أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - راتب شعبو - -إعلان الوطنية السورية- بين الوطنية والقومية















المزيد.....

-إعلان الوطنية السورية- بين الوطنية والقومية


راتب شعبو

الحوار المتمدن-العدد: 6604 - 2020 / 6 / 28 - 11:50
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


صدرت في الأيام الأخيرة وثيقة "إعلان الوطنية السورية" بتوقيع عدد لا بأس به من السوريين. تغلّب الوثيقة، كما يشير عنوانها، "الوطنية" على القومية. فيما يلي سنتناول فهمنا لمعنى هذا التغليب وقيمته السياسية.
لدينا في سورية، كما في كثير من "الدول الوطنية"، مشكلة مستعصية على الحل ناجمة عن التعارض بين النزوع الوطني، الذي يعني تغليب الانتماء إلى البلد الفعلي (سورية الحالية) الذي لم يختر حدوده أصلاً، وبين النزوع القومي الذي يعني ميل أبناء القوميات في البلد إلى التمتع بحقوق قومية كاملة ومن ضمنها تكوين دولتهم القومية. لا يوجد حل نهائي لهذه المشكلة. هناك خياران سياسيان متعارضان، لكل خيار وجاهته الخاصة، وينشأ تعارضهما من التعارض الدائم بين القبول والتأقلم مع الإطار الحالي بوصفه الإطار "الوطني" النهائي، وبين التطلع والعمل لإنجاز وحدة قومية أو كيان قومي. هناك منظوران: بين جعل مركز التفكير داخلياً ويُنظر إلى الخارج من خلاله، أو جعل الخارج مركزاً وموجهاً للنظر إلى الداخل والعمل فيه.
سوف يبقى هذا التعارض إشكالياً أي مصدراً لإنتاج المشاكل، ولا مجال للخروج النهائي من هذا التعارض. إذا تناولنا سورية كوطن نهائي لأبنائه، كما تذهب وثيقة إعلان الوطنية السورية، كيف ننكر على الكرد في سورية تطلعهم إلى تحقيق حلم الدولة القومية المجهض؟ وكيف ننكر على العرب السوريين ذلك أيضاً؟ لا يبدو لنا أن نبش التاريخ يقدم حلاً للمشكلة، كما لا تحلها التنظيرات الإنكارية مثل تلك التي ترى في الكرد السوريين قوماً وليس قومية، كمقدمة نظرية لإنكار الحقوق القومية الكردية في سورية. ولكن بالمقابل، كيف ننكر على السوريين من غير الكرد رفضهم تحويل "وطنهم" إلى منطلق لصراعات "قومية كردية" تتجاوز حدودهم وتثقل على وطنهم؟ وبالدرجة نفسها كيف ننكر على الكرد أن يروا في ما يستجره الانشغال السوري بالقضية الفلسطينية أمراً "قومياً عربياً" لا يعنيهم؟
بين حقوق قومية مقرة دولياً (حق تقرير المصير) وممنوعة دولياً بالدرجة نفسها (الاعتراف الدولي بالحدود السياسي للدول الأعضاء ورفض تغييرها بالقوة)، تطرح القضايا القومية في سورية (بشكل أساسي بين الكرد والعرب) مشاكل مستعصية.
حين يتوفر في البلد المتعدد القوميات توافق بين التوزع السكاني والتوزع الجغرافي، يمكن التخفيف من التعارض المذكور من خلال إيجاد كيانات قومية داخل "الوطن"، أي كيانات حكم ذاتي بدرجات مختلفة تندرج في الحكومة المركزية. التداخل السكاني في سورية يعيق هذا الحل أو يجعله منطلقاً لإشكالات جديدة.
هناك من سوف يعترض على اعتبار سورية بلد متعدد القوميات مؤكداً على عروبة البلد، لكن ماذا عن السوريين غير العرب؟ كيف يمكن حل إلحاقهم بقومية ليست قوميتهم؟ بكلام آخر: كيف يمكن بناء رابطة وطنية فعلية ومتينة بين السوريين إذا كان سيتم إلحاق الوطنية السورية بقومية أكانت قومية أغلبية أو أقلية؟
طوال تاريخ سورية كانت "وطنية" الدولة محل خلاف وتنازع. الحزب القومي العربي الذي حكم سورية منذ 1963، اجتهد في سحق التطلع القومي للكرد السوريين، وفي فعله هذا كان يسحق "الوطنية السورية" أيضاً وبنفس القدر. لم تكن الأنظمة السياسية السورية السابقة أكثر "ديموقراطية" مع حقوق الكرد، لذلك كان هناك على الدوام اعتلال وطني في سورية مرافق للاعتلال القومي، ويمكن القول إن مصدر الاعتلالين هو انشغال السلطة السياسية دائماً في ترسيخ "أبديتها" على حساب كل المبادئ الأخرى، أكانت قومية أو وطنية. على هذا، من المفهوم أن يجد أصحاب التطلعين الوطني والقومي نفسهم في مواجهة الاستبداد.
اليوم تمر سورية بأكثر مراحلها الوطنية ضعفاً، في ظل الاحتلالات وخطوات التقسيم الصريحة والتشتت السياسي ..الخ. ضمن هذه المعطيات صدرت وثيقة إعلان الوطنية السورية ولاقت قبول من عدد غير قليل من السوريين.
الإعلان يحدد خياراً أمام السوريين، هو خيار تغليب الوطنية السورية على النزوعات القومية. لا شك أن في هذا نوع من القسر الذي لا مهرب منه، ولكنه من وجهة نظر الوثيقة هو الخيار الأنسب لسورية بوصفها "بيتاً" للجميع. هذا لا يعني أن ما جاء به الإعلان يعكس حقائق "علمية"، فالسياسة خيارات، والإعلان يحدد خيار سياسي استراتيجي لسورية يحافظ على وحدة سورية وينطوي حكماً، بالتالي، على منع حق الإنفصال.
من المفهوم أن يكون هناك خيار آخر يتضمن خيار الإنفصال بوصفه أحد الحقوق القومية المعترف بها عالمياً. هذا الخيار له وجاهته من منظور يعلي شأن القومية على الوطنية. ومن المقهوم أن يكون للعروبي السوري خيار يميل إلى العمل الوحدوي العربي، وكذا الحال فيما يخص الكرد، أو أن يكون للإسلامي السوري خيار لا يتقبل فكرة "الدولة الوطنية". دائماً كان في سورية مجال لوجود هذه الخيارات. يرى إعلان الوطنية السورية إلى نفسه على أنه الخيار الذي قد يلائم الجميع، من حيث احتواء التنوع ضمن الكيان الواحد، دون تغليب لون محدد من الألوان على الجامع الوطني، الذي يتسع ويحتفي، في الوقت نفسه، ببروز كل الألوان.
يمكن أن يثار نقاش حول السؤال: ومن قال إن الكرد يريدون الانفصال حتى يجري وضع خيارهم القومي في مواجهة الوطنية السورية؟ إذا كان الكرد لا يريدون الانفصال، وهم فعلا لا يرفعون هذا المطلب، فإنهم يطالبون بحقوق قومية منقوصة، وهذا لا يتعارض مع الإعلان. لكن المشكلة هي أن حق الانفصال يبقى، بشكل طبيعي، في وجدان الكرد، أو نسبة مهمة منهم على الأقل، كما أن في وجدانهم تشكيل دولة قومية لى أرض كردستان التاريخية. كما يبقى في وجدان السوريين العرب تطلع لا يموت إلى بناء الوحدة العربية. هذا أمر مفهوم بلا شك، ولكن وضعه ضمن استراتيجية سورية يفت في عضد الوطنية السورية. هذا يعني أن الوطينة السورية القابلة للحياة لا تستجيب لهذه النوازع وتنطوي بالتالي على إحباط أو قسر في وجه الخيارات البعيدة الأخرى.
هل يمكن تخفيف هذا القسر بأن يسمح لأصحاب النوازع القومية (أي من يغلبون نزوعهم القومي على الانتماء الوطني) بممارسة نشاطهم السياسي؟ بمعنى أن لا يتضمن الدستور منع النشاط السياسي الذي يتجاوز في أهدافه الوطنية السورية؟
في كل حال، ينبغي أن يكون في البال أنه لا يوجد في سورية حل نهائي للتعارض بين القومي والوطني، وأن الأمر هو خيار سياسي، وأن انتهاج خيار يعني مصادرة الخيارات الأخرى، ولكن المصادرة تتم هذه المرة بوعي وإرادة تحتاج إلى أغلبية وازنة من السوريين، أو إلى خيار جمعية تأسيسية منتخبة.
رغم أن الواقع السياسي الناجم عن صراع قوى خارجية هو ما رسم حدود سورية الواقعية، ورغم أن تجاوز هذا الواقع، تجاوباً مع تطلعات قومية أكانت عربية أو كردية، ليس في المتناول القريب ولا البعيد ربما، فإن الوطنية السورية هي الابتكار السوري الممكن. ابتكار رابطة وطنية واعية وديموقراطية تتوافق مع الواقع "المفروض"، يتفتح فيها القومي بالقدر الذي تسمح به الرابطة الوطنية، قد يشكل مخرجاً مقبولاً من التعارض بين القومي والوطني، وهو التعارض الذي يعيش في أحشاء سورية مثل ألم لا يهدأ إلا لكي يشتد.






الرأسمالية والصراع الطبقي، وافاق الماركسية في العالم العربي حوار مع المفكر الماركسي د.هشام غصيب
حوار مع الكاتب و المفكر الماركسي د.جلبير الأشقر حول مكانة وافاق اليسار و الماركسية في العالم العربي


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الكراهية بين السياسي والنفسي
- ماذا عن المظاهرات الأخيرة في السويداء؟
- حقوق الإنسان وحقوق السود
- بين الفيروس والفكرة
- في وصف حالنا
- نعومة مخلوف وبسطار الأسد
- هل يتراجع الدور الكردي في الجزيرة السورية؟
- تاريخنا وتاريخ الفيروس
- هل تؤسس الجائحة لدين جديد؟
- الحرب كفعل مستقبلي
- عن ذبح غير الابرياء
- عن المعارضين اليساريين لنظام حافظ الأسد
- انتصار الثورة المحطمة
- في الذكرى التاسعة للثورة السورية
- ادلب، هل يكون الشفاءمن جنس المرض
- اللقاء السوري الديموقراطي: ولادة جديد؟
- حين نتأمل في -صفقة القرن-
- حدود الاحتجاجات في مناطق سيطرة نظام الأسد
- الراية البيضاء
- تجاور الأزمنة في سورية


المزيد.....




- وزير خارجية قطر: أمر القبض على وزير المالية مرتبط بوظيفته ال ...
- وزير خارجية قطر: أمر القبض على وزير المالية مرتبط بوظيفته ال ...
- لودريان في لبنان.. تشكيل الحكومة أو العقوبات؟
- بريطانيا.. مقدمة رعاية للكبار تستولي على17 ألف إسترليني من ب ...
- نسبةٌ لم تُسجّلها بريطانيا منذ عقدين..زيادة عدد الوفيات جراء ...
- نسبةٌ لم تُسجّلها بريطانيا منذ عقدين..زيادة عدد الوفيات جراء ...
- برلماني مصري: نتوقع دور فعال لأمريكا في أزمة سد النهضة
- مراسلنا: انفجار عبوة ناسفة في سوق القائم غربي العراق
- غزة تباشر صرف المنحة القطرية في القطاع
- السعودية.. وفاة 8 فلسطينيين بحريق في جدّة


المزيد.....

- »الحرية هي دوما حرية أصحاب الفكر المختلف« عن الثورة والحزب و ... / روزا لوكسمبورغ
- مخاطر الإستراتيجية الأمريكية بآسيا - الجزء الثاني من ثلاثة أ ... / الطاهر المعز
- في مواجهة المجهول .. الوباء والنظام العالمي / اغناسيو رامونيت / ترجمة رشيد غويلب
- سيمون فايل بين تحليل الاضطهاد وتحرير المجتمع / زهير الخويلدي
- سوريا: مستودع التناقضات الإقليمية والعالمية / سمير حسن
- إقتراح بحزمة من الحوافز الدولية لدفع عملية السلام الإسرائيلى ... / عبدالجواد سيد
- مقالات ودراسات ومحاضرات في الفكر والسياسة والاقتصاد والمجتمع ... / غازي الصوراني
- استفحال الأزمة في تونس/ جائحة كورونا وجائحة التّرويكا / الطايع الهراغي
- مزيفو التاريخ (المذكرة التاريخية لعام 1948) – الجزء 2 / ترجم ... / جوزيف ستالين
- ستّ مجموعات شِعرية- الجزء الأول / مبارك وساط


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - راتب شعبو - -إعلان الوطنية السورية- بين الوطنية والقومية