقوق الإنسان وحقوق السود
- بين الفيروس والفكرة
- في وصف حالنا
- نعومة مخلوف وبسطار الأسد
- هل يتراجع الدور الكردي في الجزيرة السورية؟
- تاريخنا وتاريخ الفيروس
- هل تؤسس الجائحة لدين جديد؟
- الحرب كفعل مستقبلي


المزيد.....




- -نحتاج الآن إلى محيط-.. ترامب يوقع أمراً تنفيذياً لتغيير اسم ...
- صباح الجمعة.. قفزة بأرقام ضحايا الفيضانات على حدود نيبال وال ...
- عمدة كندية ترد على قرار ترامب حول بحيرة أونتاريو: لا وقت لدي ...
- الأمن السعودي يعلن العثور على سودانية -تغيّبت- عن ذويها والس ...
- تقديرات أمريكية: عدد قتلى احتجاجات إيران ربما تجاوز الألف
- روائية شابة تزلزل سوق الكتاب الألماني.. ما سر نجاح كارولين ف ...
- من شهادات ضحايا احتجاجات إيران لـDW: -كانوا يطلقون النار بغر ...
- مفتش البحرية الألمانية: حرية الملاحة لم تعد أمرا مسلما به وب ...
- لأنه غازلها.. فقئت إحدى عينيه، وأطلقت النار على رأسه!
- هل وجهت موسكو إنذارا لواشنطن؟.. لافروف يرد


المزيد.....

- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - راتب شعبو - توحيد الروايات الذاتية للجماعات السورية