أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ملف: وباء - فيروس كورونا (كوفيد-19) الاسباب والنتائج، الأبعاد والتداعيات المجتمعية في كافة المجالات - سعيد عيسى - التصوّرات المجتمعية لفيروس كورونا














المزيد.....

التصوّرات المجتمعية لفيروس كورونا


سعيد عيسى
كاتب - باحث

(Said Issa)


الحوار المتمدن-العدد: 6526 - 2020 / 3 / 29 - 16:59
المحور: ملف: وباء - فيروس كورونا (كوفيد-19) الاسباب والنتائج، الأبعاد والتداعيات المجتمعية في كافة المجالات
    


غالبًا ما ينظر للمرض من منظور بيولوجي – عضوي، بمعنى أنّ الطبّ هو الذي يمتلك زمام التشخيص، لكنّه مع تقدّم الدراسات والمقاربات المجتمعيّة، سيتمّ تجاوز ذلك التشخيص نحو أفق جديد، حقله وميدانه، التحليل المجتمعي، للصحّة والمرض؛ ما يعني، انتقالا، وتجاوزا، من تشخيص المرض ومقاربته بيولوجيّا وعضويّا، إلى مقاربته ودراسته اجتماعيّا؛ هذين التجاوز والانتقال، يعودان لعالم الاجتماع الوظيفيّ "تالكوت بارسونز" (١٩٠٢١٩٧٩)، الذي تجاوز الطّرح الطبّي، للصحّة والمرض، نحو اعتبارهما ظاهرة مجتمعيّة، متجاوزا بذلك الطّرح الدوركايمي (نسبة لـ "دوركايم") الذي يعتبر "أنّ الألم لا يقاس بشكل طبيعيّ، وما لم يعترف به مجتمعيّا بأنّه مرض"، وسبب عدم الاعتراف هذا، يعود، إلى غلبة البعد النّظريّ على المدرسة الفرنسيّة لعلم الاجتماع، واهتمامه به، أكثر من اهتمامها بما هو إمبيريقيّ (تجريبيّ)، على عكس من المدرسة الأميركيّة، التي اهتمت أكثر بما هو تجريبيّ، وإن جاء اهتمامها بـ "سوسيولوجيا الصحّة والمرض" متأخرا عن مثيلتها الأوروبيّة.

إذا كانت السوسيولوجيا الكلاسيكيّة متّهمة بالتقصير في دراسة الصحّة والمرض، كظاهرة مجتمعيّة، ولم تعر التفاتة لهما، إلا مع سبعينيّات القرن الماضي، إلا أننا نجد لهما حضورًا وازنًا، في الانثروبولوجيا، التي أبدت اهتمامًا بهما، ناظرة إليهما (الصحّة والمرض)، كظاهرة ذات أبعاد رمزيّة ثقافيّة، عن طريق إرجاعهما، إلى نسق من المعايير والقيم الثقافيّة لكلّ مجتمع، مثلهما مثل الدين والسّحر والمعتقدات والقيم والمقدّسات والثقافة وغيرها، وهي أبعاد، يحدّدها نسق المجتمع، وتصوّرات أفراده، وجماعاته للمرض.

حين ظهر فيروس كورونا في الصين، انفجرت التصوّرات المجتمعيّة لدى فئات واسعة من الأفراد والجماعات، ووسمته رمزيّا بـ "سخط إلهيّ"، أصاب الجماعات الصينيّة، نتيجة مخالفتها ما هو شائع وطبيعيّ لدى الجماعات السّاخطة، في معتقداتها وتصوّراتها، ومأكلها ومشربها، وتصرّفاتها، وحلالها، وحرامها... الخ.، ما أدّى إلى تهميش صورة المصابين، وعذاباتهم، لصالح اعتبارهم مخالفين لشرع الله ودينونته، فغابت مبادئ الانفتاح، والقبول بالآخر، وبثقافته، وديانته، والتضامن الإنسانيّ، وحلّت محلها تصوّرات مجتمعيّة محمّلة بتكثيفٍ هائلٍ من الإيديولوجيا، والثقافة المسيطرة والدين، وبات المرضى مهدّدين للتوازن الاجتماعيّ العالميّ، وخطرًا عليه، وعلى الكرة الأرضيّة، وظهرت معها أمراض الجماعات العالميّة النفسيّة، ملقية بغثّها ونفيسها، وتوصيفاتها، وكراهيتها، وتنمّرها، واستعلائها على بعضها البعض، يستوي في ذلك، الجماعات التي تعتدّ بتقدّمها وعلمها وإنسانيتها، مع تلك المعانية من النّقص والتأخّر والتهميش.

مع تفشّي فيروس الكورونا في لبنان، ظهرت سمات الخوف والارتباك على فئات من الجماعات اللبنانيّة، في حين، بقيت فئات واسعة متشبّثة بتصوّراتها ومعتقداتها، في رفض المرض والتعالي عليه، ورفض الاعتراف بوجوده بينهم، وترافق مع ورفض بعض الجماعات إغلاق مناطقها لحصر انتشار الفيروس، بنوع من التعالي، محمول على إيديولوجيا ووهمٍ مستمدين من أساطير حفرت عميقًا في البنية الثقافيّة اللبنانيّة، كما لجأ البعض الآخر إلى التهليل والتكبير، واحتجاجات على إغلاق المساجد والكنائس، وصولا إلى الصلاة الجماعيّة في الشوارع، والتّظاهر ضدّ فيروس الكورونا، ودعوة البعض الآخر لمعالجته بالطّرق التقليديّة – القرويّة من خلال الأعشاب والزعفران والعسل واليانسون والحرّ وشرب الماء السّاخن وغيرها، وكلّ هذا، يشي بتأويلات جماعيّة وفرديّة للمرض، انطلاقًا من التصوّرات الفرديّة والجماعيّة، المشكّلة للبناء الثقافيّ - السياسيّ .

إنّ التصوّرات المجتمعيّة للمرض، هي مرض بحدّ ذاته، يستدعي العلاج، للقضاء على السّائد من الأفكار، وهي لا تقف عند حدود فرد أو مجموعة أفراد، دولة أو جملة من الدول، بل تعمّ الكرة الأرضيّة بمجملها،
قد يكون زمن الحجر الذي ينوء تحته عالم اليوم، هو زمن التفكير، في نشر وباء قيم إنسانيّة عالميّة، يمحي مختلف التصوّرات التي نسجها البشر عن بعضهم البعض، يسير بهم نحو التعاطف الإنساني، فتحيل الأنا – الوباء، إلى نحن – الشفاء.






التسجيل الكامل لحفل فوز الحوار المتمدن بجائزة ابن رشد للفكر الحر 2010 في برلين - ألمانيا
الرأسمالية والصراع الطبقي، وافاق الماركسية في العالم العربي حوار مع المفكر الماركسي د.هشام غصيب


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الكورونا: قِسمَة العالم إلى فسطاطين، بريطانيا والولايات المت ...
- الصراخ في الشوارع مفيد لإسماع الصوت، لكنّ للفوز شروطاً
- الّلعب على الوقت
- السّلطة تراجع أوراقها فقط: كلام الانهيار لا يعنيها
- الديمقراطيّة التي لم تغيّر شيئا
- نقاش جديّ في اقتحام المصارف اللبنانيّة
- في الطريق نحو أتون المعركة: أسئلة لا بدّ منها
- الثقة هي من يوقف الاحتجاجات في الشوارع
- بيان -لجنة الدعم الدوليّة للبنان-: إعادة تشكيل للسلطة في لبن ...
- اختلاط المفاهيم: الشّارع اللبنانيّ وأهواء البعض
- صراع ثنائيّات: تفسير لما جرى وما سوف يجري في لبنان
- السّلطة الموقوفة بين تخوين المنتفضين أو محاولة امتطائهم
- المجالات الهوياتية: الشباب يعيد تعريف المُشتَرَكات
- الشباب المنتفض : موقوفون بين الليبيراليّة والراديكاليّة.. وب ...
- انتفاضة الشباب اللبناني: لغة مغايرة وقطيعة إيديولوجيّة مع ال ...
- أبعد من سقوط حكومة في لبنان: سقوط القوى السياسية الحاكمة
- الفقراء يستعيدون وسط مدينة بيروت
- لا حاجة للحوار لدى السّلطة اللبنانيّة: هي تُضمر عكس ما تُبدي
- قراءة أوّليّة للإجراءات الإصلاحية التي أقرها مجلس الوزراء ال ...
- الهاشتاغ بين ضفتين (١)


المزيد.....




- مجلس الأمن يعقد اجتماعا افتراضيا الأحد حول النزاع الإسرائيلي ...
- خبير برازيلي يتحدث عن أسباب رفض بلاده استخدام لقاح -سبوتنيك- ...
- القبة الحديدية لا تحمي
- روسيا تتعثر بمطبات طريق الحرير
- أحداث القدس: -العالم لا يتذكر الصراع الإسرائيلي الفلسطيني إل ...
- نانسي بيلوسي تدعم إجراء تحقيق أخلاقي في واقعة -اعتداء لفظي- ...
- الصين: نأسف لمنع أمريكا اجتماعا بمجلس الأمن حول الوضع في غزة ...
- صفارات الإنذار تدوي في مستوطنات غلاف غزة
- بايدن يدعو مصر وتونس وآخرين في المنطقة العربية إلى المساعدة ...
- جلسة علنية لمجلس الأمن الدولي الأحد حول النزاع الإسرائيلي ال ...


المزيد.....

- جائحة الرأسمالية، فيروس كورونا والأزمة الاقتصادية / اريك توسان
- الرواسب الثقافية وأساليب التعامل مع المرض في صعيد مصر فيروس ... / الفنجري أحمد محمد محمد
- التعاون الدولي في زمن -كوفيد-19- / محمد أوبالاك


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - ملف: وباء - فيروس كورونا (كوفيد-19) الاسباب والنتائج، الأبعاد والتداعيات المجتمعية في كافة المجالات - سعيد عيسى - التصوّرات المجتمعية لفيروس كورونا